بالرغم من أن الاهتمام الأول للكاتب سيد خميس هو «التراث الشعبي وشعر العامية» إلا أنه من ذلك النوع من الكتاب الذي يمتلك ثقافة موسوعية تقوم على التنوع في حقول معرفية كثيرة، غير أن هذه الثقافة تنتظم في خيط واحد هو المنهج الذي يشكل رؤية الكاتب للكون والمجتمع والفكر، وسيد خميس يتمتع بذاكرة حديدية وحضور طاغ في الساحة الثقافية ومساهمات متنوعة في الصحافة المصرية والعربية وبخاصة صفحاتها الثقافية.. من كتب سيد خميس «الشعر العامي في مصر» و«وجوه واقفية» و«القصص الديني في التراث والتاريخ» وله خمسة كتب تحت الطبع. ـ متى بدأت رحلة القراءة، وكيف أخذت هذه الرحلة مسارها معك؟ ـ بدأت رحلة القراءة مبكرا جدا، كان أبي عالما أزهريا ووفديا وصوفيا في الوقت نفسه، وكانت مكتبته مقسمة الى هذه الأقسام الثلاثة فتعرفت على كتب الفقه والتصوف والأدب كما ارتبطت بالصحف الوفدية وخاصة جريدة المصري وكان ذلك في أواخر الاربعينيات، وكانت جريدة المصري تقود حملة تنوير واسعة وتستكتب في صفحتها الاخيرة كتابا من يسار حزب الوفد والحركة الوطنية الجديدة بشكل عام مثل د. عزيز فهمي وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالرحمن الخميسي وأحمد أبو الفتح ومحمود عبد المنعم مراد «كان هذان الكاتبان من كتاب الجناح اليساري للوفد» ثم الدكتور شكري عياد وزكريا الحجاوي الذي قدم على الصفحة الأخيرة عددا من الشعراء الجدد المصريين والسودانيين مثل كمال عبدالحليم وصالح الشرنوبي ومحمد الفيتوري وغيرهم. وقد كان هؤلاء الارهاص الأول لحركة الشعر الجديد، وعن طريق مكتبة أبي وصحيفة المصري والبلاغ وغيرها من الصحف الوفدية في هذه الفترة تعلقت بالثقافة الحديثة وحاولت ان أستوعبها بجهدي الخاص لاني كنت ادرك ان الثقافة الدينية هي قدري وكنت طموحا أن أحدث توازنا بين الثقافة التقليدية والحديثة، وهذا ما حدث عندما التحقت بالأزهر عام 1951 وكانت مصر كلها والقاهرة بشكل خاص تموج بشتى التيارات السياسية والفكرية وربما الغريب أنني تعرفت الى تيارات الثقافة الحديثة والفكر الاوروبي وقتها عن طريق طلبة الأزهر وبخاصة الطلبة السودانيين. رؤية نقدية ـ ما هي الكتب الامهات التي اجتذبتك في مرحلة التكوين هذه؟ ـ أهم الكتب في هذه الفترة كتب الأدب الروسي بخاصة روايات ديستوفيسكي والكتب التي تؤرخ لأزمة الفكر الاوروبي وقصة الحضارة «لديورانت» التي تؤرخ للحضارة بمجلداتها المتعددة، لكن الذي ساعدني على بلورة ثقافتي وتشكيلي العقلي كاتبان يبدوان متناقضين: سلامة موسى بكتاباته عن المنهج العلمي ونظرته للتطور والاشتراكية والتفسير المادي للتاريخ وخالد محمد خالد ورؤيته الثورية وقتها للتراث الديني، وقد لعب كتاباه الأولان «من هنا نبدأ» و«مواطنون لا رعايا» دورا عميقا في تكويني وتكوين جيلي من الطلاب القادمين من الريف وبخاصة ذوي الأصول الدينية لأن خطابه كان ملائما لهم أكثر من خطاب سلامة موسى والمفكرين الماديين الآخرين، ودلني ما كان يكتبه عبدالرحمن الخميسي