«موزيس ايزيفاوا» مؤلف هذا الكتاب هو من مواليد اوغندة عام 1963. قام بتدريس مادة التاريخ في بلاده لعدة سنوات قبل ان يهاجر نهائياً إلى هولندة عام 1990. وهذا العمل هو روايته الاولى وقد لاقت موجة من المديح من قبل، الصحافة الهولندية ثم الغربية حيث باعت اكثر من مئة الف نسخة في هولندة وحدها مما يجعلها بمثابة ظاهرة حقيقية في مثل هذه البلاد التي تمثل عتبة مبيع عشرين الف نسخة احد مقاييس النجاح.هذه الرواية «كتابات حبشية» فيها الكثير، كما يبدو بوضوح، من السيرة الذاتية لصاحبها. ذلك ان الاطار الذي تجري فيه احداث الرواية هو «اوغندة» البلد الاصلي للمؤلف، والزمان يتراوح بين عام 1870 وعام 1980، اي حتى فترة وجود الرئيس السابق «عيدي امين دادا» والى سنوات بعد عزله عن السلطة. لكن اذا كان الكاتب يهتم ببلاده «اوغندة» وبمشاكلها فانه يوسع اطار المنظور الذي يكتب عنه كي يشمل القارة السوداء بمجملها «لقد اراد موزيس ان يكتب قصة قارة كاملة» حسب تعبير احد النقاد. النقطة التي ينطلق منها المؤلف هي بالتحديد توجيه «التحية» إلى الروائي الكبير «غابرييل غراسيا ماركيز» وذلك من خلال التشابه الكبير بين شخصيتي «الكولونيل بوينديا» في رواية «مئة عام من العزلة» والعجوز «سيرينيتي» في مطلع رواية «كتابات حبشية» ان «بوينديا» يعود إلى شريط ذكريات حياته والى بعض اللحظات المتميزة التي عاشها، وذلك قبل اعدامه بساعات قليلة، وكذلك يستعيد العجوز «سيرينيتي» ثلاثة احداث بارزة في حياته الماضية قبل ان تطحنه انياب التمساح الذي التقطه بين فكيه. الا يرمز «سيرينيتي» إلى افريقيا وهي بين فكي العالم ـ التمساح؟! وبعد هذا الافتتاح «الدرامي» لرواية «كتابات حبشية» يعود «ايزيفاوا» بقارئه وكأنه يسعى إلى «انتشاله» ليضعه في سياق آخر. فهذا هو الشاب الصغير «موغيزي»، الذي يأخذ دور الراوي ـ القريب من المؤلف والذي «يسكن» الى هذا الحد او ذاك في جلده، يعود إلى الحديث عن مرابع طفولته في احدى القرى الافريقية الريفية، اي بتعبير اخر الواقعة بين الادغال. انه يحكي قصة، ولكن ايضاً قصة ابيه «سيرينيتي» وقصة اجداده وقصة بعض افراد عائلته وقصة بلاده وقصة افريقيا ان الصفحات المئة الاولى من هذه الرواية التي يفوق عدد صفحاتها الخمسمئة تحكي ذكريات ايام طفولة الراوي» في كنف جدته التي كانت تتعاطى، الى حد ما، السحر الشائع لدى الافارقة. واذا كانت الحكايات الكثيرة التي ترويها الجدة هي اقرب إلى الاساطير، فانها مع ذلك تعبر عن واقع حقيقي كان قادراً، رغم غرابته واسطوريته، على ان يعبيء نفوس البشر ويحكم طريقة سلوكياتهم الحياتية والشخصيات التي كانت جدته «تخترعها» اصبحت تشكل مرجعيات فعلية في حياة ذلك الطفل الذي مكانه. الشخصيات الاساسية التي يبرزها الراوي ـ المؤلف هي غنية بما تمثله من دلالات هناك اولاً الاب «سيرينيتي» الذي كان مولعاً بالنساء طويلات القامة، والام الورعة التي اطلقت على نفسها تسمية «القديسة بيير» والجد الرئيس السابق للقرية والجدة التي تمارس السحر وتوليد النساء الحوامل ايضاً والعمة «المريضة» بحرصها المسرف بكل ما يمت إلى الصحة بصلة والعم «كاويدا» الذي يجيد رواية الحكايات وشد انتباه مستمعيه. ومن الصفحات الجميلة في هذه الرواية تلك التي يصف فيها الراوي حفلة زمان «ابيه وامه» في كنيسة القرية حيث تبدو التقاليد العقائدية المسيحية متشربة باللون «الافريقي» وفي هذا السياق يتحدث المؤلف عن دور بعض المبشرين المسيحيين وخاصة المجموعة المعروفة بـ «الاباء البيض» الذين يجمعون «الثروات» مقابل «الكلام الجميل». ويناقش المؤلف من خلال شخصية «الراوي» فقدان اي نوع من أنواع المحاكمة العقلية الحقيقية لدى أغلب الافارقة. ذلك ان «موغيزي»، الراوي يرى لفترة من الزمن في «عيدي أمين دادا» بطلاً ورمزاً ليدخل ودون سابق انذار في صفوف المقاومة السرية ضده ثم كي يتحول من جديد إلى التجارة «غير المشروعة» في فترة سقوط امين دادا. ويعود الراوي بعد ذلك إلى بلد مولده كي يجد بان الخراب قد طال كل شيء، لاسيما وان حرباً اهلية طاحنة كانت قد زادت من درجة ذلك الخراب. وتمثل التوصيفات التي يقدمها المؤلف لمنظر الاشلاء والجماجم المتناثرة على جوانب الطرقات حالة عرفتها بلدان افريقية عديدة كان اخرها «رواندة» منذ سنوات قليلة. ان الراوي في «كتابات حبشية» ينتقل إلى هولندة ـ الكاتب ايضاً ـ حيث تتضمن عشرات الصفحات وصفاً للظروف التي يعيشها آلاف الافارقة في «احيائهم المغلقة» التي تعرف دورة حياة خاصة على هامش المجتمعات التي تعيش فيها. كانت تلك الاحياء هي «المحطة الاولى» التي عاش فيها «موغيزي» فترة من الزمن قبل ان يخرج منها. ان هذه الرواية تقدم في احد جوانبها «قصة» هذا الخروج. واذا كان عنوان هذا العمل «كتابات حبشية» يوحي بشيء آخر غير «العمل الروائي» فان الامر يتعلق فعلاً بـ «عمل ابداعي» يحيط عبر «ذكريات موغيزي» بهموم قارة وبتطلعاتها وبما فيها من حكايات واساطير، ولكن ايضاً من مجازر وعمليات ابادة جماعية وسياسات قمع تمارسها أنظمة دكتاتورية ومن تناقضات تثير من الاندهاش اكثر بكثير مما تثير من الخوف والرهب. اذ وعلى الرغم من مدى درجة «السواد» في التاريخ الافريقي فان المؤلف استطاع ان يبرز «سحر افريقيا» وسط كم كبير من البربرية. واذا كانت قد جرت العادة بان تحتل افريقيا اخبار الصفحات الاولى عبر صور المجازر أو الجماعات فانها قد خرجت مع «كتابات حبشية» عن هذه العادة عبر «حدث أدبي»