كان «فيليب اوجار» مؤلف هذا الكتاب لمدة اكثر من عشرين سنة احد الوسطاء المعروفين في اسواق البورصة. ثم عمل مستشاراً لدى عدد من شركات الاستثمار ذات النشاط الدولي. موضوع هذا الكتاب هو صعود دور بنوك الاستثمار اللندنية ثم انهيار هذا الدور. ويحدد المؤلف تاريخ 27 اكتوبر من عام 1986 كنقطة حاسمة في «تحول الاسواق المالية اللندنية» كانت انذاك مرجريت تاتشر تبارك اللقاء بين «بنوك الاعمال والمجموعات العاملة في البورصات والوسطاء الماليين». وقد قام المجتمعون بتحضير تصور لـ «ضوابط جديدة» ترمي بالدرجة الاولى الى احكام السيطرة على النشاطات المالية التي شهدت «تحديث آلياتها» بصورة مذهلة وجذرية. ويناقش المؤلف في هذا الاطار الفكرة التي ترددت حول انشاء «بنوك استثمار» بريطانية تكون قادرة على منافسة البنوك العالمية الاخرى، وخاصة الامريكية في الاسواق المالية التي شهدت هي الاخرى تغيرات نوعية من حيث اليات عملها. كان المطلوب هو تأمين «الحضور المالي» الانجليزي في الاسواق العالمية. لكن الترجمة الفعلية لذلك التوجه الاستثماري العالمي كان في واقع الامر نوعاً من «الغزو الاجنبي الخارجي» للمجموعات والشركات الاستثمارية البريطانية. كما عرفت الاسواق المالية الانجليزية سلسلة من الخسائر مما دفع البنوك الى التخلي، واحداً بعد الاخر، عن فكرة التوسع. وفي شهر يناير من عام 2000 تم الاعلان عن بيع «بنك شرودر للاستثمارات» كي تصبح احدى اكبر المؤسسات البريطانية الاستثمارية بين «ايدي اجنبية». لكن هذه النتيجة كانت هي تتويج لمسيرة بدأت منذ مطلع عقد الثمانينيات في القرن العشرين. وتتناظر هذه المسيرة ايضا مع التسلسل الزمني الذي يعتمده المؤلف في اقسام الكتاب الستة. الظاهرة الاساسية التي يتعرض المؤلف لها بالدراسة في القسم الاول من هذا الكتاب تتمثل في «ابتلاع» المجموعات المالية العالمية العملاقة لاغلبية بنوك الاستثمار اللندنية مثل «داربورج وبارينج ومورجان جرينفيل». اما التي استطاعت المقاومة والبقاء فانما كان ذلك، كما يؤكد المؤلف، بفضل «واقعيتها» ووضوح ارادتها وتوجهاتها الرامية الى التأقلم مع متطلبات الاسواق المالية العالمية «دون الجري وراء اوهام العظمة». ان مثل هذه «الواقعية» توازي ما يسمى بـ «الحكمة التقليدية» لدى الاوساط المالية والمصرفية الانجليزية. وما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب ايضا هو «لا واقعية» نقطة الانطلاق في عملية «التحول» التي شهدتها المرحلة «التاتشرية». وهو يبيّن مدى «عدم الكفاءة» المهنية التي اتسم بها العديدون من اولئك الذين تحملوا مسئولية «تسيير» عملية التحول نحو الاسواق العالمية. وحيث بدا بوضوح انه كانت هناك حاجة كبيرة لكفاءات عالية في ميدان التسيير الاداري وخاصة في المسائل المتعلقة بتقدير «المخاطر» المترتبة على الاستثمارات في عدد من مناطق العالم التي يطرح منظور الاستقرار السياسي والاستراتيجي تساؤلات جدية، كذلك يركز المؤلف على دراسة متطلبات الأهلية والكفاءة في ميدان «توحيد جهود مجموعة من الافراد ذوي المواهب والكفاءات حول عمل مشترك». ومن «المنزلقات» الخطيرة التي يرى مؤلف هذا الكتاب بان قطاع الاستثمارات المالية اللندنية قد تعرض لها هناك «السرعة الكبيرة» التي جرت بها عملية التحول تلك بحيث ان العاملين في هذا القطاع والمسئولين عنه لم يستطيعوا «التأقلم» معها، وبالوقت نفسه و«بالسرعة نفسها» ايضا ازدادت المرتبات والاجور بشكل كبير مما كان وراء نوع من «الصدمة» في هذا القطاع. اضف الى انه اثناء فترة «التأقلم» مع نمط التسيير الاداري والمالي الذي فرضته عملية تحديث الاسواق المالية العالمية على قاعدة ثورة الاتصالات وآثار شبكة «الانترنت»، كان الازدهار الذي عرفه السوق المالي الامريكي ـ وول ستريت ـ قد سمح للامريكيين بان «يأخذوا مواقعهم في لندن» وان «يستجيبوا للمطالب الجديدة لزبائنهم» ضمن