شهد مقر الرابطة الثقافية الفرنسية بدبي مساء أمس الأول لقاء مفتوحاً مع الأديب الفرنسي «دومينيك فيرنانديز» المتخصص في أدب الرحلات والحائز على جائزة «جونكور» الاكثر شعبية للأدب بفرنسا في عام 1982. حضر اللقاء الأديب محمد المر والأديب عبدالغفار حسين الى جانب عدد من ابناء الجالية الفرنسية في الدولة والمهتمين بالأدب الفرنسي. استهل «فيرنانديز» اللقاء بمقدمة عرف فيها عن هويته الادبية حيث اشار الى انجازه قرابة خمسين عملاً أدبياً في الرواية وأدب الترحال، وعزا فيرنانديز ميله الى كثرة الترحال الى اصول والده المكسيكية التي دفعته الى التجوال عبر البحار لاكتشاف شيء ما في ذاته واضاف بأن رحلته الاولى كانت الى بريطانيا وهو في الثامنة عشرة من العمر ومن ثم الى ألمانيا لكن كلا الزيارتين لم تحدثا اثراً في داخله، في عام 1949 كانت زيارته الاولى لايطاليا التي ارتبط بها بعلاقة ثقافية حميمة تعود الى كونه «ابن الشمس» على حد تعبيره في اشارة الى اصوله المكسيكية، ومؤكداً على اثر المناخ الكبير في البنية الثقافية لأي دولة. ورغم زيارته الى عدة بلدان لكن ارتباطه تمثل في ثلاثة مناطق شكلت مرجعيته الثقافية في نتاجه الأدبي مبيناً ان المنطقة الاكثر ثراء في ذاكرته هي حوض المتوسط حيث زار كلاً من «اليونان ولبنان وسوريا ومصر وتونس وصقلية» مضيفاً ان هذه الدولة تشارك وتتقاطع بثقافاتها في اطار هوية متوسطية تشترك بها الدول العربية والاوروبية ومجسدة بذلك وقفة امام المد «الثقافي» الامريكي الذي يحاول ان يجعل كل جزيئات الثقافة متماثلة. واشار «فيرنانديز» الى مؤلفه «الأم المتوسطية» الذي يتطرق الى تفاصيل الحياة الثقافية في جزيرة صقلية وعبق الروح المتوسطية التي تتمركز فيها وتحدث الاديب الفرنسي عن خاصية التواصل الحضاري بين دول حوض المتوسط مستشهداً بالوجود العربي في الاندلس الذي افرز اثراً ثقافياً كبيراً في حواضر تنويرية كقرطبة وغرناطة واستشهد كذلك بحالة المزج بين الثقافة الاسلامية والمسيحية التي تشهدها ارض لبنان وسوريا وهذا المزج الثقافي هو بالتأكيد افضل من الاحادية الثقافية التي تعيشها الكثير من البلدان على حد تعبيره. وعرج «فيرنانديز» مرة اخرى على صقلية التي اعتبرها مركزاً للبحر المتوسط ومجمعاً للحضارات العالمية بدءاً باليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية والاسبانية والطليانية وتمتاز هذه الجزيرة بالبقايا الاثرية المهمة لكافة هذه العصور من معابد يونانية وكنائس اسبانية ما زالت محافظة على حيويتها واستمراريتها الثقافية. وانتقل «فيرنانديز» بالحديث عن الاقليم «المكان» الثاني الذي يمثل وجوداً قوياً في ذاكرته الادبية وهو قارة امريكا الجنوبية مبيناً ان ميله الى هذه المنطقة قد يعود الى اصوله اللاتينية والتشابه الثقافي مع ايطاليا، وتحدث «فيرنانديز» عن التفاوت الثقافي بين دول امريكا اللاتينية والذي يظهر جلياً في البرازيل التي كانت تخضع للحكم البرتغالي في حين ان النمط الثقافي في بوليفيا يبدو مختلفاً عن البرازيل لكن مجمل الدول اللاتينية تنسجم في قالب ثقافي احادي الى درجة ما. وتحدث «فيرنانديز» عن بلدان شرق اوروبا التي تعد المنطقة الثقافية الثالثة الخصبة في تجربته الادبية ورغم عدم اشتراك