في البداية، ظن الضباط الفيدراليون الأمريكيون انهم وقعوا على شحنة من الهيروين. فقد احتوت الرزمة المشبوهة، التي تم اعتراضها في الطريق من اليابان إلى عنوان خاص في الولايات المتحدة، على زجاجات عديدة مملوءة بمسحوق بلوري أبيض. لكن الفحوص التي اجريت على الفور اثبتت ان ذلك المسحوق لا يعتبر مادة مخدرّة. وقد مضى بعض الوقت قبل ان يتمكن علماء الطب الشرعي في مختبر لورنس ليفرمور الوطني الامريكي من التعرف على طبيعة هذه العينة، وما وجدوه كان كافياً لدق ناقوس الخطر. فالمسحوق تبين انه تترودو توكسين المعروف باسم «تي تي إكس» والذي يعتبر من اشد السموم فتكاً على الاطلاق. ويعتبر «تي تي إكس» اشد فتكاً من السبانيد بعشرة آلاف مرة، وقدرته على الفتك معروفة جيداً في شرق آسيا، حيث يؤدي بشكل منتظم إلى وفاة الاشخاص الذين يتجرأون على تناول نوع من السمك يدعى بـ «السمكة المنتفخة». ويتسم هذا السم العصبي بطريقة عمل مرعبة، فبعد 25 دقيقة على التعرض له، يبدأ بشلّ ضحيته تاركاً الدماغ واعياً تماماً لما يجري. وعادة ما تنجم عن ذلك الوفاة وذلك في غضون ساعات نتيجة للاختناق أو الأزمة القلبية. ولا يوجد لهذا السم أي نوع من أنواع الترياق، ولكن اذا استطاع المرضى تعيسي الحظ الصمود لمدة 24 ساعة، فانهم يتعافون عادة بدون مضاعفات اضافية. ويقدّر فريق علماء مختبر ليفرمور انك ستحتاج من اجل استخلاص الـ 90 ملليجراما من مادة «تي تي إكس» التي اكتشفها الضباط الفيدراليون ـ ستحتاج إلى ما بين 45 و 90 كيلوجراماً من اكباد ومبايض «الاسماك المنتفخة»، وهي الاجزاء الاشد سماً في هذه الاسماك. ولا احد يعرف الغرض الذي كان يجول بخاطر متلقي الشحنة في أمريكا. غير ان السنوات القليلة الماضية شهدت فك رموز السم نفسه المعروف باسم «تي تي إكس». انه ليس سماً عادياً، وانما هو يعتبر من بين السموم العصبية القليلة التي لا ترتكز على البروتين. والاغرب من ذلك هو انه يوجد في مجموعة واسعة من المخلوقات من الطحالب وحتى السمك المعروف باسم الملائكي. ومن المستبعد ان يكون هذا الجزيء الغريب قد تطوّر على نحو مستقل في هذا العدد الكبير من الحيوانات التي لا رابط بينها. اذن من اين جاء هذا السم؟. لقد تم استخراج السم وعزله لأول مرة في الستينيات من القرن الماضي على يد عالم الكيمياء في جامعة ستانفورد هاري موشر وتلميذه في الجامعة ميلانشتون براون من حيوان السمندل البحري. وبعد فترة ليست بالطويلة اكتشف موشر ان السم الجديد الذي استخرجاه يماثل في الواقع جزيئاً تم استخلاصه من السمكة المنتفخة ويعرف باسم «تي تي إكس». وفي السبعينيات، تبين ان سم الاخطبوط ذا الحلقات الزرق ما هو الا السم المعروف بـ «تي تي إكس». ومنذ ذلك الحين، اتسعت قائمة المخلوقات التي تحتوي على هذا السم الزعاف لتشمل الديدان المسطحة والسمكة الببغاء وقنديل البحر وسرطعانات حذوة الفرس، وغيرها الكثير من المخلوقات البحرية، بالاضافة إلى الضفادع الملونة السامة التي تكثر في الغابات الاستوائية. وعندما قام علماء الكيمياء بفك رموز التركيب الجزيئي لسم «تي تي إكس» لأول مرة في الستينيات، ذهل موشر كثيراً. فلا شيء مثل هذا التركيب تمت مشاهدته من قبل. وقد وجد موشر وزملاؤه صعوبة في تصنيف الجزيء الجديد. ويقول موشر: «انه ليس مركباً شبه قلوي أو حامضي او كربوهيدراتي. وهو ليس كأي حامض اميني تقليدي». وتشعر الضحية المتسممة بـ «تي تي إكس» في البداية بوخز حول الفم. ثم ينتقل الوخز إلى باقي اجزاء الجسم، مسبباً الشلل والشعور بالدفء إلى جانب موجات من الغثيان والتورم. ولان «تي تي إكس» غير قادر على اختراق الحاجز الدموي في الدماغ، فان المريض يظل واعياً على نحو عاجز بينما ينشل الجهاز العصبي بشكل كامل. وفي غضون ساعات أو أيام، ينتهي الحال بمعظم الضحايا إلى الموت المحتم. وبينما تطوّرت بعض الحيوانات بشكل يتيح لها تحوي القوى الشريرة لـ «تي تي إكس» إلى سم أو رادع ضد المهاجمين، فان الانسان يتعلم الان كيفية توظيف السم في استخدامات مفيدة. فهي تحتل مكاناً بارزاً في أدوات علم الاعصاب. ويمكن لكميات بسيطة من السم ان تحدث تأثيراً علاجياً لدى بعض المرضى، وخاصة اولئك الذين يعانون من آلام عصبية كتلك المصاحبة لمرض الشقيقة وتصلب الانسجة، لانه قادر على اختراق الخلايات العصبية. ويمكن ان يستخدم أيضاً بجرعات صغيرة في منع حدوث نوع من الصرع الذي ينجم عن الصدمات الدماغية الحادة. ضرار عمير