اطار العولمة. وعلى خلفية الحركة «المستمرة» التي ولدتها عملية التحول السريع في الاسواق المالية اللندنية يقدم مؤلف هذا الكتاب توصيفاً دقيقاً لآليات العمل «التاريخية». انه يروي قصة «صعودها» ومصادر اعتزازها وفخرها، ولكن ايضا اسباب «سقوطها» فيما بعد. وهو يتعرض بالشرح والتفصيل الدقيق لمسيرة الاخفاق كلها، ولكن دون ان يضيع من الاطار الذي يرسمه «المواهب الكبيرة والفرص الثمينة التي تم هدرها». ان «فيليب اوجار» يتحدث في الواقع من موقع «المشارك» فيما آلت اليه الامور حيث كان في السنوات الاخيرة من عقد التسعينيات في القرن العشرين كرئيس لقسم «وساطة مالية» في مؤسسة «شرودر» المالية اللندنية الشهيرة. انه يحلل بعين الخبير «ابن المهنة» ولكن ايضا بنظرة فطرية تميل نحو «التفاصيل». وهذا ما يبدو في شروحاته للكيفية التي حاول بها مدراء الشركات والمؤسسات المالية اللندنية «تكييفها» مع متغيرات الاسواق المالية العالمية والتوترات التي أدت الى «تدمير كل شيء تقريباً». وحيث يؤكد على انها كانت «توترات داخلية وخارجية» بالوقت نفسه. ومن الدروس الاساسية التي يمكن «استخلاصها» من شروحات هذا الكتاب التأكيد على «سمة التبدل» وعدم الثبات التي تتصف بها الاسواق المالية. فمثلا وقبل عقدين من الزمن كانت العاصمة اليابانية «طوكيو» تبدو بمثابة تهديد حقيقي للاسواق المالية في لندن وفي نيويورك ايضا. وذلك باعتبار انها كانت «العاصمة المالية العالمية». لكن هذا الوضع قد تبدل الان بشكل جذري واصبحت «طوكيو» ليست أكثر من مركز مالي «محيطي» بالقياس الى «وول ستريت». وحسب المعايير نفسها لم يكن هناك من يتصور قبل عشر سنوات بان جميع بنوك الاستثمار اللندنية سيتم بيعها لمجموعات مالية امريكية او اوروبية عملاقة. لكن هذا ما حدث في الواقع. وقبل ست سنوات فقط كانت مؤسسة «واربروج»» الانجليزية «تشتري» كل المجموعات الاخرى التي «تقع في طريقها» بينما كانت مؤسسة «جولدمان» تستغني عن عدد كبير من العاملين فيها لكن هذه المعادلة تغيرت خلال عامين فقط انطلاقا من الفترة التي شهدتها حيث ان مؤسسة «واربروج» قد بيعت لتسيطر بالمقابل مؤسسة «جولدمان». كما ان فكرة وجود لندن في وضع عليها فيه ان «تجيب» امام عروض صادرة عن «بورصات» اوروبية «صغيرة» ترمي لشراء مؤسساتها المالية انما كانت ـ اي الفكرة ـ تثير نوعا من السخرية قبل خمس سنوات فقط. وفي القسم الاخير من هذا الكتاب يتوقع المؤلف ان تشهد السنوات القليلة المقبلة تغيرات عميقة على صعيد الاسواق المالية العالمية وآليات عملها. لكنه بالمقابل يرى بان امكانيات لندن في الاستفادة من هذه التغيرات تضاءلت كثيرا. والسبب؟. ان مؤلف هذا الكتاب يراه قبل كل شيء بـ «الفكرة الغامضة» القائلة بانشاء «بنك وطني كبير للاستثمارات»، مما كان له اثاراً سلبية كبيرة على فاعلية المؤسسات المالية البريطانية الخاصة. ان مؤلف هذا الكتاب يشرح مسيرة تطور الاسواق المالية اللندنية منذ مطلع عقد الثمانينيات في القرن العشرين ويؤكد على دور التكنولوجيات الحديثة وعدم «تماشي» تلك الأسواق معها بالسرعة المطلوبة للتأقلم وحيث يبدو ان شبح «البيرقراطية» لم يكن بعيداً عن عرقلة ذلك التأقلم مما شكل «نقطة ضعف» كبيرة خاصة على صعيد العلاقات بين العاملين في اطار المؤسسات المالية الكبرى. ومما ادى ايضا الى «نقص المرونة المطلوبة للتكيف مع العالم الجديد». وكان ايضا لعمل الحكومة البريطانية وللبنك المركزي البريطاني دور في زيادة «عدم فاعلية» المؤسسات المالية الانجليزية للاستثمار. كتاب «ينبغي ان يقرأه كل من يتمنى فهم اليات التسيير المالي في اعلى مستوياته ويريد ان يفهم التاريخ المالي القريب للندن ولبريطانيا. وكل اولئك الذين يأملون ازدهار اعمالهم في اسواق لندن المالية لا يجوز لهم ألا يأخذوا الافكار التي جاءت فيه باعتبارهم» هكذا علّق احد النقاد الانجليز المختصين على هذا الكتاب