هذه الدول مع المناطق سابقة الذكر بكونها «بلاد الشمس» فهي تمتاز بخاصية تواصل ثقافي خاص بين العمق الحضاري الآسيوي والاوروبي.. وهي بلاد الشعر والحلم.. كل شيء يتساقط في تلك البلدان امام هاجس الحياة والعمل المتأصل فيها والاولوية هناك لحس الجمال وحرية الحلم. وتناول «فيرنانديز» روسيا بشكل خاص اذ اعتبرها اكثر البلدان التي تشهد حياة ثقافية حيوية مؤكداً ان هذا النفس الثقافي لا يقتصر على الطبقة المثقفة النخبوية مشيراً الى ضيق وصعوبة الوضع الاقتصادي الذي لم يحدث حالة وأد ثقافي، بل افرزت الحالة الاقتصادية المتردية دافعاً او نهماً ثقافياً لدى العامة في موسكو، فالثقافة في موسكو اضحت حاجة اجتماعية واستشهد الاديب الفرنسي بإقبال الشعب الروسي الكبير على القراءة واقبالهم الشديد على دور الاوبرا التي تصل الى ثلاث دور في موسكو وكذلك مسارح موسكو التسعة عشر التي تشهد نبضاً حياً ومحموماً. ومن ثم فتحت بوابة الحوار مع الجمهور بعد المقدمة الموجزة التي قدمها «فيرنانديز» عن تجربته في أدب الترحال. المداخلة الاولى حملت استفساراً عن وجود جاليات من ثقافات متعددة في الولايات المتحدة في حين ان امريكا تعيش ثقافة أحادية. وجاء رد «فيرنانديز» بتأكيده على عدم وجود ثقافات متعددة في امريكا التي شهدت عبر السنين عمليات جلب حضاري وفي النهاية فإن الثقافة التلفازية هي الطاغية هناك واشار «فيرنانديز» إلى ان امريكا تمتلك قوة المال ومثال على ذلك قوة الافلام الامريكية القائمة على ميزانيات ضخمة تلجأ الى استهلاك الجنس والمخدرات والسياسة لانجاح اعمالها في حين ان الامر يبدو مختلفاً في الولايات المتحدة عند الحديث عن الأدب، واضاف الاديب الفرنسي بأنه من حكم تجربته فقد تعرف على عدة حالات من الكتاب الذين طلب منهم شطب شخوص من رواياتهم او اضافة شخصية ما في رواياتهم قبل النشر وهذا دليل على حد تعبير «فيرنانديز» الى عدم وجود حرية ثقافية وحرية للابداع في امريكا. وفي مداخلة اخرى حملت تساؤلاً عن عدم وجود اصدار واحد للأديب عن الدول العربية في حين انه ادعى اهتمامه بالثقافة العربية، اشار فيرنانديز الى انه قدم كتاباً واحداً عن تونس وهو بصدد انجاز مؤلف عن سوريا بعد ان اقدم على عدة زيارات ميدانية لبلدات في مختلف الاقاليم السورية. وعن تعريفه لمفهوم الثقافة وهل هناك دور للتكنولوجيا في قتل الثقافة، اجاب فيرنانديز بأن الثقافة الحقيقية هي ما تحرك المجتمعات وتجعلها في الريادة وبالنسبة للتكنولوجيا فليس هناك ما يخيف ودورها ينحصر في نقل الثقافات. وفي مداخلة للأديب محمد المر تساءل عن أهمية المام الاديب الرحال بلغة المجتمعات التي يتناول ثقافاتها بكتاباته، اوضح «فيرنانديز» بأنه ليس لغوياً وهو لا يجيد سوى الفرنسية والايطالية وخلال تجواله يتعامل مع المجتمعات التي يحتك بها كالأعمى.. واعتبر الأديب الفرنسي عدم المامه بلغة هذه المجتمعات امراً ايجابياً اذ انه يستطيع تلمس جوانب كثيرة وقد تكون مغيبة بالنسبة لافراد هذه المجتمعات واستشهد فيرنانديز بتجربته مع روسيا حيث اشار الى قراءاته الواسعة في ترجمات الادب الروسي واقترابه من الموسيقى الكلاسيكية الروسية وعند زيارته الاولى لروسيا شعر بها وكأنها موطن وتعاطف مع هذا البلد الذي لا يجيد لغته.