تتأتى أهمية هذا الكتاب من الفترة التي يطرح فيها للنشر، حيث تحظى ايران في الوقت الحاضر بقدر كبير من الاهتمام على كافة المستويات.. سواء الدولية ام الاقليمية، وهو ما يعني ان اي تناول لها سواء من منظور تاريخي، ام من خلال الواقع المعاصر انما يمثل اضافة لها قيمتها في فهم واستيعاب ما يجري في ايران في الواقع الراهن. يحاول المؤلف ان يقدم لنا اطارا عاما يمكننا من فهم موضوع كتابه فيشير الى ان الجغرافيا هي المحرك الاول والرئيسي عند اي حديث عن ايران.. وقد فرضت طبيعتها الجغرافية تباينا مناخيا يتسم بالثراء مما فرض تباينا في النشاط البشري، كما اوجد منظومة سكانية تتسم بالتنوع وقد القى ذلك بأثره فيما سجله لنا التاريخ من تراث تمردي عرقي خلال حقب تاريخية مختلفة ابرزها ما عاصر الحكم القاجاري. غير ان المؤلف يعود ليشير الى انه رغم هذا التباين السكاني فقد ظهرت فئات اجتماعية قادرة على الاضطلاع بدور مؤثر وحاكم على المستويات السياسية والاقتصادية طيلة القرنين الماضيين مثل الفقهاء والعسكريين ورجال البازار. فمن ناحية اتاحت السياقات التاريخية والمذهبية الشيعية لايران مساحة من التحرك الفعال للفقهاء، فيما تزايد دور العسكريين واصبحوا فئة فاعلة ابان قيامهم باول انقلاب عسكري في تاريخ ايران الحديث عام 1921، اما بالنسبة لرجال البازار والتجار فقد كان لوضع ايران كدولة طريق ما بين الشرق الاسيوي والغرب الاوروبي دوره في ابراز اهميتهم. وقد كان لعامل الموقع، على صعيد العوامل الخارجية اثره في اضفاء المزيد من الاهمية على ايران فكان الصراع حولها وفيها خاصة بين روسيا وبريطانيا وعزز ذلك اقتصاديا ظهور النفط في اراضيها، كل ذلك جعل ايران مع بدايات القرن العشرين على اعتاب تطور سياسي كبير مراحل متعددة منذ قيام الحركة الوطنية، وقيام الانقلاب العسكري سقوط النظام القاجاري وقيام النظام البهلوي، ثم سقوط بهلوي عام 1941 والذي كان مرحلة تحول فاصلة في تاريخ ايران. وانطلاقا من هذا الاطار العام يحاول سعيد الصباغ الخوض في تفاصيل موضوعه من خلال سبعة فصول يخصص الاول والثاني منها للحديث عن الحركة الوطنية، فيما يخصص الثالث للانقلاب العسكري اما الفصول من الرابع حتى السادس فيعرض فيها لقيام النظام البهلوي وسياساته داخليا وخارجيا، مختتما موضوعه بالفصل السابع والاخير حول اثر الحرب الثانية على ايران. وبعيدا عن جدل المصطلح في توصيف ما حدث عام 1906 من كونه حركة وطنية ام ثورة وانتصار المؤلف للتوجه الاول يشير الصباغ الى ان غياب العدالة الاجتماعية مع تعسف الشاه مظفر الدين في قراراته وطغيانه كان وراء التقاء الجموع المحتجة والساخطة مع تلك ذات الوعي السياسي في المطالبة بالتغيير سواء كان ذلك التغيير لرفع مستوى المعيشة او لادخال تعديل على نظام الحكم بمشروع اطلقوا عليه المجلس العدلي ثم تطور هذا المطلب الى دستور مكتوب، وبرز في هذه الحركة الفقهاء والذين وظفوا اصلاحياتهم الكبيرة في المجتمع الايراني مما جعلهم القوة الاكبر في توظيف الحدث، والذي انتهى بتصديق مظفر الدين شاه على الدستور لتصبح ايران بذلك لأول مرة في تاريخها المعاصر دولة ذات حكم دستوري. غير ان وفاة مظفر الدين وتولي محمد علي شاه محله مع عدم تمتع نواب البرلمان بالنضج الكافي اسفر عن بدء صفحة جديدة من الصراع حول صلاحيات السلطة التشريعية ممثلة في المجلس والسلطة التنفيذية ممثلة في شخص الشاه والوزارات وادت سياسات الشاه الى تزايد التحرش من قبل الطرفين بالآخر ووصل الامر ذروته بوضوح في محاولة اغتيال فاشلة لمحمد علي شاه في 28 فبراير 1907 ما استدعى توجيه انذار بريطاني روسي لمجلس النواب لتحمله مسئولية حوادث العنف ضد الشاه. من جانبه صعد الشاه موقفه بالسعي لتصفية الحركة الوطنية فكان قراره حل مجلس النواب فكان اشتعال ثورة الغضب التي استدعت اعلان الاحكام العرفية، فانتشرت الثورة، فاعلنت تبريز الحرب رسميا على محمد شاه وحذت حذوها مدن كبرى اخرى مثل رشت في اقصى الشمال.. اصفهان.. جيلان.. وانتهى الامر بزحف الثوار من مختلف المدن نحو العاصمة طهران ودخولها بالفعل مما ادى بمحمد علي شاه (38 سنة) في 14 يوليو 1909 الى اللجوء للسفارة الروسية وخروجه فيما بعد الى روسيا ليكون بذلك اول شاه يخلع من عرشه ويجبر على الخروج من بلاده في القرن العشرين في اول سابقة من نوعها في التاريخ الايراني المعاصر. وهنا يشير المؤلف الى ان المطامع الخاصة لكل من بريطانيا وروسيا في ايران كان لها تأثيرها في توجيه مجريات الاحداث هناك، وقد ظلت هذه المطامع احد المحددات الاسايسة لمسيرة ايران حتى نهاية فترة الدراسة، فمع اندلاع الحرب العالمية الاولى لم تتمكن ايران من تنفيذ مبدأ الحياد الذي اعلنت التزامها به وانتهى الامر بادارة شمالها وجنوبها بالقوانين البريطانية والروسية ووضع اقتصادها تحت هيمنتهما برقابة لجنة مشتركة منهما. بل ان اثار الصراع بين الحلفاء والمحور امتد الى تفتيت القوى الوطنية الايرانية ما بين مؤيد ومعارض لطرفي هذا الصراع. وكان استيلاء البلاشفة على الحكم في روسيا نقطة تحول بالنسبة لايران حيث الغى الثوار الروس اتفاق تقسيم ايران مع بريطانيا وبشكل عام فقد كان من نتائج الحرب تعرية النظام الحاكم، فضلا عن استيلاء روسيا القيصرية قسرا من ايران على اذربيجان الشمالية، باكو، ارمينيا الغربية، مدينة يرفان. وفي ضوء ادراكها لاهمية وضع ايران في اطار استراتيجيتها مارست بريطانيا ضغوطا لتوقيع اتفاق كانت جميع فقراته تشير الى فقدان ايران بموجبه استقلالها الاقتصادي والسياسي والعسكري وذلك عام 1919، وهو الاتفاق الذي لقي معارضة داخلية شديدة والمقدمة الفعلية للانقلاب العسكري 1921 والذي سبقه تمردات في مناطق مختلفة مثل جيلان (حركة ميرزا كوجل خان) وتبريز (ثورة محمد خياباني).. وادت هذه الاوضاع الى سعي احمد شاه للخروج من البلاد والتنازل عن الحكم وهو ما رفضته بريطانيا.. ويكفي ان نشير للدلالة على عدم استقرار الاوضاع من تلك الفترة ان حتى اوائل سنة 20 كان عدد الوزارات التي تم تشكيلها منذ انتهاء الحرب الاولى 19 وزارة، ومع تزايد تدهور الاوضاع كان انقلاب رضا خان في 21 فبراير 1921. ويعرض الصباغ لملامح من حياة رضا خان والذي جاء من بيئة عادية وانخرط في السلك العسكري وتميز