الساعات الاولى من 18 يناير 1991 شن العراق هجومه بصواريخ سكود على مدن اسرائيلية، وكانت الاسلحة العراقية محسوبة بمعايير الدمار المادي، عديمة الفعالية على نحو يثير الاستغراب؟! لم تكن هناك وفيات نتيجة اصابات جسدية في الهجوم الاول، ولم يقتل الا شخصان من جراء الآثار المادية لانفجارات سكود خلال الايام الستة عشر اللاحقة، ومع ذلك قفز معدل الوفيات في اسرائيل 58% واشارت التقارير ان اغلب حالات الوفاة التي وصلت الى 147 حالة كانت نتيجة ضغط عاطفي شديد سببه الخوف من القصف العراقي. فهل الخوف الشديد من الموت قد يؤدي اليه او الخوف الشديد من المرض يجعل عقلنا مريضا وبالتالي اجسادنا؟ هناك فارق اساسي بين الاعتلال ـ اعتقاد المصاب بأن شيئا ليس على مايرام فيه ـ والمرض الذي هو خلل طبي يمكن تشخصيه موضوعيا وفق معايير متفق عليها. ويمكن ان نصاب بمرض مثل القلب في مراحله الاولى دون ان تشعر باعتلال رغم ان الطبيب لايستطيع ان يتلمس اي دليل على وجود مرض ما. واستنادا الى تقرير اعدته كلية الاطباء الملكية وكلية المحللين النفسيين فإن نصف الذين يراجعون العيادات الخارجية لاسباب يفترض انها صحيحة، يعانون من مشاكل نفسية، وعلى الرغم من اعراضهم الجسدية كالآلام او خفقان القلب بتسارع، وضيق في التنفس، فانهم لايعانون من مرض جسدي يمكن الكشف عنه وتثبت نسبة كبيرة من المرضى ـ خمسهم او اكثر ـ ان من الصعوبة بمكان ان يتعامل الاطباء معهم، فإما مرضهم لايمكن تشخيصه بتاتا، او انهم حين يتم تشخيص مرضهم، يجدون التشخيص غير مقنع، ويعاودون الذهاب الى الطبيب مغتمين متذمرين.. ولفهم ما يجري فعلا ما علينا الا العودة الى العقل. العقل والمناعة كان العلماء والاطباء يميلون تقليديا الى اعتبار المناعة كائنا قائما بذاته يعمل بصورة مستقلة الى درجة كبيرة عن العقل والسلوك، وانه نوع من آلة بيولوجية صقلتها ألوف السنين من التطور للعمل على حماية الجسم من كل ما يستطيع العالم الخارجي ان يلقي عليه. ولكن هذا الرأي صار خاطئا تماما، اذ اثبت بالملموس ان اجهزة الجسم الرئيسية الجهاز العصبي، وجهاز الغدة وجهاز المناعة ـ لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل ترتبط ارتباطا وثيقا فيما بينها، فالاحداث التي تقع في المخ يمكن ان تحدث تغييرات داخل جهاز الغدد الصماء وجهاز المناعة من خلال طرق متنوعة، من ضمنها ممرات عصبية متخصصة وكيماويات تقوم بدور الساعي في شبكة ناظمة متكاملة تساعد على بقاء الجسم بأكمله يعمل بفاعلية. ومن التصورات الخاطئة ايضا ان الجسم يعمل بشكل تراتبي، اي من اعلى الى اسفل، حيث تتدفق الاوامر باتجاه واحد، من المخ الى بقية الجسم لكن الابحاث الدقيقة تؤكد ان المعلومات تتدفق في الاتجاهين عبر الممرات البيولوجية المختلفة التي تربط الجهاز العصبي المركزي وجهاز الغدد الصماء وجهاز المناعة فيما بينها، لذا يمكن للنشاط الذي يجري داخل جهاز المناعة ان يؤثر في المخ والحالة الذهنية والسلوك، والكثير من الاعراض المرضية تثبت ذلك، كالخمول والكآبة وضعف الأداء الذهني والذاكرة .. الخ ولكن السؤال الاهم هو: هل يمكن للعقل ان يؤدي الى مرض الجسد؟ أمراض القلب يعتبر مرض القلب مسئولا عن 40% من اجمالي الوفيات في البلدان «المتطورة» ولايخفى على احد ماتلعبه صعوبات الحياة، ومشاكل البيئة والضغوط النفسية و.. من امور يمكن احيانا ان يسيطر عليها العقل واحيانا لايمكنه فعل ذلك، فالنشاط المفرط او غير المنسق في الجهاز العصبي عامل مهم في احيان كثيرة في السكتة القلبية المفاجئة، ومن السهل ان نرى لماذا؟ فان عمل القلب والاوعية الدموية لحظة بلحظة يخضعان لتحكم الجهاز العصبي المستقل «الذي يشكل الجهاز السمبثاوي جزءا منه وتتولى الاشارات العصبية المنبعثة من المخ تعديل اداء الجهاز القلبي ـ الوعائي باستمرار لمواكبة المتطلبات الراهنة، وتقرن ردود الافعال العاطفية العنيفة مثل الغضب او الخوف بتفعيل الجهاز العصبي السمبثاوي، الامر الذي يسفر عن تحفيز الجهاز، القلبي ـ الوعائي. ويجعل هذا نفسه محسوسا على شكل تسارع مفاجيء في ضربات القلب، فمثلا حين نشعر بهزة عاطفية يتسارع نبضنا، وخفقان قلبنا «ومن هنا كان القلب والسهم رمزا للحب» وردود الافعال النفسية والعاطفية يمكن ان تحفز الجهاز القلبي ـ الوعائي بقدر ما يحفزه المجهود العضلي، والضغط النفسي الحاد اوالعاطفة القوية يمكن ان تضاعف نبض القلب اكثر من مرتين، دافعة اياه اكثر من 180 ضربة في الدقيقة، وهذا يسبب ارتفاعا ملحوظا في ضغط الدم، والكثير من الاطباء يجدون احيانا ان قياس ضغط المريض قد يرفعه، اذا لم يكن معتادا على ذلك او لايعرف ما الذي سيحدث معه. بيد ان التقلبات التي تحدث في نبض القلب وضغط الدم بدافع نفسي لاتلحق بحد ذاتها اذى يذكر بقلب صحيح طبيعي. ولكن الامر يختلف اذا كان القلب او الشرايين التاجية مريضة، فالزيادة الحادة في نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي لدى شخص مصاب بمرض القلب التاجي، يمكن ان تسبب اضطرابات مؤقتة في جهاز السيطرة الكهربائية الذي ينسق حركات الضخ المعقدة لعضلة القلب، وهذه الاضطرابات التي تعرف بأنها «عدم انتظام» هي السبب المباشر لغالبية السكتات القلبية المفاجئة، ونوع اللانتظام الاكثر شيوعا، والمسئول عن نحو 70% من السكتات القلبية المفاجئة، يعرف بالرجفان البطيني. ان تقنيات المراقبة المحسنة مكنت العلماء من متابعة التغيرات اللحظية في قلوب مرضى واعين وخرجوا بنتائج مذهلة، فنحن الان نعرف ان مسببات الضغط النفسي اليومية الخفيفة يمكن ان تؤدي الى اختلالات طفيفة في عمل القلب بسهولة اكبر بكثير مما كان يعتقد، فعند مريض بالقلب يمكن حتى لشيء بسيط مثل اداء مهمات ذهنية شاقة ان يحدث انقطاعات وجيزة في امداد الدم الى القلب، ومثل هذه الانقطاعات يمكن ان تحدث دون ان تسبب اوجاعا في الصدر او اية اعراض مكشوفة اخرى، وتعرف «بالفاقة الدموية الاحتباسية» وتحدث غالبا بسبب عوامل نفسية عاطفية لايسبب النشاط العضلي. كما ان الضغط النفسي الشديد يمكن ان يساعد في احداث سكتة قلبية مفاجئة من خلال التنشيط الجزئي لآليات تخثر الدم، اضافة للجلطة والتصلب العصيدي، ومرض الشريان التاجي.. وكشفت عقود من الابحاث المكثفة الشيء الكثير عن طبيعة مرض القلب واصوله، والمعروف ان عوامل مختلفة تزيد احتمالات الاصابة به ومن هذه العوامل، التدخين، ارتفاع ضغط الدم، الشيخوخة، والبدانة، وارتفاع الكولسترول في الدم، اضافة لوجود العامل الوراثي، هذا بغض النظر عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية وما تؤول اليه من منغصات نفسية. يتطرق الكتاب ايضا الى العقل والامراض الخبيثة والايدز، وعلاقة العقل بالامور النفسية والصحية، وماهي الوسائل التي يجب ان يتخذها الفرد للوقاية من الامراض والابتعاد عنها، ومن ثم محاولة كشفها اذا حدث «لاسمح الله» واصيب بها، ومعرفة طرق علاجها فيما بعد، وماهو دور المناعة والسلوك والادراك في كل هذا. محمود ابو حامد