جان بيير فان جيرت هو صحفي يكتب في «التايم» و «باري ماتش» و «لوموند» كما يساهم في العديد من القنوات التلفزيونية مثل «سي.بي.اس» و «القناة التلفزيونية الاولى سبق ونشر العديد من الكتب، منها «ديانا قصة مأساة، و «السيف والميزان» و «في اعقاب هو شيء منه» .. الخ. موضوع هذا الكتاب الجديد هو «التغذية» ولكنه قبل كل شيء كتاب حول العادات الغذائية في الغرب بمواجهة امراض «البقر المجنون» ومشاكل «العلف الحيواني» واليوم «الحمى القلاعية» وبحيث ان «الاكل لم يعد متعة، كماكان، وانما مممارسة محاطة بالشكوك، وهذا الكتاب هو محاولة لتوضيح «المخاطر» في ميدان الغذاء والمشاكل المحيطة به وحيث ان مفهوم «الأمن الغذائي» لم يعد مجرد كلمة فارغة من المعنى، وانما اصبح مفهوما زاخرا ايضا بالمعنى والدلالات، وبحيث غدا الجميع مطالبين باتخاذ موقف مسئول حيال الأمن الغذائي، بما في ذلك المستهلكون انفسهم. المطلوب اولا هو تحديد «المشاكل من اجل البحث عن «حلول» لها ويرى المؤلف بان مشكلة «الغذاء» مطروحة بقوة الى درجة ان «250» مليون اوروبي يتجهون نحو الخوف من كل مايتناولونه من اطعمة لكن هذه معادلة لابد من مواجهتها من اجل «تناول الطعام دون خوف». يبدأ المؤلف تحليلاته بالقول: ليس في العالم ماهو اخطر من الاشاعة انها تجري مثل النار في الهشيم كما ان الاشاعات الخاصة بما «يأكله» الناس في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، والمجتمعات التي دخلت ايضا في لعبة الاستهلاك بأي ثمن، انما تؤدي الى نتيجة واحدة هي انه ربما بالاحرى ينبغي التوقف عن تناول الطعام ويسوق المؤلف ضمن هذا السياق عددا من «الاشاعات التي كانت كلفتها بعشرات واحيانا مئات الملايين، مثل اشاعة سرت في بلجيكا خلال صيف 2000 وجاء فيها ان «40» تلميذاً فى احدى المدارس دخلوا المستشفى بعد تناول «كوكا كولا» تحتوي على غازات تسبب الغثيان، وقد كانت كلفة هذه الاشاعة «450» مليون فرنك فرنسي، هذا مع ان التحليلات النهائية اظهرت الخطأ الكامل لتلك الاشاعة. واشاعة اخرى اكثر خطورة بواقع الاسباب السياسية التي تأسست عليها وبحيث ان هذه الاسباب تجاوزت في واقع الامر «الاهتمام الصحي» بتاريخ 13 فبراير 2000 نشرت صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» العنوان التالي: «البقر المجنون: حالة مشبوه بها في مور بيهان» وجاء في نص الخبر: «تم اكتشاف بقرة تدل مؤشرات مؤكدة بأنها مصابة بمرض البقر المجنون في احد اماكن الذبح يزود مخازن لبيع اللحوم المكرسة للاستهلاك وفي اليوم التالي استعادت صحيفة «لوباريزيان دو ديمانش» نشر الخبر، وبعد يوم اخر عرف «الخبر» النشر على صفحات جريدة «لوفيجارو» ذات الانتشار الواسع على الصعيد الوطني الفرنسي وتحدث عن «بقرة مريضة يتم اكتشافها في احد اماكن الذبح في بروتانيا» ثم صحيفة «لاكروا» كان الامر فضيحة «اشاعت الهلع في عموم فرنسا انها فضيحة». اذ تبين بان الخبر كاذب كما اشارت نفس الصحف في اسفل صفحاتها وبشكل عابر بان «البقرة المشبوهة» لم تكن مريضة ولم تكن «مجنونة». ومقابل الاشاعات «المخيفة» يقدم المؤلف في احد فصول هذا الكتاب عدة «ارقام تبعث الطمأنينة» هذه الارقام تتعلق بمتوسط نسبة الوفيات بين الاطفال مثلا حيث كانت هذه النسبة واحداً الى ستة عام 1900 لتصبح واحداً لمائتين في اليوم ومتوسط العمر من 44 سنة عام 1900 الى 66 عام 1959 ثم الى 78 عام 1997 بالمقابل اذا كان المؤلف يؤكد مبررات «الخوف» فإنه يقول بانه لايحق لاحد ان يقوم بـ «ارهاب السكان في دفعهم للاعتقاد بأنهم دائما في مواجهة خطر قاتل» وهو يفرق بين ماهو «اساسي» وماهو «ثانوي» اذ يؤكد بأنه منذ بداية الاعلان عن وجود مرض «جنون البقر» لدى البشر عرفت اوروبا كلها «42» حالة منها 40 في بريطانيا وحالة في فرنسا وحالة اخرى في ايرلندا، اي مايعادل «خلال عشر سنوات عدد الموتى الذين تقتلهم لفائف التبغ خلال نصف ساعة» هذا وكانت بعض التوقعات قد ارتقبت عام 1996 ان يبلغ عدد ضحايا مرض «جنون البقر» حوالي سبعين الف شخص، لكن هذا الواقع لايعني وجود اي خطر، لاسيما وان الخطر صفر غير موجود كمايقول عنوان احد فصول هذا الكتاب. في مواجهة الواقع القائم من جو الخوف والحذر في العلاقة بين المنتج والمستهلك يعيد المؤلف صياغة «حلم» كان يتردد دائما لدى القس الاسود «مارتن لوثر كنج» الامريكي الاسود الذي تم اغتياله في «ممفيس» عام 1986 وفي ذلك الحالم «كان يرى طفلا ابيض البشرة، وطفلا اسود البشرة يعيشان معا، اليد باليد» نحو المستقبل، هذان الطفلان الابيض والاسود في حلم مارتن لوثر كنج يصبحان في هذا الكتاب المنتج والمستهلك، وضمن اطار البحث عن حماية المستهلك لأن في هذه الحماية حماية للمنتج ايضا الذي يكتسب شرعية هذه الصفة من خلال وجود المستهلك. ويختتم مؤلف هذا الكتاب عمله بفصل يحمل عنوان: الوقاية خير من العلاج، والوقاية في ميدان الصحة العامة تمر عبر حماية البيئة والحد من التلوث وترشيد استهلاك الثروات الطبيعية.. الخ. ثم لابد من العمل من اجل المحافظة على اجواء الحوار والالفة التي تزدهر حول موائد الطعام. هذا الكتاب، الذي يمكن قراءته كرواية، يشكل محاولة لجعل الازمة الغذائية، اقل مأساوية مما هي عليه الان، وذلك عبر ايجاد نوع من المصالحة بين البشر واطباق طعامهم