يعمل توماس هولت، مؤلف هذا الكتاب، استاذاً للتاريخ في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو مؤلف عدة دراسات من بينها كتاب نال شهرة كبيرة هو: «مشكلة الحرية». في عام 1903 كتب «دبليو. ب. دوبوا» يقول: «ان مشكلة لون البشرة ـ التمييز العنصري ـ ستكون هي مشكلة القرن العشرين». واليوم والعالم يدخل في القرن الحادي والعشرين يؤكد مؤلف هذا الكتاب «توماس هولت» أن هذه المقولة لا تزال في صميم المشاكل المطروحة على العالم، وان ما قاله «دوبوا» كان بمثابة نبوءة لا تزال سارية المفعول. ان هذا الكتاب «الجديد» يعالج اذن مشكلة قديمة وهو يعالجها من زاوية التبدلات التي طرأت على مفهوم «العرق» و«العنصرية» خلال القرن المنصرم، وليس «المفهوم» فقط وانما ايضاً الممارسات السياسية والاجتماعية القائمة على أساس عنصري «عرقي» ويضم هذا الكتاب بعد مقدمة كرسها المؤلف لدراسة العلاقة بين «العرق والثقافة والتاريخ» تتوزع مواد الكتاب الاخرى بين ثلاثة فصول تخص «الهوية العرقية ـ العنصرية ـ ومشروع التحديث» و«العرق والثقافة في المجتمعات الاستهلاكية» والعرق والامة والاقتصاد الشامل ـ العولمة» ويكرس المؤلف في نهاية الكتاب عدة صفحات للحديث عن «مستقبل المشكلة العرقية». يعتمد المؤلف في تحليلاته حول «المشكلة العرقية» ضمن اطار سياقها التاريخي على العديد من الابحاث التي زخر بها القرن العشرون منذ بداياته وحيث عنت هذه المشكلة بشكل اساسي اوضاع الامريكيين ذوي الاصول الافريقية أو «الافرو ـ امريكيين» كما شاعت التسمية، وفي مقدمة الاعمال التي يعتمد عليها هناك كتاب: «مصائر الشعب الاسود» لـ «دبليو. ب. دوبوا» الذي بحث في «مشكلة التمييز العنصري» وخاصة العلاقة مع مفاهيم «السواد» و«البياض» في مختلف القارات وأكد أن التحدي الاكبر امام بروز ظاهرة الاحتكار الرأسمالي كان الحصول على اضخم قدر ممكن من المكاسب المادية باعتبارها القيمة الاكثر أهمية في الوجود الانساني، الوجه الاخر لمثل هذا البحث «المادي» كان استغلال ملايين البشر بوسائل شتى كان «التمييز العنصري» على رأسها، وهذا لا يزال صحيحاً بالنسبة للفترة الراهنة من تصور الانسانية، كما يرى «توماس هولت»، ويضيف ان «المستقبل يجد اسسه دائماً في الحاضر» فما هو الدور الذي يمكن ان يلعبه مفهوم «العرق» في صياغة التوجه المستقبلي للانسانية خلال القرن الحادي والعشرين؟ وما هي الحلول المرتقبة للمشاكل المترتبة على التمييز العنصري؟ ثم هل لا تزال التحليلات المتقدمة من اجل فهم ظاهرة العنصرية في القرنين التاسع عشر والعشرين لا تزال، وستظل، مقبولة بالنسبة للقرن الحادي والعشرين؟ ان هذه الاسئلة وما يتفرع عنها من تساؤلات تشكل محور اهتمام مؤلف هذا الكتاب الذي يقدم عدداً من التأملات والافكار حول «ظاهرة العنصرية» مع التأكيد على بعض العوامل الجديدة المؤثرة في عملية تطورها الراهنة. وتعني العنصرية في الخطاب الاكاديمي، والشعبي ايضاً، «نزعة العداء التي تكنها مجموعة بشرية حيال مجموعة بشرية اخرى على أسس بيولوجية «ولكن ايضاً على اساس «الدونية الثقافية» للاخر مقابل «التفوق الثقافي» للأنا، اي