لقد بنى الملوك الكمبوديون الذين حكموا، في وقت من الاوقات، معظم جنوب شرق اسيا معابدهم المهيبة بالقرب من شواطئ بحيرة «تونل ساب»، القلب النابض لنهر الميكونج. وفي وقت لاحق، احكمت ممالك تايلاند ولاوس وفيتنام سيطرتها على مساحات ممتدة من النهر، حتى وصول الفرنسيين الى المنطقة في القرن التاسع عشر. ومن منبعه في هضبة التبت، يقطع نهر الميكونج اكثر من 4.500 كيلومتر مروراً بست دول. فهو يمر بمقاطعة يونان الصينية، ويلتف حول بورما، ويفصل تايلاند ولاوس، ويقسم كمبوديا، ويقذف برواسبه من الطمي الخصب في فيتنام، ثم يصب في بحر الصين. وبالاضافة الى كل ما قيل، فإن الميكونج يعيل اكثر من 155 مليون انسان يعتمدون على النهر لا في الحصول على احتياجاتهم من الغذاء والماء فحسب، وانما ايضاً في ري محاصيلهم وفي التنقل من مكان لآخر، ولهذا السبب، فإن التايلانديين يطلقون عليه لقب «ام الانهار». غير ان هذا النهر، شأن الممرات المائية الكبيرة في العالم، يتعرض للخطر هذه الايام. فقد بدأ التطور العشوائي المفرط بتهديد النظام البيئي الغني في النهر وكذلك مياه العشرات من المجتمعات التي تعيش على امتداد ضفافه. وادى التحطيب المستمر الى تآكل خط الشاطئ في الاماكن التي يحدث فيها فيضانات مدمرة، ففيضانات العام الماضي في كمبوديا وفيتنام اودت بحياة 500 شخص ودمرت قطعاناً من الحيوانات ومحاصيل زراعية وبساتين. وتستخدم عمليات الصيد واسعة النطاق، والتي بعضها قانوني وبعضها الاخر غير قانوني، شباكاً كبيرة ومصائد لصيد مئات الألوف من الاسماك في المرة الواحدة. وتؤدي عمليات الصيد التجارية هذه الى انقراض اصناف معينة من بينها سمكة السلور العملاقة والرايل التي اعطت اسمها للعملة الكمبودية. لكن الخطر الاكبر على الميكونج قد يتمثل في السدود الضخمة التي برزت على طول مجراه والتي يتم تشييدها لتوليد الطاقة الكهربائية. صحيح ان هذه السدود تمد منطقة جنوب شرق اسيا بالكهرباء، لكنها في الوقت نفسه تعيق الهجرة الطبيعية للسمك وتغير من مستوى المياه ونوعيتها وتضع حداً لعملية الجزر والفيضان الموسمية التي تعتبر حيوية لدورة التزاوج والتكاثر. براني نونجان، وهي امرأة تايلاندية تبلغ من العمر 43 عاماً، اعتادت الصيد من اجل كسب عيشها، حتى تم بناء سد «باك مون» في عام 1994 على احد روافد الميكونج، مما ادى الى قطع صيدها المعتاد. وهي تصف السد بـ «الكارثة» وتقول: «لقد قضى على سعادة عائلتي. وكما هو الحال في اجزاء اخرى من العالم، ارى بناء السدود على نهر الميكونج الى ازالة الغابات من المنطقة بشكل واضح والى تدمير الحياة البرية وتشديد عشرات الالوف من الفقراء الذين يعيشون بمحاذاة النهر، وبخاصة الاقليات العرقية. وهذا النوع من الضرر يقود حالياً الى عملية اعادة تقييم لمعرفة ما اذا كانت فوائد هذه السدود تستحق الثمن البيئي والاجتماعي الذي يدفع من اجلها. وفي تقرير صدر الصيف الماضي، حذرت لجنة نهر الميكونج، وهي هيئة ترعى في العادة مشروعات للتنمية في لاوس وتايلاند وكمبوديا وفيتنام ـ حذرت من ان النظام البيئي الهش في الميكونج يشهد تدهوراً واضافت انه اذا استمرالمعدل الحالي للدمار، فإن الغطاء النباتي والتنوع الاحيائي ومخزون الاسماك ونوعية التربة ستتضرر الى مستويات لن يكون بالامكان علاجها. خلال العقد الماضي، تمت معاملة نهر الميكونج من نواح عدة كبطارية عملاقة. وتحدث المسئولون في الصين ولاوس، على وجه الخصوص، عن قدرة النهر على توليد الطاقة الكهربائية والارباح، وبالتالي عن تطوير المنطقة التي لاتزال فقيرة. وكانت بكين قد اقامت سداً ضخما هو سد «مان وان» على نهر الميكونج على بعد 155 كيلومترا الى الجنوب من مدينة دالي. وهناك سدان اخران، هما داتشوشان وجنجهونج، من المقرر ان ينتهي بناؤهما ويبدأ العمل في غضون العامين المقبلين، هذا بالاضافة الى وجود عشرة سدود اخرى في مرحلة التخطيط. ويزعم الصينيون ان السدود تهدف الى تزويد المدن المتنامية في مقاطعة يونان بالكهرباء، وانها لن تؤذي نهر الميكونج. وفي الواقع ان بكين تصر على ان السدود ستفيد الدول الواقعة على مجرى النهر من خلال (ضبط) تدفق النهر بتقليله في موسم الامطار وزيادته في موسم الجفاف. ويتساءل اولئك الذين يعارضون السدود ما الذي سيحدث خلال موجة جفاف او فيضان كارثية في الصين. هل ستغلق بكين فتحاته خلال موسم الجفاف للحفاظ على الماء محولة مجرى النهر الى مجرد جدول هزيل؟ وهل ستفتح الابواب على مصراعيها خلال الفيضانات، مطلقة جراراً من الماء يمكنه عملياً ان يجرف معه مدناً تايلاندية ولاوسية بالكامل؟ قد تكون هذه السيناريوهات مستبعدة بعض الشيء، لكن الوضع الراهن في نهر الميكونج ينذر بمستقبل من المؤكد انه لن يكون في صالح النظام البيئي والتجمعات السكانية التي تعيش على ضفاف هذا النهر العظيم. ضرار عمير سدود الميكونج تنتزع القرى انتزاعاً اسماك.. ام ضحايا؟ الفقراء يدفعون الثمن صيادو الميكونج يواجهون المجهول