جان لاكوتور هو احد اشهر الكتاب الفرنسيين المعاصرين. سبق له ونشر عشرات الكتب حول تجربته الطويلة في عالم الصحافة والفكر حيث كان قد عمل مراسلات في مناطق عديدة من العالم، تمتد من فيتنام اثناء فترة الحرب وحتى الشرق الاقصى ومروراً بالجزائر ولبنان. واذا كان يكرس هذا العمل لكتابة سيرة حياة جيرمين تيلون فانه سبق له وقدم احد اهم الاعمال حول سيرة حياة الجنرال شارل ديجول وحيث اعتبر عددا من النقاد بأن كتابه عن الجنرال هو الاكثر الماماً بمختلف جوانب حياته، كما نشر سيرة حياة اخرى عن الاديب الفرنسي فرانسوا مورياك. وجيرمين تيلون التي تشكل سيرة حياتها موضوع هذا الكتاب هي احد اهم الباحثين الفرنسيين في مجال الانتولوجيا خلال القرن العشرين وكانت قد نشرت كتاتباً تحت عنوان كان هناك الانتولوجيا الذي عرضه «بيان الكتب» في احد اعداده وكانت تيلون قد اعتبرت باستمرار بأن معركة حياتها الحقيقية هي محاربة مختلف اشكال الانظمة والايديولوجيات ذات النزعات الشمولية التوتاليتارية، وايضا مختلف اشكال الظلم مهما كان مصدرها. ولذلك لم تتردد في ان تعلن موقفها المناهض للاستعمار الفرنسي في الجزائر كما تدل شهاداتها العديدة التي قدمتها منذ ان ذهبت باحثة شابة الى تلك البلاد خلال عقد الثلاثينيات، وكذلك لم تتردد في دعم نضال الشعب الجزائري عند قيام ثورة التحرر عام 1954، وذلك دفاعا عن موقف انساني عادل وليس تعاطفا مع التيار السياسي الذي كانت تمثلة جبهة التحرير الوطني الجزائرية. كانت جيرمين تيلون «قد ذهبت الى الجزائر عام 1933، وتحديداً الى جبال الاوراس الواقعة في الشرق الجزائري. كانت باحثة شابة لكنها كانت تمتلك بشكل خاص عيونا ثاقبة نسمح لها بالرؤية وعقلا قادراً على التفكير وقلبا يكتنز على ثروة من العطاء. ومن قبيل المصادفة انه في تلك السنة ايضا كان ادولف هتلر ممثل الحزب النازي الالماني قد وصل الى السلطة في بلاده. وكانت جيرمين قد كتبت في يوميات السفر، التي دونتها آنذاك آراء مناهضة للمشروع النازي الذي كان يرتسم في الافق. ولم تتردد فيما بعد بأن تكون عنصرا فاعلا في المقاومة الفرنسية التي قادها الجنرال شارل ديجول ضد الاحتلال النازي لفرنسا في السنوات الاولى من الحرب العالمية الثانية. ويؤكد جان لاكوتور في هذا الكتاب على التأثير الكبير الذي مارسه عالم الاجتماع الفرنسي الكبير مارسيل موسى على جيرمين حيث كان استاذها خلال دراستها خلال دراستها الجامعية. ويرى المؤلف بأنها قد طبقت بشكل دقيق تعاليم استاذها التي كانت تقول «عدم الركون الى تأكيد المعرفة على اساس الرؤية السابقة وعدم اصرار احكام اخلاقية سريعة، وعدم الاندهاش كثيراً امام الاشياء والاندفاع وراء فكرة تسيطر على الرأس». ولعله من المهم في هذا السياق الاشارة الى التأثير الكبير والحاسم الذي مارسه مارسيل موسى على جيل من الباحثين المجددين في فرنسا بمختلف ميادين البحث من امثال مارك بلوك ولوسيان فيفر اللذين كانا، الى جانب فرناند بروديل، مؤسسي المدرسة الفرنسية الجديدة لقراءة التاريخ، والمعروفة باسم «مدرسة الحوليات. وايضا من امثال كلود ليفي ستروس، اخر الكبار من جيله مؤسس البنيوية وعالم الانثروبولوجيا الكبير. كما ان مارسيل موسى هو بمثابة الاب الروحي لمؤرخ فرنسي اخر لم ينخرط في التيار الذي اسسته مدرسة الحوليات، وهو جورج دوميزيل، وتجدر الاشارة هنا ايضا الى ان مارسيل موسى كان قد بدأ بتدريس تاريخ الاديان، في المدرسة الفرنسية العليا للدراسات الاجتماعية منذ مطلع القرن العشرين، وذلك قبل ان يؤسس معهده للدراسات الانثولوجية عام 1925. والى جانب الدور الكبير الذي لعبته افكار مارسيل موسى في التكوين الفكري وفي مناهج البحث التي اتبعتها جيرمين في اعمالها يرى جان لاكوتور بان هناك مصدراً اخر كان له ايضا تأثيره الكبير عليها ويتمثل في شخصية لويس ماسينيون، الذي كان بمثابة المرجع الفرنسي الاهم في ميدان الدراسات العربية الاسلامية. وقد كان تأثير ماسينيون بارزا من خلال اختيار جيرمين تيلون للجزائر في تكون الميدان الذي مارست فيه عملياً ابحاثها على ارض الواقع بعد مهمتها الاولى في جبال