ما يعني ضمن سياق هذا الكتاب «دونية الاسود» و«تفوق الابيض» وتتم ترجمة «العنصرية» في الواقع العملي عبر «استغلال عمل الاخر» او «امتلاكه» وذلك عبر العبودية او الاستعمار أو كليهما معاً. ويترتب على هذا كله استبعاد الاخر ـ الاسود ـ من اية امكانية للمساهمة في الحياة العامة.. وفضلاً عن هذا كله تتم في احيان كثيرة ممارسة العنف الجسدي ضد «الاخر»، «الادنى» إلى هذه الدرجة او تلك واحياناً الى حد «الابادة» ان مثل هذه المظاهر كلها لا تزال قائمة في أمريكا على صعيد العلاقات بين مكونات المجتمع. «الجديد» على صعيد العنصرية هو ظهور بعض المؤشرات على نوع من التبدل في اتجاه اكثر ايجابية حيال الامريكيين ذوي الاصول السوداء، ويضرب المؤلف على هذا التبدل عدة امثلة عيانية مثل الدور المهم الذي يلعبه «كولن باول» وزير الخارجية الأمريكي الحالي منذ سنوات على الصعيد القيادي في الحزب الجمهوري، واثناء التحضير للانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية عام 2000. وعلى الجانب الديمقراطي يذكر المؤلف القس الامريكي الاسود «جيمس جاكسون» ويرى المؤلف في مثل هذه الظواهر «الجديدة» احد امرين: اما انها تعبر عن «تغيير حقيقي في مواقف البيض وفي المناخ العنصري» أو عن خلل في العلاقات نظراً لشروط الحياة الصعبة التي تعيشها غالبية السود في الولايات المتحدة الأمريكية. اذ ماذا يعني اشاعة نظرة «مثالية» حيال كولن باول ونظرة «شيطانية» حيال مجموعة السود؟!، وبشكل اكثر من قبل حزب «كولن باول» نفسه، أي الحزب الجمهوري، «الظاهرة العنصرية» لها اذن في المرحلة الراهنة تناقضاتها في سياقها المعاصر. وهذا ما يدعو لاعادة التأمل والتفكير. ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو انه هناك اعادة صياغة لمفاهيم «التفوق العرقي» و«التمييز العنصري» السمة الاولى لعملية اعادة الصياغة هذه هي «التخفيف» من حدة الافكار القديمة الخاصة بتعريف التمييز العنصري على أساس «الدونية البيولوجية». لكن هذا لا يعني زوال الممارسات العنصرية من الحياة العامة المعاصرة في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما تدل عليه تعليقات معاصرة عديدة حول العنصرية والتمييز العنصري وحيث تم استعادة خطاب عنصري تكررت فيه بعض الافكار منذ الازمنة البعيدة، وضمن هذا الاطار يقوم المؤلف بالبحث في التباينات التي تدل عليها مفاهيم مثل «العرق» و«التمييز العنصري» و«الثقافة» و«الانتماء الاثني»، وذلك من حيث علاقتها تحديداً بتطور «المشكلة العرقية» في بعدها التاريخي وتداخلات هذا البعد مع التطورات الاجتماعية المرافقة، ويلاحظ المؤلف وجود نوع من تداخل المعاني والدلالات بين «الثقافة» و«العرق» بحيث يتم الحديث مثلاً عن «الثقافة السوداء» كمرادف لـ «العرق الاسود»، بل وعندما يتم الحديث عن «الثقافات المتعددة» انما يكون المقصود في الحقيقة الدلالة على ما يمثله «الافارقة الامريكيون» و«ذوو الاصول الامريكية اللاتينية» و«الاسيويون» في تلك الثقافة المعنية، اي الامريكية في سياق هذا البحث وبحيث يعبر «الخليط الثقافي» من تلاقي أنواع متعددة