ظل سوق التوفيقية بوسط القاهرة وعلى مدى سنوات طويلة متفوقاً على كل أسواق الفاكهة بما يقدمه، لزبائنه من فواكه وخضر كلها معروضة بطريقة فنية تشعر القادم إليه وكأنه يشاهد لوحة تشكيلية رسمها فنان مبدع، وكان لبراعة الباعة فى تصميم وتنفيذ شكل واجهة المحلات والعربات أثر كبير فى تميز هذا السوق عن غيره وهو ما نقله من مجرد سوق عادى إلى سوق سياحى، وأضف إلى ذلك توافر معظم أنواع الفاكهة طوال العام حتى لو كانت فى غير موسمها إلى جانب فاكهة أخرى مستوردة لا توجد إلا فى هذا السوق وبالطبع الأسعار تزيد كثيرا عن أسعار أي سوق آخر وعلى سبيل المثال تستطيع أن تجد فيه أشهر فواكه الصيف فى عز الشتاء ولكن بسعر يزيد على سعرها العادى، أربعة أضعاف حيث يتراوح سعر الواحدة بين 25 و30 جنيها، المشمش أيضا موجود فى غير موسمه بسعر 25 جنيهاً للكيلو وكذلك البرقوق وبنفس السعر تجد هناك أيضا البصل الإيطالي والزيتون اليونانى، والكريز المستورد و المصرى، والعنب والتفاح بأنواعه والكرنب (الملفوف) المستورد والخس الأفرنجي. أما رواد هذا السوق فهم من سكان وسط القاهرة من المصريين والجاليات الأجنبية المقيمة فى مصر منذ زمن وهو عبارة عن شارع واحد فقط يبدأ من شارع رمسيس وينتهى فى شارع عرابى ويقطعه من المنتصف شارع البورصة وكان حتى وقت قريب يحوى داخله حوالى مئتي بائع بعربات خشبية متراصة على الجانبين وحوالى خمسين محلا تليها تبيع أفخر أنواع الفاكهة المحلية والمستورد والخضر إلا أن الحال تغير الآن وتراجع عدد باعة الفاكهة بشكل كبير حيث لا يزيد عددهم الآن على 50 بائعا وحوالى عشرين محلا بعد أن ابتلع السوق تجار قطع غيار السيارات فأصبح الجزء الأول من السوق للقادم من شارع رمسيس حتى شارع البورصة خاليا تماما من الفاكهة وهذه المساحة تشكل ثلثى السوق ولم يتبق من السوق سوى الثلث الأخير فقط الذى يبدأ من شارع البورصة وينتهى بشارع عرابى، وخلال فترة قصيرة جدا نجح تجار قطع الغيار واكسسوارات السيارات فى السيطرة على السوق الشهير ونجحوا بفلوسهم فى إغراء تجار الفاكهة الغلابة ليتركوا أماكنهم ولتتحول العربات المزخرفة بالفاكهة الطازجة إلى عربات يباع عليها حزام الأمان وفرش وعدد السيارات وقط ع الغيار، حتى المحلات أيضا تحول كلها تقريبا فى الجزء الأول من شارع التوفيقية إلى الإتجار فى قطع الغيار الجديد والمستعمل أو ما يطلق عليه (استيراد ) وكان للرواج الشديد الذى تشهده هذه التجارة أثرا كبيرا فى سرعة تحول سوق التوفيقية من الفاكهة إلى قطع الغيار . حكاية سوق التوفيقية وقبل رصد ظاهرة التحول فى هذا السوق كان لابد من القاء الضوء على تاريخ سوق التوفيقية، فقد كان المكان فى مطلع القرن العشرين عبارة عن بركة ضحلة لا يقترب منها أحد لوجود نباتات غريبة تملأ المكان وفى أوائل العشرينيات تم ردم هذه البركة وتمهيد الشارع وكان أول النازحين إلى هذا المكان تاجر مصري كان يبيع النظارات وهو من أصل صعيدى ويدعى الحاج فهمي والذى أشتري حوالى 85% من أرض سوق التوفيقية والذى سمى بهذا الاسم لقربه من