قد لا تكون كركوك هي المدينة الوحيدة التي تحمل عدة مسميات للتعريف بها، لكنها وهي المعروفة بمدينة القلعة، والذهب الاسود، تنفرد وحدها بين مدن العالم قاطبة بانها مدينة النار الازلية.. تيمناً بتلك البقعة الملتهبة، والاكثر عراقة وشهرة، والتي اندلعت نيرانها للمرة الاولى من تلقاء نفسها، ومنذ عام 550 قبل الميلاد في ارابخا.. البابلية وحتى يومنا هذا، دون ان تفلح الاعاصير والامطار والثلوج والتغيرات الطارئة على الارض، وطيلة 25 قرناً في اطفائها ، فبقيت مشتعلة تلهم الشعراء والفنانين، وتحيل غيوم الشتاء الرمادية الى مساحات قرمزية متحركة في سماء المدينة، وتضفي عليها سحراً يخلب الالباب! لاشك في ان هذه النار العنيدة التي تتحدى الازمان والعصور اوجدت لنفسها طقوساً وحكايات واساطير، وولدت في اذهان الاجيال المتعاقبة معتقدات وتسميات اصبحت جزءاً من تاريخها العريق.. وكانت محور حديثنا مع الباحث عبد العزيز سمين البياتي الذي قال: ـ لقد عجزت عقول الاقدمين عن فك طلاسم النار الازلية، ومعرفة اسرارها والغازها، واستولى المشهد المهيب لها على العقول، واطلقت عليها تسميات .. كالاب المرعد، والاب المدمدم، وبابا كركر ، وازاء ذلك فقد اعتقد الناس انها بقعة مقدسة لا يجوز السكن فيها.. وذهب آخرون إلى انها مرصودة..! ومن الخطورة الدنو منها، فصاروا يتنكبون طريقها، باستثناء فئة كانوا يؤمونها قصد العبادة ويمارسون طقوسهم الدينية بالقرب منها. واضاف: ـ وبهذه النار مرّ الاسكندر المقدوني يوم عاد من معركة اربيللو عام 331 قبل الميلاد، فانبهر بسلطانها وسحر بجمالها الذي شده ، فآثر البقاء بقربها قبل ان يغادرها إلى بابل، حيث مات عام 353 قبل الميلاد. سكين النار ـ ما الذي تختزنه ذاكرتك من أمور غريبة حول هذا المكان..؟ ـ كنت برفقة أحد الوفود الأجنبية التي زارت كركوك في وقت مضى، فادهشتني إحدى السيدات عندما ألحت على ان نؤمن لها زيارة لموقع النار الازلية، وطلبت ان نجلب لها سكيناً صغيرة لتغمرها بالتربة الملتهبة، واكدت ان الأساطير تشير إلى ان امرار هذه المدية على سرة المرأة العاقر سيجلب لها الحمل.. ـ وهل عندك من حكايات أخرى؟ ـ هناك جملة من المعتقدات الشعبية التي وصلت إلينا من العصور المتأخرة، منها اعتقاد الناس بان النار الأزلية مباركة، لانها اتقدت بإرادة الله سبحانه وتعالى. وان أصحاب النذور كانوا قديماً يقيمون الولائم حولها، ويطبخون لحوم النذور على هذه النيران. وكذلك اعتقد آخرون ان الاستحمام في المياه السوداء التي كانت بقربها يمنحهم الصحة ويبرئ السقم ويدفع الشر، فيما كانت العذارى يزرن النار الأزلية ويقمن بحفر تربتها بأحدى أصابعهن، فان اندلعت النار من موضع الحفر، كان ذلك فألاً حسناً يبشرهن بتحقيق الأماني، كما ان أصحاب المواشي والأغنام يطينون بها حلالهم لطرد الشياطين والجن من أجسامها وصيانتها من الأمراض وحمايتها من الحيوانات المفترسة.. وكان هناك ايضاً من يعتقد ان تحت هذه النيران الهائجة كنوزاً دفينة تحرسها «النار» بانتظار صاحبها ليتسلم وديعته! التفسير العلمي ـ ولكن ما تفسير العلم؟ يقول الباحث العلمي محمد رياض اسماعيل الذي يعمل رئيساً للمهندسين في شركة نفط الشمال: ـ ان هذه النيران «بسهولة» ناتجة عن تسرب الغاز من أعماق الأرض من خلال الشقوق والغوالق الموجودة في تركيب الصخور، وانه يحترق حال ملامسته الهواء المشبع بالأوكسجين. واما مبرر وجودها في موقعها الحالي، فلأن طبيعة تكوين الأرض فيها تتسم بالكثير من الغوالق والشقوق مقارنة بغيرها. وعلى أية حال فان النار الأزلية كما يقول الأستاذ عبد العزيز البياتي فرضت شخصيتها الاسطورية على امتداد القرون الماضية، فما وهن عزمها ولا ذبل شبابها ولا خف زئيرها، وستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.