يشغل موضوع المستقبليات حيزا كبيرا من الجهد الفكري الانساني في عالمنا المعاصر، وتتنافس الدول والمجتمعات فيما بينها من اجل ابتكار الآليات التي تتيح لها افتراض الصيغ المستقبلبية ، الاكثر قربا من الواقع الذي سيتحقق، الامر الذي سيمكنها من ايجاد موطيء قدم لها في عالم الغد، وهنا تكمن اهمية الاستثمار في البحث العلمي بمختلف ابعاده، والذي من دون ترسيخه تقليدا لن تتمكن الامم من مواجهة التحديات الهائلة التي ستعترضها. ويشكل كتاب «هكذا يصنع المستقبل» الذي يحتوي نصوص البحوث الثلاثة عشر التي القاها خبراء دوليون في مختلف الحقول الانسانية، في اطار المؤتمر السنوي الخامس لمركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ـ مساهمة من قبل المركز في الجدل الدائر حول بعض من اهم الموضوعات التي تدخل ضمن اطار علوم المستقبل. يتعرض المفكر بول كنيدي «استاذ التاريخ، ومدير برنامج دراسات الأمن الدولي بجامعة ييل» في الفصل الاول «التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين» للرؤى المختلفة التي تعرفنا بصورة منهجية بالتحديات التي ستواجه البشرية في القرن الجديد وفق التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وقد صنف كنيدي التحديات ضمن مجموعات، بحيث ركزت المجموعات الاولى على شكل البشرية وحجمها، اي على القوى الديمجرافية الاولى على شكل البشرية وحجمها، اي على القوى الديمجرافية الناشطة في انحاء العالم وتأثيرها المحتمل، اما المجموعة الثانية فتبحث في الثورات التقنية، ليس في المعنى المادي لمعجرات التقنية الحيوية او الانترنت فحسب، بل كذلك من حيث انعكاسات الاستقرار المالي والسيادة القومية والحريات الفردية وانعدام التوازن الثقافي. وتتطرق المجموعة الثالثة الى الاتجاهات التي تجذب الاستراتيجيين الى التغييرات الحاصلة في توازن القوى « مثل صعود الهند والصين» وانتشار الاسلحة في المناطق المضطربة، والارهاب الدولي والجريمة المنظمة، والحروب العرقية والاقليمية. اما الفصل الثاني «تحول الثقافات، الانعكاسات على الفرد والاسرة والمجتمع» فقد رأى فيه الفن توفلر «المفكر المتخصص في علوم المستقبل» ان تحول الثقافات شهد ثلاث موجات من التغيير: 1ـ الثورة الزراعية التي بدأت منذ عشرة الاف عام وأدت الى التحول من المجتمع البدائي الى المجتمع الزراعي المستقر. 2 ـ الثورة الصناعية التي بدأت منذ حوالي 300 عام ومازالت مستمرة في بعض مناطق العالم، حيث يتدفق الملايين من الفلاحين في بعض الدول قاصدين المدن الكبرى بحثا عن الاعمال في المجال الصناعي. 3 ـ التحول من القوة البدنية الى القوة الذهنية مع ما يصاحب ذلك من عدم استقرار اجتماعي وثقافي ومؤسسي وسياسي موجع، والملاحظ انه حيثما تجاوزت الاقتصادات نطاق الزراعة والصناعة القائمة على خطوط الانتاج المتماثلة الى الطرق الجديدة العلمية والمعرفية لخلق الثروة، فإن مصير الافراد خروج من بوتقة المماثلة والمطابقة الثقافية الى تنوع ثري وهائل. وجاء الفصل الثالث بعنوان «هندسة الجينات واثرها على البشرية» فرأى فيه جيرمي ريفكن «رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية الامريكية» ان الثورة الحاصلة في عالم الحاسوب هي مقدمة لتطور اكبر في الاقتصاد العالمي يعود في جذوره الى التحول التاريخي نحو عصر التقنية الحيوية الذي يبشر بوفرة في الحيوانات والنباتات الخاضعة لهندسة الجينات تكفي لاطعام العالم الجائع، وكذلك بوفرة من مصادر الطاقة والالياف المستخرجة بواسطة الجينات لتنشيط التجارة وبناء مجتمع متجدد، وعقاقير وعلاجات جينية تسهم في انجاب اطفال اكثر صحة، والقضاء على صورة المعاناة الانسانية واطالة عمر الانسان، ولكن ذلك كله لن يكون دون ثمن. ويناقش كريستوفر موراي «مدير البرنامج العالمي لمتابعة