كتاب «انديرا» لمؤلفته «كاترين فرانك» هو اول كتاب يخاطب القارئ العام حول سيرة حياة السياسية الهندية الراحلة انديرا غاندي احدى اهم الشخصيات النسائية القوية التي عرفها القرن العشرون. كاترين فرانك كاتبة سيرة امريكية معروفة تعيش حاليا في بريطانيا ولها العديد من المؤلفات اهمها الطريق الى مصر: حياة لوس دف جوردون وهو احد الاعمال التي اشادت بها صحيفة «نيويورك تايمز» في ملحقها الاولي باعتبارها اضافة جديدة الى روائع القرن الماضي و «الارتحال بعيدا» و«روح حرة: حياة ايميلي برونتي» وفي حين تعود اهمية كتاب سيرة حياة انديرا غاندي الى الجهد الملحوظ الذي بذلته المؤلفة في البحث. تعمد فرانك في بحثها الى محاولة التوصل الى حقائق اضافية جديدة من خلال رحلة بسيطة لتسجيل وقائع اول رواية دقيقة لحياة المرأة التي ادارت اكبر ديمقراطية في العالم على مدى عقدين من الزمان. تبدأ رحلة فرانك من منزل غاندي في نيودلهي الذي تحول الى متحف شاهدا في جانب كبير منه على افول نجم آل غاندي بدءا بوالدها جواهر لال نهرو»، الزعيم الانيق، اول رئيس وزراء هندي بعد الاستقلال، وأحد اعظم رجالات الدولة في القرن العشرين، والشواهد المادية الباقية من غاندي ومنها الساري الزعفراني اللون المخرم الذي كانت ترتديه لدى اغتيالها في سنة 1984. والغرفة المخصصة لابنها «راجيف» الذي تم اغتياله بعد مرور سبع سنوات على رحيلها والتي مازال يحتفظ فيها بجانب من ثيابه وادواته الرياضية المعروضة في الواجهة الزجاجية. من العناصر المهمة التي تعزز بها فرانك بحثها تلك المقالات والموضوعات الصحافية التي شنت على غاندي هجوما شرسا اثناء فترة حكمها للهند، ومن ضمنها شواهد على مواقف كانت تبدو كريهة بالنسبة للكثيرين كقرارها تعليق الدستور واعلان حالة الطوارئ في سنة 1975 الذي ادخله هؤلاء في دائرة الخيانة، خيانة القيم الاساسية لجمهورية الهند المستقلة. وفيما عدى ذلك فإن احدا لم يكتب لصالحها باستثناء بعض اصدقائها المتملقين او بعض اعدائها الذين اجبرتهم على القيام بذلك دوافع سياسية شخصية. وعلى الرغم من ذلك فإن ما تقوم به فرانك هو في واقع الامر لا يتعدى تسليط الضوء على حياة انديرا غاندي بجوانبها المختلفة السلبية والايجابية في محاولتها للوصول الى جعلها شخصية اكثر انسانية مما كان يتصوره الكثيرون. وعلى العكس مما فعلته الدراسات والابحاث السياسية الاخرى فإن ما يعثر عليه القارئ في نهاية كتاب كاترين فرانك هو سيرة شخصية تتكشف من خلالها ملامح شخصية غاندي كامرأة. من الحقائق المهمة يتسنى للقارئ ان يطلع عليها للمرة الاولى ما يضمنه الجزء الذي تتحدث فيه المؤلفة عن نشأة انديرا غاندي ومعاناتها في مرحلة الطفولة من الوحدة وحياة الفوضى التي اججتها وقائع كموت والدتها بالسل وتنقل والدها بين حياة البيت والسجن وكلها من الاسباب التي وضعت انديرا تحت الضوء منذ ولادتها تقريبا وترعرعها في بيئة خاصة تتمتع فيها بكافة الامتيازات ما عدا الحياة المستقرة وكغيرها من ابناء المشاهير تشير المؤلفة الى ان غاندي كانت تعاني في تلك المرحلة من حالة عدم الاشباع العاطفي قياسا بما كان يجري من حولها من الاحداث السياسية المهمة التي كانت قد تورطت فيها بشكل من الاشكال. وكما ترى المؤلفة فإن جزءا كبيرا من شعور غاندي بالعزلة العاطفية كان مصدرها فقدها لوالدتها المرأة القوية التي امتلكت فكرا وعاطفة سياسية كبيرة لم يتسنى للاخرين معرفتها في البداية وبموتها في سنة 1936 في سويسرا وجدت انديرا نفسها انسانة هشة نسبيا معرضة لان تفقد حياتها في اي لحظة بسبب مرض السل الذي نجت منه في النهاية. في الجزء الذي تخصصه الباحثة للحديث عن حياة غاندي الجامعية يلتقي القارئ بالفتاة النحيلة الخجول في اثناء دراستها في جامعة اكسفورد خلال الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وهي المرحلة التي شهدت زواجها من فيروز غاندي الناشط اليميني الانيق المنفتح على الحياة الذي تأثرت به انديرا في شبابها وقررت الزواج منه على الرغم من معارضة نهرو. وتستمر المؤلفة في سرد وقائع الحياة الزوجية البائسة التي انتهت بوفاة فيروز في سنة 1960. في محاولاتها كشف بعض الجوانب المهمة من ملامح شخصية غاندي السياسية تعمد المؤلفة الى البحث في بعض الامور التي تشكل واقعا استثنائيا حقيقيا كان له الاثر الاكبر في انضاج تلك الشخصية وذلك هو الصراع النفسي الحاد الذي لازمها طوال فترة البحث عما يوطد جذور الاسرة الحاكمة في الساحة السياسية بعد وفاة والدها الامر الذي كما تراه المؤلفة كان متروكا لعمل مهم هو عدم وجود شخص قوي يحل محل رئيس الوزراء الراحل «لال بهادر شاستري» الذي كان قد خلف والدها في السلطة بعد وفاته في سنة 1966 غير غاندي التي قبلت من حزب المؤتمر بلا تردد. في ادارتها لحملتها الانتخابية تقارن فرانك بين غاندي وبين مارجريت تاتشر حيث يبدو اهم ما تميزت به فترة حكم انديرا غاندي السياسية مؤسسا على تلك الاساليب الاستثنائية التي جعلتها تنتعش ماديا وسياسيا «ارست قواعد سلطتها والتفت على معارضيها وتواصلت مع ناخبيها بشكل مباشر». يتطرق كتاب انديرا الى الاحداث المأساوية التي تعرضت لها اسرة غاندي في سنواتها الاخيرة بالتزامن مع مرحلة التخبط السياسي الذي شهدتها الحياة السياسية في الهند ولكنه على الرغم من ذلك يلقي الضوء على حياة المرأة السياسية التي شملت بجوانبها السلبية والايجابية مساحة كبيرة من تاريخ القرن العشرين. اعداد ـ مريم جمعه فرج