«المدارس الجمالية الكبرى في السينما العالمية» كتاب صدر في مشروع الترجمة للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ويعتبر بحق دليل القارئ والمثقف السينمائي الذكي للالمام بتيارات، أو مدارس السينما العالمية، ويدعو هذا بداية إلى مناقشة مفهوم مصطلح (المدرسة) كما جاء في عنوان الكتاب، فهل هي مدرسة أم حركة؟ أم تجمع جماعة؟ أم تيار؟ وهذا جدل نلمسه بين ثنايا فصول الكتاب بين تعريف أن (المدرسة) تؤصل لوجود تيار حساسية ما أو جماعة كأداة لتنسيق الجهود أو في تعريف أحد القواميس: مجموعة من الأشخاص يعلنون انتماءهم لنفس المعلم أو يعملون على نشر نفس المذهب وقد يتسع ليكون هيكلا شديد المرونة لا يجبر أحدا ولا يفرض شيئا. نترك التعريف الى صلب هذا الكتاب القيم الذي ترجمته الأديبة الناقدة مي التلمساني عن الفرنسية بفهم متعمق، وكان الكتاب قد صدر بباريس عام 1989 من اعداد الناقد جي آنبال بالاشتراك مع آلان وأوديت فيرمو، ويكفي تصفح محتويات الفهرست لتعرف مدى احاطته بالسينما العالمية: الاتحاد السوفيتي في العشرينيات «ثلاث مدارس طليعية فرنسية» 1920- 1936 (التعبيرية الألمانية) 1918 - 1926 (الواقعية الشعرية الفرنسية 1922- 1957 (الواقعية الجديدة الايطالية) 1944-1951 (المدرسة البولندية) 1955-1963 (الموجة الجديدة الفرنسية) 1958-1965 (تتويج السينما المباشرة) 1959 السينما الألمانية الشابة) 1967 -1971 (السينما الجديدة في البرازيل) 1962 - 1972 (مدرسة ربيع براج) 1962-1968 (سينما كويبك الحرة) 1963 -1980 (جماعة الخمسة - سويسرا) 1968 -1980 (مدرسة بودابست) 1969 - 1985 (الاستوديوهات الأمريكية الكبرى) ثم أخيرا (طموحات سينمائية بلا حدود) و(المستقبلية -الدادية -السوريالية -الحرفية - الموقفية). كل فصل كتبه باحث أو ناقد متخصص وينتهي بملاحق أو مقتطفات من مجلات أو ملفات أو دراسات وبقائمة افلام كل مدرسة، والملاحظة أن أكثر هذه المدارس أو الاتجاهات كانت قصيرة العمر قليلة في عدد الأفلام أمتد تأثير بعضها وتقلص وانتهى تأثير البعض الآخر. قد يكون القارئ العربي المهتم بفن الفيلم ودارسو السينما على دراية ببعض هذه المدارس أو التيارات مثل (الواقعية الجديدة الايطالية) أو (الموجة الجديدة الفرنسية) لكنه غالبا أقل دراية بـ (المدرسة البولندية) أو (سينما كوبيك الحرة) وغيرها، يقول الناقد البولندي باتشك فوكزيفتشي أن هذه المدرسة صرخة أمة فرض عليها الصمت لسنوات عديدة (يقصد الحقبة الستالينية لم يسبقها فكر تنظيري أو بحث جمالي فقط كانت جزءا من الازدهار الثقافي الذي أيقظ بولندا في شتى المجالات كان أبرز أصحاب التجديد أندريه فايدا وأندريه مونك رغم أن أسلوبهما مختلف بل إن الناقد يلمس أن السينما البولندية عامة غير متجانسة أسلوبيا وكأنها تملك فكرا نقديا للإرث الرومانسي القائم على المثال الثوري و تأليه الشجاعة والموت البطولي ولاحظ النقاد الأجانب أن من مكونات المدرسة البولندية الشعرية الرهيفة أسلوب فايدا مثلا تعبيري نتاج رؤيته للوضع الانساني بكل تطرفه والتحولات التي يتسبب فيها القدر وتناقضات الحياة وذلك بنبذة أخاذة ودرامية يترجم هذا الأسلوب الى صور ذات كثافة بصرية محملة. (مدرسة بودابست) 1969 - 1985 كما يقول الناقد المجري جان بيير جانكولا نشأت في قلب تراث الفيلم التسجيلي.. وهذا بدوره ظهر بفعل عوامل متداخلة: أولها التراث الوطني المرتبط بالبحث الميداني وبالأدب الشعبي وثانيها تأسيس استوديو بالاش الأسطوري حيث أقيمت للمخرجين الشبان امكانية صنع أفلام مجرية كاملة من خلال صندوق تمويل يديرونه ذاتيا لتشجيع الابداع التجريبي وكان المخرجون ومديرو التصوير الشبان مجبرين على تقديم فيلم تسجيلي نهاية العام