الاوراس التي كانت بمثابة منطقة شبه مغلقة امام الفرنسيين رغم اكثر من قرن من الاستعمار. ويؤكد جان لاكوتور في هذا السياق بأن جيرمين تيلون كانت في حالات بعض قرى الاوراس هي المرأة الفرنسية الاولى التي رآها السكان المحليين ان المؤلف يعتمد كثيراً في آرائه هذه على كتابات جيرمين نفسها في يومياتها حول تجربتها الجزائرية الاولى، وذلك لانها عادت فيما بعد الى الجزائر مرات عديدة بعد مرحلة القطيعة عنها التي عرفتها اثناء انخراطها في حركة المقاومة ضد الاستعمار النازي وتعرضها للسجن وارسالها الى احد معسكرات الاعتقال حيث بقيت فيه (430) يوما. وقد كتبت تيلون صفحات جميلة عن المشاعر الانسانية اثناء فترة الاعتقال وفقدان الحرية. ويحلل جان لاكوتور على مدى صفحات عديدة في كتابة خلفية الموقف الذي تبنته، جيرمين تيلون حيال مسألتين اساسيتين كرست لهما الكثير من كتاباتها وهما القمع في الاتحاد السوفييتي (السابق) وخاصة معسكرات الاعتقال في سيبيريا التي كان يتم ارسال المعارضين السياسيين للنظام اليها بشتى الحجج، والمسألة الاخرى هي حرب التحرير التي بدأها الجزائريون منذ عام 1954 لمطالبة بتقرير مصيرهم والحصول على استقلالهم السياسي وسيادة بلادهم، وفي الحالتين اعتمدت جيرمين تيلون موقفا مؤيداً للحرية باسم الدفاع عن الحقيقة وحيث اكدت مراراً وتكراراً بأن الموقف المبدئي حيال معارك الحركة في كل مكان يتطلب قبل كل شيء البحث عن الحقيقة، ومن هنا طالبت فرنسا والفرنسيين البحث عن الحقيقة حيال حرب التحرير الجزائرية. وهكذا لم تتردد في اعلان موقفها المناهض للتعذيب، والمطالب بالسلام، كما يشرح جان لاكوتور على مدى اربعة فصول من فصول هذا الكتاب. ولا شك بأن هذه الفصول الاربعة تكتسي في المرحلة الراهنة اهمية خاصة ذلك ان العديد من الكتب والدراسات في فرنسا قد فتحت ملف التعذيب في الجزائر، الذي مارسه الفرنسيون ضد ثوار جبهة التحرير الجزائرية وكل من كان يمت لهم بصلة من قريب او بعيد، وتجدر الاشارة هنا الى ان فتح هذا الملف علانية وعلى المستوى الوطني الفرنسي وبعد اربعين سنة من تلك الاحداث انما يأتي بعد اقرار فرنسا رسميا على صعيد الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) منذ حوالي العامين فقط بقيام الحرب الجزائرية وحيث ان تلك الحرب لم تكن موجودة رسمياً رغم مئات آلاف الضحايا الذين سقطوا فيها، وما يؤكد عليه جان لاكوتور في سياق موقف تيلون حيال تلك الحرب ومنذ نشوبها هو الشجاعة الفكرية التي تحلت بها. ولا شك بأن مثل هذه الشجاعة الفكرية تشكل احد المعايير، بل والمعيار الاساسي لعلاقة المثقف بالسلطة السياسية في جميع الامكنة وفي كل العصور، وهذا ما اراد جان لاكوتور ان يناقشه بعمق من خلال مواقف جيرمين تيلون موضوع كتابه وحيث حاول ان يبرز السمات العلمية ولكن ايضا واساسا الاخلاقية المتفردة التي اكدتها في مسيرة حياتها. وفي مواقفها، مما دعاه الى ان يطلق عليها صفة احدى بطلات القرن العشرين. ولعله من الجدير هنا التأكيد ايضا على الشجاعة الفكرية لمؤلف هذا الكتاب «جان لاكوتور» الذي حاول من خلال تعرضه لسيرة حياة جيرمين تيلون ان يؤكد على بعض سمات المثقف الحقيقي مثل المقاومة ورفض الظلم وتأييد الحرية والمطالبة بالعدالة بصرف النظر عما يمكن ان تجره مثل هذه المواقف على من يتخذها، فحياة جيرمين تيلون عرفت الكثير من المآسي ولكنها لم تكن عن متابعة معركتها بالسلاح الذي تمتلكه، اي مواقفها الفكرية الصريحة ونضالها ضد جميع اشكال الاضطهاد، انها كانت دائما بجانب القضايا التي تبدو خاسرة، في البداية، وكان ذلك تعبيرا يعني الوقوف الى جانب القضايا العادلة، وكانت جيرمين تيلون قد كتبت الى احدى صديقاتها، كما ينقل عنها المؤلف، في رسالة لها وهي في معسكر الاعتقال: عزيزتي، في اي حدث انساني، وعندما يبدو ان كل شيء خاسر، يبقى هناك 5% الى 10% من المجهول، وغير المتوقع، هذا هو قانون المجتمعات الانسانية وعلى هذه الـ 5% او الـ 10% راهنت دائما وانتصرت غالبا. كتاب عن درس في الانسانية نشره مؤلفه في نهاية قرن لم يكن انسانياً كثيراً بحربين كونيتين ومئات الحروب الاخرى