الشراع القطني الخشن ينتفخ وتشد الحبال ويبدأ الزورق الخشبي الابحار مصدراً انيناً تحت ضغط الرياح القوية التي تدفع الزورق عبر مياه المحيط الهندي. وعلى متن الزورق يروي الغطاسون المغتبطون تفاصيل مواجهاتهم مع مجموعة كبيرة من اشكال الحياة البحرية بين الجروف المرجانية في محمية مافيا البحرية. ويسأل مدرب الغطس الجنوب افريقي وهو يأخذ مرطباً من الثلاجة: هل رأيتم سمك المانتا الرعاد ذو النظارتين الزرقاوتين التي مرت فوق رؤوسنا؟ وكانت هناك أيضاً حورية برباط ساق في آخر جرف مرجاني زرناه. وترتسم الدهشة على وجوه الغطاسين المتدربين قبل ان ينتبهوا إلى ان مدربهم اودي مورفي يمازحهم. جزيرة مافيا ـ الاسم باللغة المحلية يعني الاستراحة، ولا علاقة له بعصابات المافيا ـ كانت سابقاً مكان صيد لآكلة لحوم البشر من مدغشقر. واستخدم البريطانيون الجزيرة كفخ لاصطياد البارجة الالمانية اس اس كونجسبيرج التي كانت تطارد الاسطول البريطاني على امتداد الساحل الشرقي لافريقيا خلال الحرب العالمية الاولى. واليوم يقول الغطاسون الذين يملأون هذه المياه ان السباحة فيها اشبه بالسباحة في اكواريوم مع الوف الاسماك بين الصخور المرجانية والجروف التي تطوق مجموعة الجزر. ان البحر حول مافيا من المراتع الرئيسية للحياة البحرية في تانزانيا والأقل استكشافاً وضجة من قبل حركة السياحة الجماعية، وهو يضاهي بفصائل الاسماك الجرفية التي يبلغ عددها 460 فصيلة و40 نوعاً من المرجان الصلب الملون ثم مساحات المرجان الطري، محمية سيرينجيتي وفوهة نورونجور البركانية، من حيث تنوع اشكال الحياة. وتؤكد مساحات الحشائش البرية والطحالب المحاطة بغابات المانجروف، ان مافيا هي واحدة من اجمل واوسع الجروف البركانية الموجودة قبالة الساحل الشرقي للقارة الافريقية. وتقع مافيا على بعد 40 كيلومتراً جنوب شرقي ساحل تانزانيا، وكانت سابقاً جزءاً من سلطنة زانجيبار عندما كانت تحت حكم العرب القادمين من عمان. وقد تولى المستعمرون البريطانيون مقاليد الحكم فيها عندما باع سلطان زانجيبار مافيا وشريطاً ساحلياً بطول 163 كيلومتراً على البر الحالي لتانزانيا وكينيا. ويطير مالا يزيد على 600 سائح إلى هذه الجزيرة سنوياً حيث يمضون ما معدله خمسة ايام. وهذا هو سر بقاء مافيا واحدة من اكثر الاماكن نظافة في السواحل الشرقية للقارة الافريقية. ويقيم حوالي 90 في المئة من الزوار في فندق كيناسي لودج الذي يستطيع استقبال 28 زائراً في اكواخ مبنية من سعف النخيل وبهندسة تعكس الطابع العربي والافريقي والأوروبي. وتستغرق الرحلة بطائرة خفيفة من دار السلام 45 دقيقة. وعندما تهبط الطائرة يكون في استقبال الركاب صاحب فندق كيناسي لودج، بيتر بان وطفلته ايليا «سنة واحدة». وبعد ذلك هناك رحلة تستغرق نصف ساعة بالسيارة إلى الفندق المطل على خليج تشول. جمال وهدوء الجزيرة يخفيان الحقيقة التاريخية وهي انها كانت في يوم من الايام هدفاً لغزوات آكلة لحوم البشر في مدغشقر. ففي العام 1829 تعرضت بلدة كوا، عاصمة مافيا، لهجوم من قبل 320 شخصاً من آكلي لحوم البشر جاءوا بثمانين زورقاً حربياً ودمروا البلدة ثم تعشوا على سكانها. ولم تبن البلدة من جديد. ولكن ثمة جزراً صغيرة واحواضاً تحولت إلى مسابح ومخابيء خاصة للمتنزهين. والذين لا يحبذون التنزه على حافة الماء، بامكانهم ان يتفرجوا على الامواج اللازوردية وهم مسترخين على اراجيح قريبة من الشاطيء. أما اولئك الذين يفضلون النشاط البدني فانهم يركبون الماء بالزحافات الشراعية، أو يذهبون بالزوارق الصغيرة إلى الحدائق المرجانية لممارسة الغطس أو ممارسة رياضة صيد الأسماك، سواء على الشاطيء أو عباب البحر أو الاعماق. والشجعان من هؤلاء يختارون الصيد بالطرق التقليدية مع الصيادين المحليين. ويقدم الفندق أيضاً رحلات بحرية ليومين أو ثلاثة ايام إلى الجزر الواقعة جنوبي مافيا من اجل الصيد والغطس والتخييم على الشاطيء. ولهواة مراقبة الطيور هناك أنواع عديدة من هذه الطيور، ومنها الطيور المهاجرة وأنواع تعيش في غابات المانجروف ولا يمكن مشاهدتها في الحدائق والمحميات الوطنية. كما ان جزيرة مافيا هي المكان الوحيد في العالم بعد ارخبيل جزر القمر حيث تتاح للزائر مشاهدة «الثعلب الطائر» وهو من الحيوانات المعرضة لخطر الانقراض، وهو يغطس في البحر. واخيراً، هناك رحلات منظمة إلى اطلال كوا الباقية من القرن الثاني عشر وحيث عثر علماء الاثار على قطع فخارية نادرة عمرها مئات السنين تشكل دليلاً على وصول الصينيين والفرس إلى الجزيرة. ولابد من الاشارة إلى ان جزيرة مافيا هي من المناطق التي يتفشى فيها مرض المالاريا، بما فيه أنواع مقاومة لعقار الكلوروكوين، ولذلك يتوجب على الزوار اخذ أدوية موصوفة من طبيب متخصص بالأمراض الاستوائية. أما مناخ الجزيرة فهو مناخ استوائي معتدل نادراً ما يكون حاراً جداً أو رطباً جداً وأفضل أوقات الزيارة هو شهر يونيو حتى نهاية شهر سبتمبر. أحد شواطيء جزيرة مافيا، وهي من اجمل الشواطيء الرملية على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية