روما ـ كلير بدريك: تعد مهنة الصيد من بين اخطر المهن بل ان الصيد في اعالي البحار هو الاخطر على حياة الانسان، حيث تشير تقديرات رسمية الى ان سبعين شخصا ، يلقون حتفهم يوميا نتيجة اشتغالهم بصيد السمك، وحسب الاحصائيات تبلغ حصيلة ضحايا هذه المهنة نحو 24 الف قتيل. هذه الارقام المرعبة كشف عنها تقرير حديث صادر عن منظمة الاغذية والزراعة الدولية «الفاو» التابعة للامم المتحدة، التي دعت الى اتخاذ اجراء عاجل لكبح الأعداد المتزايدة من ضحايا صيد الأسماك. ففي الولايات المتحدة وحدها، تعادل نسبة الوفيات الناجمة عن الصيد في مياه المحيط 25 إلى 30 ضعفا لمعدل الوفيات الناجمة عن أي مهنة أخرى. وفي إيطاليا، يرتفع معدل ضحايا الصيد بمقدار 21 مرة عن معدل الوفيات الطبيعية. وفي استراليا، تحصد مياه المحيط أرواح 143 من كل مئة ألف صياد محترف . على أن أسوأ المعدلات نجدها ـ كالعادة ـ في العالم الثالث، نتيجة ندرة أو انعدام عوامل الأمان في المصايد ورداءة صناعة السفن وأدوات الصيد. وفي ليلة واحدة من شهر نوفمبر 1996، أثناء وقوع إعصار عند الساحل الشرقي للهند، لقي 1400 شخص حتفهم خلال بضع ساعات. وكان السبب الرئيسي في هذه المأساة ـ وفقا لنتائج التحقيقات ـ سوء تصميم سفن الصيد والفشل في توقع حجم الخطر ويزيد مسئولو الفاو بأن الكارثة كان من الممكن تجنبها لو توفرت معلومات أكثر دقة للصيادين عن سوء الأحوال الجوية في تلك الليلة . في أنحاء العالم، يكسب أكثر من 15 مليون شخص قوت يومه من صيد الأسماك. فالصيد من أقدم المهن التي عرفتها البشرية (سبقت الزراعة)، ومن أكثرها قسوة. وبغض النظر عما إذا كانوا يستخدمون في عملهم سفن صيد ضخمة كتلك التي يركبها الروس والهولنديون، أم قوارب الكانو الصغيرة كما في بحيرات أفريقيا وآسيا، فإن أغلب الصيادين معتاد على مواجهة ظروف مخيفة . تصاب بالبرد، ويبتل جسمك أغلب الوقت، ولا تحصل على كفايتك من النوم. تكون مكشوفا طوال الوقت، وتعمل فوق لوح زلق مبتل لا يتوقف عن الحركة العنيفةلالا هكذا يصف جيرمي تيرنر كبير مسئولي صناعة المصايد لدى منظمة الفاو (الذي أعد التقرير الأخير الخاص بمخاطر الصيد) طبيعة عمل الصياد المحترف. ويضيف إن الصياد يتوقع الخطر باستمرار كجزء لا يتجزأ من عمله اليومي. ومن ثم نتوقع أن يكون هذا الصياد نوعا خاصا من البشر، نوعا يتحمل الصعاب بكل أنواعها.. صعاب البحر، وصعاب الغربة عن الأهل لفترات طويلة . الاختيار ولم إذن يختار البعض هذه المهنة الخطرة ؟ يجيب تيرنر العائد المادي قد يكون مغريا جدا .. ففي وقت من الأوقات كنا نرى صفا طويلا من سيارات البورشه الرياضية أمام ميناء اسكتلندا في انتظار الصيادين العائدين من البحر. وهناك آخرون يمارسون الصيد من باب الهواية والاستمتاع .. البعض يعشق المغامرة وركوب البحر ورؤية الصيد الثمين في الشباك. كما لا تنسى أن الصياد غالبا ما يكون سيد نفسه، أي لا يوجد من يرأسه كالموظف. وكما أن هناك أحوالا جوية سيئة تهاجم الصياد، فإن كثيرا ما يكون الجو صحو ويستمتع بمشاهد الشروق والغروب الجميلة. لكن في مناطق كثيرة من هذا العالم ـ وبالأخص في آسيا ـ يعد صيد الأسماك وسيلة غير آمنة للاسترزاق، إذ تعج مراكب الصيد بالعشرات من العمالة غير المؤهلة وسكان المدن الباحثين عن أي مصدر للرزق .. مما يضاعف من المخاطر. وعن ذلك يقول تيرنر كثيرا ما يلجأ الناس لامتهان الصيد باعتبارها الفرصة الوحيدة المتاحة للعمل . هذا ما يحدث في الهند، وفي كثير من أجزاء تايلاند، وإندونيسيا، وسريلانكا، والصين .. كما ينطبق ذلك الوضع على سكان غرب أفريقيا وبعض مناطق أمريكا الجنوبية. وبالرغم من حجم الأخطار في هذه المهنة، فإن معايير الأمان القانونية الخاصة بالصيد والمصايد لم يتم إقرارها دوليا حتى اليوم. وللعلم، فإن أكثر من 97 في المئة من الصيادين في أنحاء العالم يعملون على قوارب يقل طول الواحد منها عن 24 مترا ، ومن ثم لا تخضع لأي مواثيق أو اتفاقات دولية معمول بها . ومع نضوب الثروة السمكية في المياه القريبة من الشواطئ، يغامر الصيادون باقتحام أعماق البحار والمحيطات بحثا عن صيد وافر، ويمضون غالبا فترات زمنية طويلة على ظهور قوارب غير مصممة أساسا لهذا النوع من الظروف. ولأن الأجيال الأقدم من الصيادين تفتقر إلى خبرة الصيد بعيدا عن الساحل، كما تفتقر إلى الدراية بالمهارات اللازمة لتوفير الأمان في العمل (مثل شروط الملاحة، والتنبؤ بالطقس، ووسائل الاتصال اللاسلكي)، تتزايد معدلات الخطر وتتزايد أعداد الضحايا بين أبناء هذه المهنة . ضغوط تجارية والمؤكد أن الضغوط التجارية تمثل أحد أبرز أسباب ارتفاع معدل الوفيات بين الصيادين. فالطلب على الأسماك في ازدياد مستمر. وخلال العقود القليلة الماضية، تضاعفت مستويات استهلاك الأسماك في أنحاء العالم بصورة غير مسبوقة، نتيجة تطور اقتصاديات العديد من الدول وارتفاع مستويات المعيشة. ومن ثم يعمل قسم المصايد التابع لمنظمة الفاو الدولية على توعية الصيادين في آسيا والمناطق المطلة على المحيط الهادي والكاريبي بالأخطار المحتملة، في مسعى منها لتقليص عدد الضحايا. لكن المشكلة الحقيقية، أنه حتى ومع وجود القوانين واللوائح المنظمة لهذه المهنة، غالبا ما يتم تجاهلها، وبخاصة في دول العالم النامي . ويكفي أن نعلم أن 569 صيادا من بين ضحايا الكارثة البحرية التي ضربت الهند العام 1996 فقدوا أرواحهم نتيجة غرق القوارب التي كانوا يستخدمونها، لأنها لم تكن مجهزة بالحد الأدنى من أدوات النجاة. وعن ذلك يقول خبير الفاو جيرمي تيرنر الذي بادر بزيارة موقع الحادث آنذاك لتقصي أسبابه لم تتوفر لهؤلاء الصيادين أطواق نجاة أو أردية بحر يغالبون بها الأمواج .. كما لم تتوفر لهم معلومات عن اقتراب العاصفة لأن قواربهم لم تكن مزودة بأجهزة راديو. بل إن أيا منهم لم يمتلك جهاز راديو ترانزستور توفيرا لتكلفة البطاريات . وبغض النظر عن التكاليف، يجد المسئولون صعوبة بالغة عادة في إقناع الصيادين بارتداء جاكيتات النجاة بسبب تقييدها لحركة الجسم من ناحية، وبسبب ميل الصيادين للمغامرة من جهة أخرى. وفي كندا، باءت جميع الجهود بالفشل في إقناع الصيادين بارتداء هذه الجاكيتات، حتى ظهرت فكرة استخدام زوجات هؤلاء الصيادين في الضغط على أزواجهم للحفاظ على أرواحهم من أجل الأسرة على الأقل . وتبدو نتائج موت الصياد في البحر أكثر مأساوية على أسرته، بخاصة في الدول النامية. فيقول تيرنر في بعض البلدان، يصعب على الأرملة أن تتزوج بعد فقد زوجها، وتهبط مكانتها الاجتماعية، في الوقت الذي لا يتوفر لها أي قدر من التعويض المادي أو الضمانات الاجتماعية. والنتيجة ضياع الأطفال وحرمانهم من التعليم. مفارقة والمفارقة، أنه حتى في تلك الدول -كبريطانيا واستراليا- التي تنفذ فيها التعليمات بصرامة، تكشف الأرقام أن معدل الإصابات والوفيات بين صيادي الأسماك في تزايد مطرد. ويعلل خبير الفاو ذلك بقوله هذا ناجم عن أن الإدارة عجزت عن تطوير لوائحها بالقدر المناسب وبالتشاور مع خبراء الصناعة ذاتها. وفي بعض الحالات، حوصر الصيادون بنصائح كثيرة عن متطلبات الأمان في البحر مما يدفعهم إلى تجنب العمل بها . ويبدو أن المبالغة في احتياطات الأمان بالسفن قد تأتي بنتيجة عكسية. إذ ثبت في العديد من الحوادث التي وقعت بالمملكة المتحدة مؤخرا أن تعدد أنظمة الملاحة المتطورة زاد من تعقيد المهمة أمام البحارة، فهلكت سفن الصيد. ومن ثم يقترح تيرنر أن يبدأ تدريس أساليب الأمان البحري في المدارس الابتدائية، وخاصة في أوساط المجتمعات التي تميل إلى العمل بالصيد، فيضيف وبالمثل، أعتقد أن من الأهمية بمكان تحويل الاهتمام إلى التدريب العملي في الموانئ ـ بدلا عن الكليات وقاعات الدراسة ـ وتنظيم كورسات يشرف عليها صيادون متقاعدون يزودون الطلاب بخبراتهم.. وقد برهنت بعض الدول على إمكانية تحسين معدلات الأمان بين الصيادين. ففي 1981، أصبحت النرويج أول دولة توفر دراسات متخصصة للصيادين، وقد أصبحت هذه الدراسات إلزامية في العام 1989 وانتهجت الدول الاسكندنافية الأخرى نهج جارتهم، فأرست مناهج تعليم قواعد الأمان للصيادين اعتبارا من العام 1999 . وفي ساموا، قادت سلسلة من حوادث الصيد المؤلمة في الفترة بين 1997 و 1998 (راح ضحيتها 25 صيادا) إلى إعادة التفكير كلية في معايير الأمان بمراكب الصيد . وتزامنت الخطوة مع إقبال الصيادين على التعمق في المياه بحثا عن أسماك التونة . وعن ذلك يقول تيرنر كانت مرحلة مختلفة من العمل، وتطلبت مهارات مختلفة. واليوم أصبح يشترط على جميع سفن الصيد هناك التزود بأجهزة راديو وتسجيل رحلتها قبل الانطلاق وعند العودة. كما بدأ تطبيق إجراءات رقابة على معدات الأمان بكل مركب. الأمر الذي أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدل الحوادث بهذه المنطقة حسب تقرير الفاو. البحث عن الصيادين وفي أيسلندا ـ هذه الجزيرة الأوروبية المعتمدة على صيد الأسماك كأهم مصادر الدخل ـ تأسست جمعية البحث عن الصيادين وإنقاذهم، بجهود ذاتية منذ العام 1929 . وطالما لعبت أمهات وزوجات وبنات الصيادين دورا فاعلا في عمليات إنقاذ السفن الضالة والصيادين الغرقى قرب السواحل، علاوة على جمع التبرعات لشراء معدات إنقاذ ولإنشاء ملاذات وسفن إنقاذ. ومع مرور السنوات، أصبح بإمكان هذه الجمعية اليوم حشد مئات من المتطوعين المدربين ـ من الرجال والنساء ـ عند الحاجة إلى إنقاذ ركاب سفينة غارقة أو ضالة. وقد أثبتت هذه الجمعية أيضا أنها جماعة ضغط سياسي لا يستهان بها عندما أجبرت السلطات الحكومية في أيسلندا على تحسين قواعد الأمان في مهنة الصيد. لكن مسئولي الفاو يحذرون من أن إجراءات الأمان في عرض البحر تظل دون جدوى إذا ما غابت قناعة الصيادين بأهميتها العملية في حماية أرواحهم. وفي هذا السياق يشير الخبراء إلى أهمية مراعاة الاختلافات بين منطقة وأخرى عند تطبيق إجراءات الأمان، وفي تصميم سفن الصيد. وبرغم جميع الجهود المبذولة، يبدو أن الأرباح المتوقعة من وراء المغامرة في أعالي البحار تطغى على أي مخاوف أخرى تنتاب الصيادين، ومن ثم تنسيهم في كثير من الأحيان الأخذ بأسباب الوقاية بدلا من البكاء على الأطلال . خدمة (و. ن. ل)