ميدان التوفيقية نسبة للخديوى توفيق والذى أطلق عليه فيما بعد ميدان عرابي، وقام الحاج فهمى باستقدام مجموعة من ابناء بلدته وجههم جميعا للاتجار فى الفاكهة والخضر لخدمة منطقة وسط القاهرة وقام بتصنيع سيارات خشبية على نفقته الخاصة لتكون بمثابة محلات مؤقتة لهم وبعد مرور عام على بداية هذا المشروع الناجح بدأ الحاج فهمى فى تحصيل إيجار شهرى منهم بلغ عشرة قروش فى عام 1921 وفى العام التالى كان السوق قد حقق شهرة وتوافد عليه زبائن كثيرون دفعت الحاج فهمى إلى رفع قيمة الإيجار فجعلها 75 قرشا أسبوعيا وبمرور الوقت أصبح لكل صاحب عربة ترخيصا من محافظة القاهرة بمزاولة المهنة وشهادة صحية وكان هذا اعترافا من الدولة بشرعية هذا السوق وتوارثت الأجيال مهمة الفكهانى والخضرى على مدى حوالى 79 عاماً، واكسبت الأجيال حرفة (رص الفاكهة ) بالشكل الذى يجذب الزبون لدرجة أن معظم برامج المرأة التى تقوم بتعليم السيدات كيفية طهى الطعام كانت تصور لقطات للفاكهة والخضر فى محلات التوفيقية . نوعية خاصة من الزبائن فى بداية جولتنا داخل سوق التوفيقية أو بمعنى أدق ما تبقى من سوق التوفيقية للفاكهة والخضر سألنا الحاج محمد رمضان عن بدايته مع السوق فقال إنه جاء إلى هذا السوق منذ أن كان طفلا مع والده وأنه ورث المهنة عنه وكان يلاحظ أن والده شديد الاهتمام بتجميل العربة من خلال ترتيب وتنظيم الفاكهة عليها بالشكل الذى يلفت نظر الزبون وعندما سأل والده قال إن رواد سوق التوفيقية نوعية خاصة جدا فهم يشترون أفضل أنواع الفاكهة والخضر ويدفعون أكثر من ثمنها فى أى مكان آخر ولذلك لابد أن يشعر بأن السلعة التي يشتريها أيضا مميزة واحدى أهم وسائل التمييز هذه هو أن تكون مرصوصة على العربة بشكل يزيد من جمالها وأضاف أن والده كان يقوم بتنظيف الفاكهة وتلميعها بقطعة قماش قبل رصها على العربة ويبدأ هذه الرحلة منذ الفجر حتى أول ساعات الصبح ليكون مستعدا لاستقبال الزبائن وأكد أ نه اتبع نفس الإسلوب فى التعامل مع الفاكهة وقال أن معظم الباعة هنا يتبعون نفس الطريقة وهى إحدى سمات سوق التوفيقية . لعبة الفلوس أشار الحاج سيد محمود إلى ظاهرة تراجع الفاكهة أمام زحف قطع الغيار وقال إن رأس المال يلعب دوراً كبيرا فى هذه الظاهرة فمعظم الذين باعوا أماكنهم سواء كان عربة أو محلا وقعوا تحت ضغط إغراء المال نظرا لأن تجار وكالة البلح المتخصصين فى قطع الغيار المستعملة لديهم القدرة على دفع ما يطلبه صاحب المكان وأكثر وخاصة بعد أن حدث رواج شديد فى هذه البضاعة فتاجر الفاكهة الذى كان يقضى اليوم كله ليخرج من السوق بمكسب عشرين أو ثلاثين جنيها أو خمسين فى أفضل الحالات يجد تاجر الاكسسوار يحقق هذا المكسب خلال ساعة أو ساعتين أضف إلى ذلك أن معظم باعة الفاكهة هنا من كبار السن أمثالى تعبوا بسبب تقدم السن ويريدون الراحة وقد لعب التجار الجدد الوافدون علينا من وكالة البلح أو شارع زكى ودوبريه وعرضوا مبالغ كبيرة من الممكن أن يضعها التاجر فى البنك ويجلس فى بيته أنا بالطبع لست من أنصار هذا الإتجاه لكن أمام