من «أنواع الطبخ» و«الموسيقى» واحياناً «اللغات»... الخ. لكن مسألة تعريف الثقافة اصبحت « «أكثر تعقيداً في ظل النمط الرأسمالي المتقدم واقتصاد السوق» وحيث «يقود البشر نفس انواع العربات ويشاهدون نفس الشاشات التلفزيونية ويمارسون انواع تسليات متشابهة ويستمعون إلى الموسيقى التي غدت ذات طابع عالمي». والى جانب التداخل بين «العرق» و«الثقافة» هناك تداخل آخر بين «العرق» و«الاثنية» لاسيما وان «العرق» هو الاصل التاريخي، واللغوي ايضاً لـ «الاثنية» التي اخذت فيما بعد دلالات تهدف إلى التمييز بين مجموعة بشرية والمجموعات الاخرى في اطار جغرافي محدد. وقد استمر التداخل بين «العرق» و«الاثنية» اي «القاموسين» الانجليزي والفرنسي حتى القرن العشرين بالحديث عن العرق والاثنية «بحيث اصبح مفهوم «العرق» و«التمييز العنصري» مرتبطين إلى حد كبير بـ «السود» بينما ارتبطت «الاثنية» أكثر فأكثر بـ «البيض». ان الحدود بين مفهومي «العرق» و«الثقافة» ظلت غائمة ومتداخلة. لكنهما بقيا إلى جانب مفهوم «الاثنية» بمثابة العناصر الاساسية في تشكل الهوية، ومؤلف هذا الكتاب يدرس هذه المفاهيم عبر «تاريخيتها» و«تبدياتها» على صعيد الواقع. وضمن هذا الاطار يحاول البحث عن اصول التمييز العنصري، هذا مع التأكيد على انه من الصعوبة بمكان تحديد «البدايات» الحقيقية لبروز ظاهرة العنصرية، ولكنه يميل إلى الاعتقاد الجازم بأن المفهوم «العرقي» قد خضع في تشكله لشروط تاريخية واجتماعية معينة و«مبدلة» بنفس الوقت، ان مثل هذا الرأي يتعارض مع اطروحات اخرى مثل تلك التي قال بها «ستي،ارت هال» في كتابه الذي يحمل عنوان: «العرق والعلاقات والمجتمعات» واعتبر فيه بأن العنصرية هي ظاهرة «لا تاريخية» و«لا اجتماعية» وانما ربطها بطبيعة تطور «العالم الحديث» وتجدر الاشارة ايضاً ضمن هذا الاطار إلى ان الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو كان قد اعتمد فكرة رئيسية ربط على اساسها بين «العنصرية الحديثة» وبروز «الدولة الحديثة»، وقام انطلاقاً من تحليلاته لـ «المشروع العنصري العقلاني» للنازية وللرايخ الثالث بتعميم تحليله على جميع منظومات الدولة الحديثة وعلى الاطروحات «العنصرية» باسم التقدم. وعلى أساس دراسة واقع «التمييز العنصري» في المجتمع الامريكي يدرس مؤلف هذا الكتاب آليات «التمفصل» بين «العرق» و«الثقافة» و«الأمة» منذ الحرب الاهلية «1860 ـ 1865» وحتى نهايات القرن العشرين. كما يدرس اشكال ممارسة التمييز العنصري حيال عدد من المجموعات البشرية التي يتكون منها النسيج الاجتماعي مثل «الهنود والاسيويين. والمكسيكيين والسود» وغيرهم وذلك على ضوء معطيات العصر الحديث وعلاقات المجتمع الاستهلاكي.. واخيراً «العولمة» هذا وتحظى حركة المطالبة بـ «الحقوق المدنية» للسود الامريكيين باهتمام خاص من قبل المؤلف لاسيما من حيث انها مثلت الخطوات الاولى في طريق مقاومة التمييز العنصري. ان القرن الحادي والعشرين سيكون ايضاً قرن التمييز العنصري.. وقرن مقاومة هذا التمييز، هذه هي الرسالة التي يتضمنها هذا الكتاب. العنصرية في عصر الحداثة... وما بعد الحداثة.