مؤلف هذا الكتاب «جون لويس جاديس» هو استاذ التاريخ في جامعة «يال» بالولايات المتحدة الامريكية. وهو اخصائي بالتاريخ الامريكي الحديث. هذا الكتاب «الولايات المتحدة واصول الحرب الباردة 1941 ـ 1947» يتم نشره ضمن اطار سلسلة تصدرها جامعة كولومبيا عن التاريخ الامريكي المعاصر. وقد نال هذا الكتاب عدة جوائز امريكية. وضع المؤلف الاطروحات الاساسية في هذا الكتاب منذ مطلع عقد السبعينيات في القرن الماضي «العشرين»، ليؤكد في شهر ابريل من عام 2000، اي قبل اشهر من صدور الكتاب بعد اعادة النظر فيه على ضوء المتغيرات العالمية التي اعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، بان أحداث التاريخ أكدت ما كان قد كتبه سابقاً حول سلوكية القوتين العظميين اللتين سادتا المسرح الدولي بعد الحرب العالمية الثانية اي الولايات المتحدة الامريكية التي غدت القوة العظمى الوحيدة اليوم بعد سقوط القوة العظمى الاخرى، اي الاتحاد السوفييتي. وتجدر الاشارة الى ان مؤلف هذا الكتاب يشير، منذ البداية، الى ان الدول الاوروبية الاخرى، بشقيها، الرأسمالي «الغربي» والاشتراكي «الشرقي» قد لعبت دوراً هامشياً في التأسيس لمرحلة الحرب الباردة التي استمرت عدة عقود من الزمن منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين عام 1989. ان كتباً عديدة جعلت من الحرب الباردة موضوعاً لها، اذا كانت الكتب الاخيرة التي تم نشرها حول هذا الموضوع، ومن بينها هذا الكتاب، تأتي بعد انهيار حالة الحرب الباردة بسنوات، فانها تتميز بالمقابل بتوفر كم كبير من المعلومات بعد فتح الاراشيف الخاصة بالسياسة الخارجية الامريكية والسياسة الامريكية السوفييتية للحقبة المدروسة والتي حددها المؤلف بين تشكل التحالف الكبير ضد المانيا الذي شهدته الحرب العالمية الثانية عام 1947 وحتى اعلان مباديء ترومان عام 1947. وقد كرس «جون لويس جاديس» جهده بشكل خاص لدراسة تطور السياسة الامريكية حيال الاتحاد السوفييتي «السابق» خلال هذه السنوات الست. كما يستعرض ضمن هذا الاطار مفاهيم القادة الامريكيين، آنذاك حول الحرب والسلام. ولعل اهم ما يميز هذا العمل هو ان صاحبه لا يحلل السياسة الخارجية الامريكية لتلك الفترة اعتماداً على مقولة «الباب المفتوح» التي تبناها اغلب المؤرخين. واذا كان موضوع هذا الكتاب، كما جاء في عنوانه يخص مباشرة «الحرب الباردة» فلعله يمكن القول بان موضوعه الحقيقي «التاريخي» هو سياسة الولايات المتحدة الامريكية خلال سنوات 1941 ـ 1947، كما يبدو من الاهتمام الذي اولاه المؤلف في تحليلاته لمؤتمر الدار البيضاء عام 1943 ولمؤتمري القاهرة وطهران عام 1943 ايضا، ومؤتمر برلين عام 1945 وبالطبع لمؤتمر يالطة عام 1945 الذي ضم الرؤساء الثلاثة جوزيف ستالين والرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل الذين وضعوا خارطة جديدة لاوروبا، كما مشوا «الخطوة الاولى» نحو «الحرب الباردة». وفي فصل اول من هذا الكتاب بدا بمثابة «مقدّمة» يستعرض المؤلف الخطوط العريضة لـ «الرؤية الامريكية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية». ويعتقد بأن الانشغال بالماضي حجب الكثير من معالم تلك الرؤية. واصبحت المشكلة الالمانية، اي تقسيم المانيا الى شرقية «شيوعية» وغربية «رأسمالية» في رأس قائمة اهتمام الادارة الامريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبالتالي اصبح مركز «الصدام» بين القوتين العظميين في ظل الحرب الباردة لاحقا يدور بشكل كبير حول «المسألة الالمانية». ولم تجد «الخطة الكبرى» التي قال بها الرئيس الامريكي روزفلت للتعاون مع روسيا ترجمتها في ارض الواقع لانها لم تكن تتماشى عملياً مع افق الاستقطاب الثنائي الدولي الذي كان يرتسم في الافق ومعه «شبح الحرب الباردة». وفي فصل اخر حول مفهوم «الثورة العالمية» التي تشكل عصب الايديولوجية السوفييتية والرؤية الامريكية حيال هذا المفهوم يؤكد المؤلف بان مثل هذه الاطروحات كانت في صلب تحديد طبيعة العلاقات الامريكية ـ السوفييتية، وذلك باتجاه «التنافس» وليس «التعاون». وكانت الاممية الشيوعية التي اراد الاتحاد السوفييتي ان يجعل منها الحامل الايديولوجي لزرع بذور الثورة في جميع انحاء العالم، بمثابة سبب مباشر لـ «تسميم» العلاقات بين القوتين العظميين اللتين سادتا المسرح الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، اي الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي «السابق». هذا لاسيما وانه اعتباراً من عام 1939 كانت اغلبية الرأي العام الامريكي تربط بين «الفاشية» و«الشيوعية». ولم يغيّر التحالف الكبير، الذي قام منذ نهاية عام 1941 وضمّ الولايات المتحدة الامريكية والدولة الشيوعية السوفييتية لمواجهة المشروع الهتلري، من واقع وجود التباين الايديولوجي الكبير بين هاتين القوتين العظميين وبين