بالانضباط ما ساعده على الترقي. ثم يشير الى وقائع الانقلاب والذي يبدو انه جاء كتخطيط بريطاني.. ومن سياق تناول المؤلف للموضوع يتضح ان بريطانيا كانت «تلعب على كل الحبال».. والمهم في النهاية هو ضمان سيطرتها على ايران. وقد تم تشكيل حكومة جديدة بقيادة ضياء الدين طباطبائي احد القادة المديرين للانقلاب وترقية رضاخان لمنصب قائد الجيش، ومع قيام الحكومة بحملة لعزل حكام الولايات واعدامات ابدى احمد شاه رفضه لهذه السياسة فكان التوتر بينه وبين رئيس الحكومة وهو ما استغله رضان خان لكي يصعد نجمه وساعد على سوء موقف الحكومة الازمة الاقتصادية الخانقة، ما ادى الى تشكيل حكومة جديدة برئاسة قوام السلطنة مع احتفاظ رضا خان بمنصب وزير الحربية. ووسط الاحداث المتلاطمة في ايران كان رضا خان يعزز موقعه ليس على مستوى القيادة العسكرية فحسب وانما على مستوى الزعامة السياسية ايضا، وبسبب طغيان شخصيته بدا ان هناك ازدواجية في اتخاذ القرار السياسي بسبب التدخل السافر من جانبه، وصعد رضا خان من طموحاته.. فكان سعيدا لتولي منصب رئيس الوزراء ساعده على ذلك ان الاعجاب به كان يتزايد يوما بعد يوم، فضلا عن ان وضعه كان يتيح له التصرف كرئيس للوزراء، فكان من ذلك تقديم قوام السلطنة استقالته بعد مدة لا تزيد عن سبعة شهور فأصدر احمد شاه مرسوما بتولي مستوفى الممالك رئاسة الوزارة، غير ان العوامل الداخلية والخارجية السلبية كانت اقوى من هذه الحكومة فسقطت ليصبح المجال متاحا امام رضا خان لتولي رئاسة الوزراء. ويشير المؤلف هنا الى الاعيب.. رضا خان ومنها محاولة مزعومة لاغتياله اعتقل على اثرها قوام السلطنة واطاح به، اعلان الاستقالة ليطالبه النواب والايرانيون بالعدول عنها.. وغير ذلك من اساليب نجح من خلالها في تعزيز مكانته.. وكان تولي رضا خان احد التحولات المهمة في تاريخ ايران المعاصر اذ يعتبر احدى المقدمات الفعلية المباشرة لاسقاط النظام القاجاري. ومن سياق سرد الاحداث التي يقدمها المؤلف تبدو لنا حرفية ومهارة رضا خان في توجيهها لخدمة مصالحه وتحقيق اهدافه. صعود نجم رضا خان فقد سافر احمد شاه الى اوروبا وبعدها باشر رضا خان مهامه كرئيس للوزراء بعد ان اخذ عهدا على ولي العهد بعدم التدخل في شئون الدولة، ونجح في فرض سيطرة الدولة على مختلف المناطق، وهنا استغل رضا خان الاوضاع وراح يحرك اطروحة الجمهورية كنظام سياسي بديل للنظام القاجاري شجعه على ذلك عزل خليفة المسلمين وانشاء حكومة جمهورية في تركيا. وقد تحرك في سعيه لطرح الموضوع بشكل يجعله محايدا وكان الصحفيون اداته الاساسية. وبكبسة زر بدأت الصحف الايرانية تطلق ابواقها بمساوئ النظام القاجاري في مقدمة لحملة شاملة تدعو الى تغير نظام الحكم في ايران، واعلان الجمهورية وامتدت الدعوة الى الاقاليم والمقاطعات، غير انه ظهرت جبهة معارضة لهذا المشروع.. وحاول رضا خان تعزيز جهوده ومساومة ولي العهد محمد حسن ميرزا بالتنازل عن العرش، وهو ما قوبل بالرفض.. وفي جلسة لمجلس النواب شهد المجلس انقساما بشأن الفكرة ووسط اشتباكات خارج المجلس بين حشود رافضة للفكرة والشرطة لم يجد رضا خان