تراجع حركة البيع بالنسبة للفاكهة والخضر قد يضعف الإنسان ويرضى بما يعرض عليه خاصة إذا كان المبلغ مغرٍ وقد سمعت أن بعض الزملاء فى الجزء الأول من السوق الذي تحول إلى قطع غيار باعوا العربات مقابل عشرين وثلاثين ألفا، أما المحلات فقد وصل سعرها إلى نصف مليون بالنسبة للمحلات الصغيرة ومليون وأكثر للمحلات الكبيرة، حتى الورش الموجودة بالسوق ومحلات الترزية تحولت إلى محلات لقطع الغيار وأصبح سوق التوفيقية الآن مشهورا بهذه السلع بعد أن كان أشهر أسواق الفاكهة والخضر . حزام الأمان التقينا أيضا بأحد التجار الجدد فى السوق يبيع حزام الأمان ومتخصص فى الحزام المستعمل فقط والذى يطلق عليه (الاستيراد ) ورغم أنه مستعمل إلا أن ثمنه لا يقل عن 125 جنيها وهو الحزام ( أبو بكرة ) وهو أغلى من الحزام العادى الجديد، الحزام الأول المستعمل وارد اليابان أما الثانى فهو تركى ويباع إما بخمسين أو بأربعين، سألنا التاجر الجديد الذى افترش عربة خشبية بحزام الأمان المستعمل عن السعر الذى اشترى به العربة فقال دفعت 18 ألف جنيه منذ حوالى عام والآن وصل سعر العربة المجاورة إلى 25 ألفا ومعظمنا قادم من وكالة البلح بعد أن أصبح سوق التوفيقية معروفا لدى الجميع بأنه سوق لقطع الغيار والكماليات، وأشار إلى أن هناك عدداً كبيراً من أصحاب المحلات سواء فى وكالة البلح أو فى شارعي زكي ودوبريه اشتروا محلات بسوق التوفيقية الرئيسى وشارع البورصة بعد أن توسع نشاط هذه التجارة بسبب زيادة عدد السيارات، وأشار إلى أن التغيير شئ طبيعى وضرب مثالا بسوق وكالة البلح فقال إن الملابس المستعملة هى الآن المسيطرة على الوكالة وقد تراجعت أمامها تجارة قطع الغيار والكماليات ونحن بدورنا بحثنا عن سوق آخر فوجدنا أن التوفيقية هى أفضل الأماكن بعد أن زحف تجار شارعى زكى ودوبريه الموازيين لشارع التوفيقية إليه وطبيعى أن يكون أمام المحالات الكبرى تجار صغار أمثالنا، ونحن لم نتجاوز حدودنا لأننا اشترينا أماكن كانت موجودة بالفعل كل ما حدث هو إننا غيرنا النشاط من الفاكهة إلى قطع الغيار والاكسسوارات والكماليات. توسع طبيعي ووسط زحام المحلات والعربات والباعة الذين افترشوا الأرض بسوق التوفيقية وجدنا أن هناك محلات متخصصة فى قطع غيار المرسيدس فقط أهمها محلات مهران بشارعى دوبريه والبورصة وحسن عويس وسيد عويس ومحلات كثيرة متخصصة فى المرسيدس فقط، ومن خلال لقاء مع أحد أهم تجار قطع غيار المرسيدس وهو حسن عويس قال إن سوق المرسيدس مازال محتفظا بكيانه رغم إنتشار موديلات وماركات عديدة ونحن هنا نتعامل مع زبون المرسيدس فقط فهو يأتى الينا من القاهرة والمحافظات أيضا لأن أسعارنا فى سوق التوفيقية أقل من أى مكان آخر، سألناه عن إمتداد السوق وتوسعه فقال إن هذا شئ طبيعى نظرا لهبوط سعر السيارات بشكل عام . وأضاف أن هذا الهبوط جعل فئات كثيرة جدا تمتلك سيارات وهو ما أثر إيجابيا على تجار قطع الغيار والكماليات والاكسسوارات وجعلها تجارة منتعشة رغم الكساد الموجود والحقيقة إن هذا التوسع شئ طبيعى لمواكبة السوق .