لا تمثل دولة ما نوعا من التحدي للعرب قدر ماتمثل (اليابان) ليس فقط لأنها دولة شرقية مثلهم ولا لأنها دخلت (العصر) مؤخرا أمام أعينهم بل لأنها فوق هذا وذاك لم تكتف باللحاق بركب الحضارة، بل أصرت على تقدم صفوفه ومناطحة رأس الحربة رأس الأفعى فيه: الولايات المتحدة الأمريكية.. من هنا يأتي كتاب د.رءوف عباس (التنوير بين مصر واليابان دراسة مقارنة في فكر رفاعة الطهطاوي وفوكوزاوا يوكيتشي) اضافة مسئولة في محاولة فك اللغز التحدي (لماذا هم؟ ولماذا نحن؟) تراكم في كشف الطريق امام الفكر الغربي وكشف القصورات التي حالت بيننا وبين عبور الفجوة الحضارية مع الغرب يعتبر (فوكوزاوا يوكيتشي) (1835 ـ 1901) رائد التنوير في اليابان المقابل في التجربة المصرية لـ (رفاعة رافع الطهطاوي) ويركز الجزء الأول من الكتاب على ما أسماه د.رءوف عباس بالاطار التاريخي ويعني به هنا محاولة ايجاد نسق اجتماعي ثقافي هجين يحقق التواصل بين المجتمع التقليدي والدولة الحديثة. يأتي (فوكوزاوا) يابانيا في عصر (مايجي) وهو عصر ارهاصات النهضة والتي بدأت من السنوات الأخيرة من عصر (طوكوجاوا) والتي شهدت المرحلة التي بدأت فيهما اليابان في انهاء عزلتها مع العالم الخارجي وفتح موانيها أمام التجارة الدولية واسترداد الامبراطور السلطة من أيدي رأس النظام الاقطاعي (الشوجون)، والغاء الحظر الذي استمر طويلا على دراسة علوم الغرب واستيراد الكتب الأوروبية وانطلاق المارد الياباني من قمقمه بتشكيل (حلقات العلم) في (نجازاكي) ثم الشروع في تصنيع الأسلحة والسفن والفلزات بسرعة البرق على يد مجموعات صغيرة من العلماء. يقارن الكتاب وضع اليابان بوضع مصر منذ 1517 تاريخ دخول العثمانيين مصر حتى 1798 تاريخ الحملة الفرنسية ثم 1805 التاريخ الفاصل تاريخ دخول محمد على مصر. ثم يرصد التعليم في مشروع محمد علي وأهميته في مشروع (عصر مايجي) الياباني ويضع يده على التطابقات والفروقات أهمها عند محمد علي هي دور الدولة، كما يرصد كيف استطاع (الاقطاعيون اليابانيون) الافلات من هيمنة المحتل الأجنبي عكس مصر التي لم تستطع. ويرجع ذلك أن المبادرة في التجربة المصرية جاءت من جانب حاكم فرد ينشد لنفسه مجدا شخصيا ويتعالى على المصريين بينما جاءت في اليابان على يد نخبة عسكرية اقطاعية حركتها الرغبة في انقاذ البلاد، كذلك كانت اصلاحات (مايجي) جذرية، بينما اصلاحات محمد علي من قبيل جراح التجميل وأخيرا أن (مايجي) بدأت واليابان مستقلة أما النهضة فتمت ومصر محتلة. يتابع الجزء الثاني من الكتاب حياة (فوكوزاوا يوكيتشي) وحياة (رفاعة رافع الطهطاوي) في اطار مقارنة نقدي سريع ولد فوكوزاوا (لأب من صغار (الساموراي) (يساوي عندنا (الخولي) وكان يعد ليصبح كاهنا بوذيا (حتى يفلت من الوضع الاجتماعي) لكنه التحق بمدرسة محلية وغادر (ناكاتسو) وكان في التاسعة عشر ثم تعلم الهولندية ثم سافر الى (ايدو) التي عرفت فيما بعد باسم (طوكيو) ثم درس الانجليزية وسافر للولايات المتحدة كخادم ليعود ليعمل في الخارجية ثم سافر مرة أخرى لأوروبا حيث زار فرنسا وانجلترا وهولندا وروسيا والبرتغال مارا بمصر التي مكث بها يومين زار فيها القاهرة والسويس والاسكندرية. كانت هاتان الرحلتان لـ (فوكوزاوا) نافذة أطلت منهما النخبة اليابانية على العالم حيث كتب انطباعاته عنهما في كتابه الشهير (أمور غريبة) الذي طبع عام 1866 مائة وخمسين ألف نسخة نفدت فور صدورها والذي أحدث ضجة بسبب تزامنه مع (حركة عداء الأجانب) التي تقودها عصابات (الرونين) والتي وصل بها الامر لاغتيال كل من يدرس أو يتعامل مع الأجانب. استمر (فوكوزاوا) ولزم الحياد في سنوات انقلاب مايجي.. حيادا مرعبا قيل انه ظل يدرس في مدرسة (كيو) والطلبة تفر من هول الأحداث حتى وصل عدد الطلبة الى 18 طالبا فقط. تفرغ (فوكوزاوا) واصدر سبعة كتب أخرى أبرزها (تشجيع التعليم) الذي طبع حوالي اربعة ملايين نسخة نفدت فورا بعدها (حول نظرية الحضارة)، (الخطاب الشعبي حول حقوق الشعب) (الخطاب الشعبي حول الحقوق الوطنية) وسلسلة مقالات عن المرأة وأسس جريدة يومية اسمها (الزمان) هدفها ترسيخ مبدأ الاستقلال الحضاري. يقارن الكتاب بعد ذلك بين (فوكوزاوا) و(رفاعة رافع الطهطاوي) المولود بصعيد مصر بعائلة أزهرية والذي انتقل للقاهرة ثم تم تعيينه إماما بجيش محمد علي ثم رحلته لفرنسا (1826 ـ 1831) وعودته مترجما وكاتبا ومفكرا للتنوير العربي يرصد الكاتب الشبه والاختلاف بين الرائدين ويرى أن (فوكوزاوا) اعتمد أكثر على جهده الفردي ولكن أندماجه في ثقافته التقليدية أو الثقافة الأوروبية كان سطحيا على عكس (رفاعة) الذي كان اندماجه في الثقافتين عميقا. على مستوى الفكر السياسي كانت فكرة (الهيبون) التي تفلسف الخضوع للسلطة على غرار علاقة الابناء بالآباء هي السائدة وبرغم تشجيع (فوكوزاوا) لحركة الحريات الا انه ظل يدافع عن البيت الامبراطوري رمزا للأمة والحارس الأمين للهوية وهذا الانحياز لم يدفعه فقط الى كثير من التراجع في موقفه من الحريات والديمقراطية بل دفعه للدفاع عن الهيمنة والامبريالية اليابانية في الخارج. على عكس رفاعة الذي كان (ليبراليا) حقيقيا بل رأى ان دينه الاسلام حث على هذه الليبرالية لكن في المقابل هذه (الليبرالية) لم تجعله متنبها لخطورة التوسع الغربي (الذي حدث لمصر بعد تسع سنوات من موته) بل وصل الامر الى مدحه بحسن نية. على المستوى الاقتصادي كان (فوكوزاوا) براجماتياً وكذلك رفاعة: أما على المستوى الاجتماعي فأفكار كليهما واضحة في نقد اضطهاد المرأة كذلك فإن مايجمع (فوكوزاوا) و(رفاعة) هو موقفهما من فكرة التعليم والتي أجمع كلاهما.. انها ليست قرض الشعر ودراسة الاخلاق أو النصوص القديمة فقط وانما يجب أن تكون لها أهمية علمية. وأخيرا اختتم الكتاب اطروحته الرائعة عن الرائدين بمقارنة لآراء كل منهما في فهم الحضارة. رغم صعوبة استقصاء هذه الآراء في عجالة الا انه يمكن القول ان الحضارة كانت بالنسبة لـ (فوكوزاوا) تعتمد على روح العصر وليس السلوك الخلقي للحكام. أما رفاعة فقد قسم زمنه.. الى (همج متوحشين) و(برابرة خشنين) و(أهل الأدب والظرافة والتحضر). لقد استطاع الكتاب أن يضع يده.. على (الطوبوغرافيا الفكرية) لنقطة البداية لمجتمعين في لحظة الانطلاق. والقارئ المجتهد لا يمل وهو يقلب صفحات الكتاب الأطروحه أن يسأل نفسه.. هل كان هذا فقط هو الفرق؟ حقا.. هو سؤال مهم.. يصلح مقدمة اجابة لسؤال أهم لماذا هم هناك.. ونحن هنا؟ القاهرة ـ خالد محمود