مفرا من اعلان انتهاء موضوع فكرة الجمهورية في ايران مرجئا تجديدها لحين الحصول على تأييد كبار الفقهاء الذين كانوا سببا في افشالها.. وهنا، وفي مبادرة منه اعلن الاستقالة فطالبته جموع المواطنين بالتخلي عنها ما عكس زيادة شعبيته فاصبح يخاطب في المراسلات يلقب بهلوي ويذكر اسمه في الصحف مسبوقا بصاحب الجلالة، وفي هذه الاثناء واصل سياسة قمع التمردات في الاقاليم، وفي مساومة جديدة اعلن رغبته في ترك مهمته لعدم امكان استمرار التعاون مع القاجاريين وانه اذا اريد له الاستمرار فيجب تعيينه القائد الاعلى لجميع القوات المسلحة وهو المنصب الذي كفله الدستور لشخص الشاه وحده، دون غيره، وهكذا خطا رضا بهلوي خطوة اوسع نحو العرش ولم يتبق امامه سوى اعلان ذلك رسميا، وبعد الاطمئنان الى موقف روسيا وبريطانيا صوت مجلس النواب على مشروع قانون اشهار سقوط السلطنة القاجارية، حيث خرج احمد شاه مرة اخرى واخيرة الى اوروبا ليكون ثاني شاه ايراني يموت خارج بلاده بعد محمد علي شاه والده. وفي الخامس من نوفمبر 1925 تم اعلان رضا بهلوي ملكا لايران. البهلوية مع توليه الحكم بدأ بهلوي مجموعة سياسات تنموية مثل النهوض بالقوات المسلحة، وتعزيز وسائل النقل والمواصلات، والطرق والجسور، والبريد والبرق، وتعزيز التعليم حيث انجزت الحكومة الايرانية اجراءات ملموسة في مجال التعليم، واصبح التعليم مجانيا. وهنا يلاحظ ان السياسة التعليمية ارتكزت على تعميق البعد القومي الايراني (الحقبة السابقة على الاسلام)، الاقتداء بالغرب، وتحجيم التعليم الفقهي. كما شهدت الزراعة نهضة كبيرة في عهده، وان كانت النتائج الاقتصادية لسياسة رضا بهلوي ضئيلة القيمة في رفع مستوي معيشة المواطن العادي. اما على مستوى سياسات رضا بهلوي الخارجية فقد سعت ايران لدور اقليمي مميز.. وعلى المستوى الخليجي سعت لابتلاع البحرين، وكانت قضية الجزر الاماراتية الثلاث موضع مساومة بينها وبين بريطانيا.. حيث كان حاكما الشارقة ورأس الخيمة يستطيعان الدفاع عن الجزر بفضل قوتهم البحرية ولكن الارتباط ببريطانيا حال دون ذلك، في ذات الوقت احتفظت ايران بعلاقات طيبة مع السعودية، وفشلت مساعيها في التقرب مع الولايات المتحدة حيث كانت علاقاتها يشوبها التوتر حتى اضطر رضا شاه لقطع علاقاته مع واشنطن. ويأتي المؤلف لخاتم موضوعه وهو الحرب العالمية الثانية، حيث تكاد الصورة ان تتكرر لتطابق ما حدث في الحرب الاولى فايران تفشل في التزام الحياد ويزداد وضعها حساسية مع تزايد اهمية النفط وعلى ذلك تتعرض لاجتياح بريطاني روسي لحماية مصالحها والحيلولة دون وقوعها او مساندتها لالمانيا.. في هذه الاثناء يظهر محمد رضا بهلوي للحفاظ على العرش وبترتيب مع بريطانيا يتم اعلان استقالة رضا شاه وتنصيب ابنه محمد رضا العرش في سبتمبر 1941 ويتوجه بعد ذلك رضا شاه الى موريشيوس ثم جنوب افريقيا حيث يلقى حتفه هناك في 1944 ليكون ثالث شاه ايراني يموت خارج بلاده ولتبدأ مرحلة اخرى جديدة بتولي محمد رضا بهلوي الحكم، وتشاء الاقدار ان يموت ايضا في مصر خارج بلاده ليكون الرابع والاخير في القرن العشرين. مصطفى عبدالرازق