المشروعين «الاجتماعيين» و«الحضاريين» اللذين عملتا على تحقيقهما. وزاد وجود النظام الستاليني في الاتحاد السوفييتي والموقف الصارم ضد الكنيسة الارثوذكسية من شقة الخلاف بين النموذجين، وشهدت الولايات المتحدة الامريكية عام 1944 حملة ضد مشروع تواجد حزب شيوعي قوي، بل اصبح يتم النظر الى الشيوعيين وكأنهم جسد غريب عن المجتمع الامريكي. وكانت «المكارثية» فيما بعد احدى تعبيرات رفض الشيوعية في امريكا وذلك على اساس توجيه الاتهام للاحزاب الشيوعية بانها مرتبطة «مباشرة» مع القيادة العليا في موسكو. ولم يغيّر من هذه الصورة كثيراً ايضا المقولة الستالينية الخاصة بـ «امكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد»، اي ما رأى به العديد من النقاد تخلياً عن اطروحة الثورة العالمية. ويناقش المؤلف باسهاب الاسباب التي دفعت ادارة الرئيس الامريكي الاسبق فرانكلين روزفلت للعمل من اجل «تحسين» صورة الاتحاد السوفييتي في الولايات المتحدة الامريكية بعد «التحالف الكبير» الذي شهدته الحرب العالمية الثانية ضد هتلر. لكن ذلك التحالف «السياسي» لم يلغ ابداً، بل لم يخفف من التناقض «الجذري» الايديولوجي، كما تدل «الآراء» العديدة التي ينقلها المؤلف من العديد من المصادر الصحفية والكتب. ولا يتردد المؤلف في القول: «ان احد المفاتيح الحاسمة في تحديد طبيعة العلاقات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين روسيا والعالم الغربي تمثل في الدور الذي لعبته الايديولوجية التقليدية الروسية في السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي». وبتعبير اخر كانت «الايديولوجيات» هي العائق الحقيقي امام تنفيذ «خطة روزفلت» للتعاون مع الاتحاد السوفييتي. لكن المؤلف «يفتح» في هذا النهج من التفكير «قوسين» ليؤكد بان الامريكيين وجهوا عداءهم الأكبر للشيوعية ضد «الشيوعيين المحليين» اكثر مما هو ضد «الشيوعيين الروس». واعتباراً من عام 1943 بدا ان حواراً معمقاً قد تم الشروع به بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا بشكل خاص لمواجهة «الوضع السياسي المأساوي» في اوروبا والذي كان مصدر القلق الرئيسي حياله هما المشروع الهتلري وسيطرة الدكتاتورية الشيوعية الستالينية. حيث انهما كانا يمثلان تهديدا لا يمكن السماح به ضد المؤسسات الغربية الحرة واذا كان المشروع الهتلري قد انتهى بالهزيمة العسكرية الكبيرة التي منيت بها المانيا الهتلرية فان «الدكتاتورية الستالينية» تعززت وقوّت من مواقعها السياسية، ولكن الايديولوجية ايضا مما شكل تكريساً لواقع الاستقطاب الثنائي الدولي ولخلق المناخ المناسب لاجواء «الحرب الباردة»، هذا لاسيما وان انتصار «الحلفاء» على دول «المحور» في الحرب العالمية الثانية كان مرتبطاً الى حد كبير بالجهد العسكري السوفييتي، وليس في الحالة الالمانية فقط وانما ايضا في هزيمة اليابان. وقد كانت تلك المساهمة العسكرية السوفييتية بمثابة «اعتراف» بدور القوة الروسية على الصعيد الاوروبي وفي منطقة الشرق الاقصى. هذه المعادلة الجديدة كانت قائمة اثناء التفاوض بين زعماء العالم الثلاثة روزفلت وستالين وتشرشل في قمة «يالطة» عام 1945. وبمعنى ما يرى مؤلف هذا الكتاب بان «المعضلة الامريكية» المتمثلة في التحالف العسكري والسياسي مع الاتحاد السوفييتي «السابق» من جهة والعداء الايديولوجي العميق له من جهة اخرى، كانت الى حد كبير احد «البذور» الاولى في بروز الحرب الباردة لاحقا. ولم يكن مشروع «مارشال» الامريكي، فيما بعد، للمساعدة في اعادة تعمير اوروبا اثر الخراب الذي سببته الحرب سوى تعبير عن تأكيد الدور الامريكي في اوروبا بمواجهة الاتحاد السوفييتي في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. مع ما رافق ذلك من بروز مفاهيم جديدة للأمن قائمة على اساس تحديد «موسكو» كمصدر التهديد الحقيقي للغرب الرأسمالي الذي تولّت الولايات المتحدة الامريكية الدور القيادي فيه اعتباراً من بداية دخولها في الحرب العالمية الثانية وتأكد دورها ذاك على قاعدة الجهد العسكري الحاسم الذي كان احد العوامل الاساسية في انتصار الحلفاء وهزيمة المشروع الهتلري «مصدر التهديد السابق». ويؤكد المؤلف في القسم الاخير من هذا الكتاب على اهمية وصول «هاري ترومان» الى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية عام 1945، بعد فترة وجيزة من معاهدة «يالطة»، ذلك ان انتقال السلطة ترافق مع تغير كبير في «استراتيجية التعاون» التي وضع الرئيس روزفلت خطة لها. ومع ترومان ايضا تسارع السباق من التسلح النووي بين القوتين العظميين لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبارا من عام 1947 بدأت ملامح التوجه السياسي الامريكي «الجديد» واضحة باتجاه «الحرب الباردة» على قاعدة مفاهيم «جديدة» لأمن الولايات المتحدة الامريكية ومعها العالم الغربي.