في «ألف ليلة وليلة» الجديدة وزكريا الحجاوي عن الاغاني الشعبية وأحمد رشدي صالح في التراث الشعبي دلني هؤلاء الى رافد هام جدا وهو التراث الشعبي والجماعي، وقد استمرت هذه الروافد الثلاثة معي حتى الان: رافد التراث الديني والثقافي العربي المستنير ورافد الثقافة الاوروبية بمعناها التقدمي ورافد التراث الشعبي. ساعدتنا هذه الفترة وما شهدها من فرز وتدقيق خاصة وأنها كانت مصاحبة للتغير الثوري الكبير الذي جاءت به ثورة يوليو والذي ساعدنا على تكوين رؤية نقدية لتلك الروافد الثقافية وحمتنا من التبعية الثقافية او السلفية والانغلاق او الدروشة الشعبية. ـ هل تذكر مطبوعات بعينها أثرت فيك وفي جيلك؟ ـ هناك بعض المطبوعات التي لم تستمر طويلا ولكنها أثرت في وفي جيلي طويلا منها مجلة ثقافية أصدرها الفنان الراحل حسن فؤاد ومجموعة من الكتاب وهي مجلة «الغد» التي فتحت عيوننا الى ادب جديد وفن تشكيلي جديد وشعر جديد هو شعر العامية خصوصا اشعار بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين ومن هذه المجلات مجلة «الهدف» التي أصدرها أحمد حمروش ومجلة «الشهر» لسعد الدين وهبة والآداب البيروتية التي ربطت بين جيلنا والجيل نفسه في اقطار عربية أخرى. ـ كيف بدأت مرحلة القراءة المنظمة التي كان لها اثر ملموس فيما بعد في كتاباتك؟ ـ حددت لنفسي مبكرا مجالا أساسيا للكتابة والبحث وكنت قد بدأت مثل كل أبناء جيلي بكتابة الشعر ثم القصة القصيرة وتوقفت عنهما وحددت مجالين متداخلين للبحث والكتابة هما التراث الشعبي والشعر العامي. وكنت أرى أنه لا يمكن تأسيس ثقافة وطنية وقومية فاعلة دون الاعتماد على جذور حقيقية تلك الجذور التي كنت اراها متمثلة في التراث الشعبي الذي أبدعته الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة في التقدم والعدل والحرية بأكثر مما يتمثل في التراث المدون والذي يعكس في اغلب مواقف ومصالح الطبقات المسيطرة التي نهبت وشوهت ثقافة الشعوب مثلما نهبت ثرواتها، وكانت إعادة قراءة التراث الشعبي من وجهة نظر منحازة للطبقات التي أبدعته تقتضي إعادة قراءة التاريخ المصري والعربي من هذه الزاوية فقرأت التاريخ والتراث الشعبي قراءة منظمة. ووجدت ان شعر العامية لم يهتم به مؤرخو الأدب بل أهتم به المؤرخون العاديون مثل المقريزي وابن اياس والجبرتي. وقادني العمل الميداني لجمع نماذج التراث الشعبي الى دراسة صلة هذا التراث بالتراث العربي الاسلامي المدون، فقرأت كتاب الأغاني لأبي فرج الاصفهاني وكتب الجاحظ والمسعودي. أدب التسلية ـ ما هي الكتب أو من هم الكتاب الذين غيرت رأيك فيهم بعد فترة من قراءتك لهم ولماذا غيرت رأيك؟ ـ هناك كثير من الكتب والكتاب الذين أعدت النظر فيهم لأني اكتشفت بعد فترة قلة جدواهم وهناك كتاب لم أستطع ان أقرأ لهم غير كتاب واحد، من الاجيال السابقة على جيلي مصطفى صادق الرافعي، لم أستطع ان أستسيغ طريقته في الكتابة لأني وجدته بالنسبة لي خال من المعنى وليس شاعراً وليس بناثر، وإنما هو نوع من التوليد العقلي البلاغي، والكاتب الذي أثر في وفي جيلي لكننا تجاوزناه سريعا هوالمنفلوطي، حيث لم استطع اعادة قراءة أي كتاب له ومن الكتاب الذين عاصرتهم من الجيل السابق يوسف السباعي الذي لم استطع أن أقرأ له الا بعض صفحات من بعض كتبه، اما إحسان عبد القدوس فقد وقفت عنده فترة في مرحلة الصبا لم تطل كثيرا وكان اكتشافنا لنجيب محفوظ في رواياته الواقعية حتى الثلاثية الحد بالنسبة لنا بين الأدب العظيم وأدب التسلية. ـ من هم الكتاب الذين وجدت أنهم يستحقون أكثر من قراءة؟ ـ من الكتاب المصريين نجيب محفوظ فهو أكثر كاتب أشعر أنه يحتمل دائما اعادة القراءة والكتب العظيمة في التراث العربي والإنساني ومن الكتاب العظام الذين لا ينفد غناهم الفني والفكري والإنساني تشيكوف وديستوفسكي وأيضا يوسف إدريس. ـ هناك كم كبير من الكتب تقذف به المطابع يوميا هل هذا الكم يعبر عن كيف ابداعي؟ ـ بعض الكتابات فقط جيدة ولكن هناك ازمة في الابداع العالمي، والكيف الابداعي يأتي الان من الطبقات المهمشة والاقليات المهمشة والنساء. وكتاب الشعوب الفقيرة هم القادرون اليوم على ابداع شيء جديد والهروب من الخواء الابداعي الذي يهم العالم، ومن الروايات الهامة في السنوات الاخيرة في عالمنا العربي روايات ابراهيم الكوني الذي يصف عالم الطوارق وهو عالم غير مألوف لنا ثم بعض الأعمال المصرية والعربية مثل رواية صنع الله الاخيرة «وردة» والرواية احد وسائل الإنسان للمعرفة، لأنها تصور الحياة بدون تجريد والأدب بشكل عام يجسد الرواية خاصة في العالم الثالث تكشف عوالم مهمة جدا والعالم كله يمر بأزمة روحية يساهم الأدب الراقي بحلها وعلى رأس أدوات الحل الرواية. ـ هل تكتفي بقراءة ما يتصل بمجال تخصصك في الكتابة كما يفعل آخرون؟ ـ الاقتصار على ما هو تخصصي يأتي في المرتبة الاولى وفي المرتبة الاولى ايضا أحاول أن أتابع الأصول والأعمال الهامة في الأدب العالمي وبالنسبة لي فالقراءة متعة خاصة متفضلة عن الكتابة وأكاد أفضلها عن الكتابة فالقراءة ذات جدوى روحية في عالمنا الذي تتنازعه أدوات الاتصال الحديثة. ـ هل كل الكتب التي تشتريها ذات جدوى؟ ـ وسط هذا الركام أحاول أن أنتقي لكن هذا لا يمنع من الوقوع في الفخ حيث أشتري كتابا واكتشف أنه بلا جدوى والكارثة أن الكتاب يكررون بعضهم والأعمال المهمة أصبحنا نتعرف عليها بالحدس او من خلال الأسماء الكبيرة. ـ هل تهدي الكتب للآخرين؟ ـ أنا ضد إهداء الكتب لأن علاقتي بالكتاب تكاد تكون مرضية هناك ألفة كبيرة بيني وبين الكتاب حتى لو اشتريت منه أكثر من نسخة. ومع ذلك فقد أهديت الكتب التي استغنيت عنها ولم أعد بحاجة إليها. ـ ما هو أحب الكتب التي ألفتها الى نفسك؟ ـ كتاب «وجوه وأقفية» لأني حاولت أن أرسم فيه بانوراما للثقافة المصرية في لحظة انحطاطها فقد كانت هناك لحظة تواطؤ وصمت على التحولات والفساد وكان لابد أن أصرخ وأقول إن الصمت هو مشاركة في الجريمة فاستمرار الصمت سيعود بالكارثة مرة أخرى.