في احد ايام عام 1353 قبل الميلاد، نهض فرعون شاب من فراعنة مصر، قبل طلوع الفجر، لكي يستقبل الشمس بقصيدة احبها، وربما كان هو كاتبها يقول مطلعها: «جميلة تطلين من افق السماء». فبالنسبة له، كانت اشعة الشمس تجسيداً لاسطورة قد تحمل «آتون» يكن لها مشاعر الاجلال. لم يكن هذا فجراً عادياً بالنسبة للفرعون الشاب ولا بالنسبة لمصر القديمة. فقد مات الفرعون امنحتب الثالث، وبات ابنه الشاب يملك مقاليد السلطة الكفيلة برفع «آتون» فوق الجميع في هيكل الالهة المصرية، بل وحتى فوق آمون، الذي ساد لمئات السنين في طيبة وسرعان ما يغير هذا الشاب اسمه إلى «اخناتون» ومع زوجته الملكة «نفرتيتي»، يدخل مصر في ثورة دينية مزقت عقوداً من التقاليد. ولم يتردد هذا الفرعون في منح نفرتيتي مكانة فريدة ونفوذاً لم تنله اي ملكة اخرى في يوم من الايام. وعلاوة على ذلك، فقد هجر طيبة لبناء عاصمة جديدة كبيرة تعرف اليوم باسم «تل العمارنة». وقد حظي اخناتون ونفرتيتي والفرعون الصبي توت عنخ آمون بلقب «فراعنة الشمس». كانت فترة حكمهم قصيرة. فقد حكم اخناتون لمدة 17 عاماً فقط. وفي غضون بضعة اعوام من وفاته في عام 1336 قبل الميلاد، اعيدت العقيدة القديمة إلى سابق عهدها. وسرعان ما قام اعداء اخناتون بتحطيم تماثيله وتفكيك معابده وانطلقوا لمحو كل ذاكرة له ولنفرتيتي من السجل التاريخي لمصر. غير ان الخلاف الذي احدثه الزوجان لا يزال قائماً. فلايزال علماء المصريات يناضلون من اجل جمع فصول قصة هذا الزوج الذي ردد ترانيم التوحيد وبانسياقهما وراء عاطفتهما وافكارهما، جعلا الامبراطورية المصرية القوية على حافة الانهيار. يقول نيكولاس ريفز، وهو عالم مصريات بريطاني: «لن تجد عالمين اثنين متخصصين بالاثار المصرية يتفقان على هذه الفترة من تاريخ مصر». ويبدو باري كيمب، وهو عالم اثار في جامعة كامبردج اكثر تشاؤماً حتى في قوله: «اللحظة التي تبدأ فيها بالكتابة عن هؤلاء الناس، فانك تبدأ بكتابة اعمال روائية من نسج الخيال». لكن الأمر المثبت هو ان اخناتون قد احدث ثورة حقيقية على التقاليد الدينية السائدة في مصر الفرعونية، تمثلت في مناح حياتية مختلفة كان منها الناحية الفنية، حيث أمر اخناتون النحاتين باضفاء مظهر اكثر واقعية على التماثيل التي تصور الفرعون وعائلته. وبالفعل، قام الفنانون بتصوير الفرعون بأوضاع غير رسمية، ملاطفاً زوجته نفرتيتي، أو ملاعباً أطفاله. ورسم الفنانون كذلك مناظر من الحياة والطبيعة. وفي الواقع فإن اخناتون اطلق موجة حماس ابداعية ادت إلى بروز اروع حقبة بالنسبة للفن المصري. ولا يزال الجدل يحتدم بين الخبراء حول ما اذا كان اخناتون اول الموحدين في العالم. فقد كان يصر على وجود اله عظيم واحد، خالق قدير، تجسد ـ حسب اعتقاده ـ في اشعة الشمس. لكنه اعتبر نفسه ونفرتيتي امتداداً لذلك الاله. كان تمرد اخناتون قد بدأ بوالده، الفرعون القوي امنحتب الثالث، الذي حكم مصر لمدة 37 عاماً خلال عصر ذهبي للامبراطورية المصرية. وقد استغل امنحتب الثالث ثروة تلك الامبراطورية في بناء سلسلة لم يسبق لها مثيل من النصب التذكارية. وهذه المسلسل تشمل مجموعة مبان متقنة في الكرنك والاقصر ومراكز دينية لآمون، راعي مدينة طيبة. كان اخناتون، على الارجح، متزوجاً من نفرتيتي عندما اعتلى العرش. وربما كان الاثنان لا يزالان طفلين عندما تزوجا، تماماً كما حصل مع ابيه وامه. لكن لا احد يعلم من اين جاءت نفرتيتي. فاسمها يعني «الجميلة اتت» وهو ما دفع بالباحثين في الماضي إلى افتراض انها قد تكون أجنبية المولد. اما اليوم، فيعتقد الكثيرون انها من بلدة تدعى اليوم «اخميم» وتنتمي إلى الاسرة المتنفذة نفسها التي انحدرت منها الملكة «تاي» أم اخناتون. وبغض النظر عن مكان مولد نفرتيتي، فقد كانت جزءاً لا يتجزأ من ثورة اخناتون منذ البداية. وسواء بواسطة الايمان أو القوة، فقد تمكن اخناتون من قلب مدينة طيبة رأساً على عقب، في السنوات الأربع الأولى من حكمه، حيث قام ببناء أربعة معابد جديدة لآتون حول معبد «آمون» في الكرنك. ويعتقد البعض انه ربما كان يحاول دمج الاثنين في كيان واحد. غير انه اثار حفيظة كهنة آمون بثورته الدينية. وفي السنة الخامسة من حكمه ازدادت حدة التوتر بينه وبين هؤلاء الكهنة الذين اجتمعوا ورسموا خطاً في الرمل تعبيراً عن العزم والتصميم على وضع حد لافعال اخناتون وبالفعل، فهم اخناتون الرسالة فهجر مدينة، طيبة واقام عاصمته الجديدة التي اسماها «اخيتاتون» وهو ما يعني «افق آتون». ضرار عمير