مما جعلهم على اتصال بالواقع، ثم ثالثا ظهور مبدعين بشخصية قوية استطاعوا التعريف بأفلامهم وبالبيئة الاجتماعية والسياسية نتوقف عند أحدهم وهو بال شيفر الذي انهمك منذ 1982 وفي برنامج لخمس سنوات لاستعراض حياة الفلاحين ومشكلاتهم وظهرت أفلام تحقيقات صحفية عن مصير الأقليات القومية التي سحقت في المجر نفسها والأقلية المجرية المنبوذة في رومانيا في عهد تشاوشيسكو. ما زالت الأفلام المجرية حتى في التسعينيات تمثل القومية المتطورة ومدرسة المسئولية. مدرسة ربيع براج 1963 - 1968 لماذا تحديد عام 1963 في حين أن أفلام التحريك للمخرجين المبدعين جيري ترانكا وكاريل زيمان التي أثارت اعجاب العالم على مدى عشرين عاما ورغم سيطرة الحزب الشيوعي خرجت أفلام للمخرجة فيراشتيلوفا (زهرة المرجريتا) وميلوش فورمان (غرابات شقراء) شقت طريقها الى المهرجانات الكبرى ووصلت للجمهور في أوروبا وأمريكا ثم دخلت دبابات حلف وارسو الى براج أغسطس 1968 واختار فورمان المنفى الاختياري الى أمريكا واختارت شيتيلوفا المنفى الداخلي. من هاتين المدرستين من دول اشتراكية سابقة، الى مدرسة بأمريكا اللاتينية هي السينما الجديدة في البرازيل 1962- 1972 المعروفة بسينما نوفو Cinema Novo التي تأسست عن طريق الفيلم التسجيلي من أهم خصائصها محاولة كسر الخطاب السائد، وايقاظ الذاكرة الجمعية للشعب مثل أساطير المطاريد والخارجين على القانون واكتشاف معناها الثوري، الاستعانة بالتقاليد الثقافية والغنائية المتدفقة. ومن أبرز رموزها (روي جويرا) وهو من أصل أفريقي موزمبيقي وقد درس في معهد السينما إيديك بفرنسا تميز بحريته في الكتابة وجرأته ومؤثراته المونتاجية المدهشة وقدم جلادبر روشا في فيلمه (سد الريح) 1962 عالما تملأه كائنات خاضعة للمعتقدات الخرافية (للقدرية الطبيعية) وتقاليد الأجداد ورموز البحر والهواء والرمل واهتم المخرج كارلوس دييجيس في فيلمه جانجا زومبا بالمشكلة العرفية المرتبطة بالتعايش بين الأجناس وتزاوجها حاولت أفلام برازيلية تصوير المجتمع البرازيلي في تناقضاته ومباريات كرة القدم ورقصات السامبا الشيطانية.. ثم جاءت الدكتاتورية العسكرية وضغوطها على الفكر غادر جلابر روشا البرازيل ويعلن في لقاء صحفي (انتجت أفلامنا الى عصر حلم وأمل جيل 5 أفلام مليئة بالحماس والايمان والحركة يلهبها حب عظيم للبرازيل).. تشتت جيل سينما نوفو. نصعد شمالا الى كندا (سينما كوبيك الحرة) 1963-1980 التي ترتبط كما يقول الناقد رينيه برايدال بالحركة القومية وحافزها الثقافي كوبيك هي الاقليم الفرنكفوني المنعزل عن أمريكا الشمالية الانجلو سكسونية ويضم ستة ملايين، خمسة منهم من الناطقين بالفرنسية كان انتقال المركز القومي للسينما من أوتاوا الى مونتريال بداية لبزوغ جيل جديد من السينمائيين الفرنكوفونيين المتحمسين للتجريب في أساليب جديدة للتصوير وكتجارب أخرى سابقة (المجر) يكون للفيلم التسجيلي وسيلة لاكتساب وعي اجتماعي وسياسي ويخرج أول فيلم روائي طويل يشارك في مهرجان كان 1963 وأفلام أخرى تحدث قطيعة مع صيغة الحكي الهوليوودية ويؤكد الهوية القومية أو كما قال أحد المخرجين «أنا كوبيكي إذن أنا ابحث عن ذاتي» الآمال متعلقة بكوبيك الحرة ، ولكن جاء فشل استفتاء 1980 برفض استقلال كوبيك ضربة قاصمة وهجر بعض المخرجين مونتريال ولكن هذه السينما القومية ظلت صوت أمريكا غير الناطقة بالانجليزية. وقد يتراءى في النهاية تساؤل حول خلو الكتاب من أي اشارة الى السينما العربية.. الواقعية في السينما المصري كمثال على الأقل وخاصة وهذا داع أكثر للتساؤل أن الناقد الفرنسي جان آنبال الذي أشرف على اعداد الكتاب قريب الصلة بالسينما العربية وله كتابات عنها. القاهرة ـ فوزي سليمان