السياسات الصحية في منظمة الصحة العالمية» في الفصل الرابع «الاتجاهات والتحديات العالمية للصحة والانظمة الصحية في القرن الحادي والعشرين» الاوضاع الصحية العالمية انطلاقا من الاهداف التي تسعى الانظمة الصحية الى تحقيقها، وتشمل: الكفاءة وحماية الفرد والاسرة والمجتمع من تحمل الاعباء المالية الناجمة عن العناية بصحة المرء، وتحقيق العدالة في المعايير الاساسية للقطاعات الصحية، بالاضافة الى الحد من عدم تكافؤ فرص الرعاية الصحية، وركز موراي على انه رغم التحسن الكبير في فرص سلامة الحياة الانسانية، وازدياد متوسط العمر عند الولادة للذكور والاناث، حدثت انتكاستان في المجال الصحي، هما الزيادة المستمرة في نسبة وفيات الذكور الكبار في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق «منذ عام 1965» وانتشار وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة لدى الانسان المتسبب في مرض الايدز. اما الفصل الخامس «حقوق الانسان في القرن الحادي والعشرين» فركزت فيه جودي وليامز «الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 1997» على كيفية ضمان اكبر لحقوق الانسان في ظل تطور آلات لحماية المدنيين من الاعتداء على انسانيتهم إبان الحروب من خلال تنشيط منظمات المجتمع المدني التي سيكون دورها بارزا في حماية حياة الفرد في المستقبل، وقد تناولت وليامز تجربتها الخاصة بوصفها ناشطة سياسية في قضية حظر استخدام الالغام الارضية المضادة للافراد، ودعت الدول الى توقيع المعاهدة الدولية الخاصة بهذا الحظر. ويتناول زبجنيو بريجنسكي «المستشار السابق لشئون الامن القومي في الولايات المتحدة الامريكية» في الفصل السادس «محددات النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين» ويرى ان هذا المفهوم غامض بطبيعته، وجاء بمنزلة رد فعل طبيعي على نهاية الحرب الباردة التي كانت صراعا ممتدا ونقيضا لما تنطوي عليه فكرة النظام العالمي الجديد من معان اكثر بكثير من تلك التي يمكن تحقيقها في الواقع، كالشرعية والاستقرار والاجماع على مستوى عالمي على القيم المشتركة، ويرى بريجنسكي انه على الرغم من ان الولايات المتحدة الامريكية هي القوة العالمية الوحيدة، فإن هذا لا يعني انها تملك قدرة مطلقة، لذلك يتعين عليها ان تصوغ استراتيجية تقوم على اشراك الدول الكبرى الاخرى في عملية تعاون يهدف الى تخفيف الصراعات واحتواء عدم الاستقرار، ويجب عليها ان تفعل ذلك قبل اي شيء اخر في قارة اوراسيا التي تضم اكبر القوى في العالم. وفي الفصل السابع «طبيعة الدولة في القرن الحادي والعشرين» يرى كينيشي اوماي «مؤسس ورئيس شركة اوماي وشركاه اليابانية» ان التطورات العالمية الاخيرة، وبخاصة في تقنيات المعلومات والاتصالات، ادت الى تراجع مفهوم «الاقتصاد القومي» بصورته التقليدية، وذلك بسبب انتشار التعامل التجاري في عالم بلا حدود، والسعي لانشاء مناطق اقتصادية اكبر حجما واهم استراتيجيا من شأنها ان تؤدي الى خلق الثروة بصورة جديدة بعيدة عن صورتها التقليدية المرتبطة بالحدود الاقليمية، كما تطرق اوماي الى غموض مفهوم «الدولة القومية» حتى في اطار تعريف منظمة الامم المتحدة له، ويضرب امثلة على ذلك بجمهورية نورو التي توشك ان تصبح عضوا في الامم المتحدة مع ان عدد سكانها لا يتجاوز عشرة الاف نسمة، في حين ان تايوان «وهي بلد ذو قدرات بشرية واقتصادية كبيرة» طردت من الامم المتحدة عام 1971، ومن وجهة نظر اقتصادية ليس مستغربا ان تنحسر الدولة القومية، ذلك ان النموذج المرتكز على ان الثروة مصدرها رقعة الارض القومية قد ولى، وسوف نشهد في المقابل ازدهار مناطق محددة ليس بالضرورة ان تكون دولا بحد ذاتها. وفي الفصل الثامن «الحرب في القرن الحادي والعشرين» يؤكد ايرل تلفورد «مدير البحوث بمعهد الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب بالجيش الامريكي» ان الحرب التقليدية ستبقى هي العامل الذي يقرر النصر او الهزيمة، ولكن تغييرا كبيرا سوف يطرأ على نمط خوض المعارك عبر امتداد ساحة المعركة من الارض مرورا بالغلاف الجوي وصولا الى الفضاء الخارجي، لذلك فإن اسباب الانتصار او الهزيمة سوف تكمن في امتلاك خصائص محددة اهمها الهيمنة في مجال المعلومات والاتصالات، والسرعة التي تسهم في تعزيز مستوى الدقة اثناء القتال، وبما انه من شبه المؤكد ان اسلحة الدمار الشامل والمعدات الموجهة بدقة سوف تكون في متناول معظم الجيوش، فإن تحطيم معنويات العدو وارادته وقدرته على حشد قواته ونيرانه لخوض المعركة، سوف تشكل مفتاح احراز النصر بالسرعة الفائقة وبالحد الادنى من اراقة الدماء. وناقش مرمادوك هسي « الرئيس السابق لهيئة الاذاعة البريطانية» في الفصل التاسع «مستقبل وسائل الاعلام تطور هذه الوسائل من وجهة نظر تاريخية، ثم ركز على كيفية تأثير الثورة المعلوماتية، التي هي سمة العصر، في تقدم وسائل الاعلام المعاصرة، فهل سيلغي جديدها «الانترنت» قديمها «الصحف المطبوعة» مثلا؟ وينتقل بعد ذلك لطرح تأثير تقدم وسائل الاعلام في سيطرة الدولة على تلك الوسائل. قدم نيكولاس نجروبونت «مؤسس ومدير مختبر وسائل الاعلام في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» في الفصل العاشر «مدار المستقبل» تصورا لما ستكون عليه مدارس الغد في ضوء التقدم التقني المتجدد، واثر انماط التعليم الحديثة في مفهومي «الطفولة» و «التعلم» وبخاصة ان حقائق التقنية الرقمية اضفت على هذين الموضوعين وغيرهما ابعادا جديدة. وفي الفصل الحادي عشر «تقنيات المعلومات والاتصالات في المستقبل» اكد جيمس ماكجرودي «نائب رئيس شركة حة سابقا». ان التسارع في تطور التقنيات الاساسية، سوف يستمر بوتيرة عالية جدا بحيث ان نسبة الى ما حصل من تطور تقني حتى الان ستقل مع نهاية السنوات العشر المقبلة الى مئة ضعف ما شهدنها من تطور في السنوات العشر الاخيرة. وحدد الفصل الثاني عشر «المنافسة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد» لبول كروجمان «استاذ الاقتصاد الدولي في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا» ظاهرة العولمة اطارا عاما للتنافس بين الدول «المتقدمة والنامية» والمنظومات على استقطاب الاموال والاستثمارات، وفي هذا السياق يؤدي الاستقرار السياسي، ومن ثم الاقتصادي «عبر قبول وتطبيق فكرة الاسواق المفتوحة» دورا مركزيا، ولكن بعد وقوع الازمة الاسيوية اثيرت الشكوك حول ظاهرة العولمة نتيجة الاخطار التي احدقت بالدول النامية والمتقدمة على حد سواء، ويعالج هذا الفصل الاخطار باستفاضة ووضوح. اما الفصل الثالث عشر «السياسات النقدية الدولية واثرها على الاقتصادات النامية» فيؤكد فيه فرد بيرجستن «مدير معهد ابحاث الاقتصاد الدولي بالولايات المتحدة الامريكية» ان النظام النقدي العالمي فشل في الحيلولة دون وقوع الازمات المالية الدولية رغم الجهود التي بذلت لحماية الاقتصادات النامية والتي اقتصرت على تغييرات طفيفة، لذلك فهو يقترح اربعة تغييرات اساسية تتضمن: 1 ـ اصلاح الانظمة المالية وانظمة الصرافة بما يتفق والانظمة الدولية. 2 ـ ابداء مرونة في اسعار صرف العملات. 3 ـ فرض قيود على تدفق رأس المال لفترة قصيرة ومحاولة اجتذاب رؤوس الاموال لفترات طويلة الأمد. 4 ـ الحفاظ على استقرار العملات بين الدول المتقدمة، وكل هذه الاجراءات تهدف الى حماية الاقتصادات النامية. ان هذا الكتاب الذي يشكل اضافة نوعية لاصدارات مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بما يطرحه من قضايا مهمة، سيحفز القراء الى الاهتمام بهذه الموضوعات المصيرية التي ستؤثر دون شك في جوانب مختلفة من حياتهم.