السعف.. رغم انه لا يقي من حر الصيف إلا ان جماله لا يغيب عن ذاكرة علي بن عبيد بن تميم الذي كان يعشق مراقبة النجوم المتلألئة في الليل، ويحب ان يرى الفجر، وهو يبزغ بضيائه الجميلة دون أن تحجبه بنايات الأسمنت الشاهقة. والسعف.. رغم انه لا يحمي من برد الشتاء إلا ان زمانه كان زمان القلوب الدافئة والمتراحمة فيما بينها. هذا ما يؤكده ابن تميم لـ «البيان»، فأيام زمان كما يقول كانت مليئة بالتعب سواء فيما يتعلق بالعمل الشاق الذي كان يفتقر للأدوات الحديثة التي تسهل على الغواصين والصيادين أشغالهم أو فيما يتصل بطبيعة الحياة التي كانت تفتقر لوسائل الراحة وخاصة في البيت. وربما هذا ما يميز تلك الأيام عن يومنا هذا، فكل ما يتوفر اليوم لم يتوفر منه شيء لشباب أيام زمان لتتركهم الحياة في تعب وكد متواصل دون ان يركنوا إلى راحة أو هدوء، فمن يريد ان يعتاش لا يمكن ان يقعده شيء عن الكد والعمل. البيت جدرانه وسقفه من السعف الذي لا يقي من حر الصيف ولا برد الشتاء، كما هو حال الأسمنت اليوم، كل البيوت كانت تبنى من السعف بكل أجزائها، ولم تكن هناك مكيفات تمنع حر الصيف الذي يتسرب إلى البيوت دون ان يجد ما يصده. في الصيف نعاني وفي الشتاء نعاني، يقول: فالفراش أيضا لم يكن كما هو عليه اليوم حيث كان يصنع من الخوص الأمر الذي يزيد المعاناة من أحوال الجو. كانت النساء يحضرن الخوص و (تسفّه) لتصنع منه اللحف والفرش، وهو فراش لا يحمي كثيرا في البرد ولا في الحر أيضا، خاصة داخل بيوت السعف، مما يزيد الطن بلة. اضافة إلى ذلك فإن أهل ذلك الزمان ما كانوا يعرفون النعال ويسيرون المسافات الطويلة في الصيف على حر الرمل وقسوته دون استخدام شيء ينتعلونه، فهل ثمة مشقة بعد هذه المشقة. الانارة لم تكن تتم بواسطة الكهرباء التي انتشرت هذه الأيام، فكل ما كان يفعله الناس ان يحضروا (قوطي) ويضعون فيه الكاز ويشعلون فتيله لتنير المكان، هذا الفنر وحده كان الوسيلة التي تستخدم لانارة البيوت في عتمة الليلة الحالكة. أما اليوم فقد اختلف كل شيء، بنايات الاسمنت الشاهقة والمكيفات، وكذلك الثلاجات التي لم تكن في تلك الأيام لحفظ الطعام اضافة إلى كل ما يعمل بالكهرباء التي لم نكن نعرفها في زماننا والتي سهلت كثيرا على الناس في هذه الأيام وأراحت الناس من المشقة والتعب وقسوة الحياة التي كنا نعيشها. الهواء والنجوم ولكن.. ورغم قسوة السعف إلا ان زمان أول له حلاوته فقد كان يدخل إلينا الهواء العليل وكنا نرى نجوم الليل ونراقب الفجر عندما يبزغ بضيائه الجميل وكان صوت المؤذن يصل إلى كل بيت. ورغم برد السعف والخوص إلا ان قلوب الناس كانت دافئة بما يملأها من ود وتراحم بين الناس، ولم يكن هناك من يحمل الضغينة لأخيه وهذه أمور نفتقدها اليوم في عصر بيوت الاسمنت والكهرباء والراحة حيث لا يسأل الأخ عن أخيه والجار عن جاره، وكل شخص يسير بهمه فقط ولا يسأل سوى عن نفسه. أما العمل فكان شاقا ومتعبا أيضا كما يقول علي بن عبيد بن تميم، فالوسائل المتوفرة الآن لتساعد الصيادين والغواصين في أعمالهم لم تكن تتوفر لصيادي وغواصي زمان. فالجميع كان يعمل شيبا وشبابا سواء في الصيد أو الغوص أو كباعة في أسواق السمك وغيرها من الأعمال البسيطة، ولم يكن هناك ما يشغل الشباب عن أعمالهم مثل اليوم حيث تنتشر الهواتف المحمولة التي تجمعهم بسرعة وتضيع أوقاتهم بما لا يفيد، لكل جيل زمانه، وزماننا زمن التعب والمشقة. ولم تكن في زمانهم خضرة وبرتقال وتفاح فالسمك هو الطعام الرئيسي وعلى الرجل أن يكد حتى يستطيع أن يطعم أهل بيته مما يجود به البحر من رزق سواء من صيد السمك في الشتاء أو مما يحصلون عليه أثناء رحلات الغوص في الصيف. هذا كله في ظل وجود وسائل بسيطة لممارسة هذه الأعمال الأمر الذي يزيد من مشقة الحصول على لقمة العيش رغم توفرها بكثرة فالبحر دائما يجود بما فيه ولكنه بحاجة إلى تعب وعمل متواصل دون كلل أو ملل. الاعتماد على الذات وفي ذات الوقت فلم يكن هناك لدى الناس كما يقول عمال يساعدونهم في أشغالهم وحتى في البيت لم يكن هناك خدما حيث تقوم راعية البيت بكل اشغالها بنفسها، وربما يكون ذلك من ميزات أيام زمان فالطعام تطهوه ربة المنزل بيدها دون مساعدة من أحد. أما عن بركة زمان فيؤكد ابن تميم ان زمان كله بركة حيث كانت أكثر بكثير من اليوم، وكل شيء كان زهيد الثمن، 4 كيلو السمك كانت بروبية واحدة فقط كما يذكر. أما اليوم نرى «كل واحد يضع نيراته في البنك ولا يسأل الرجل عن رفيقه.. الفلوس بتغير النفوس». وعن مخاطر البحر فهي كثيرة وذاكرة علي بن عبيد ما زالت تحتفظ ببعضها وخاصة تلك التي تركت أثرا نتيجة فقد عزيز أو رفيق أو اصابته أو مرضه أثناء رحلات البحر. نزلنا معا في دورة الغطس، هكذا يقول، كان الدور علينا أنا ورفيقي وأثناء بحثنا عن المحار فجأنا اليريور بمهاجمة عنيفة وعندما صعدنا بدا الأمر وكأننا نغوص في بحر من الدم حيث قص اليريور قدم رفيقي الذي لم يستطع الافلات منه وبقي الدم ينشب من القدم الضحية ليظل رفيقي في مرحلة علاج طوال فترة بقائنا في البحر، كان منظر الدم النازف وهو ينتشر في الماء مؤلما كثيرا. رحلات الغوص هذه أحد المخاطر التي يتذكرها جيدا في رحلات الغوص الطويلة وسط بحر لا يرحم عدا عن المخاطرة الرئيسية حيث ينزل الغواص إلى الماء دون (سلندر) أوكسجين فلم يكن متوفرا للغواصين في تلك الأيام، أربعة شهور كان يقضيها الغواصون وسط البحر دون عودة يأخذون معهم ما يكفي من الطعام ويحضر لهم التجار الماء عندما يحضرون بين فترة واخرى. ولكن.. من يمرض يظل هناك ايضا؟ نعم هكذا يجيب ابن تميم، فمن يمرض لا يعود الى اليابسة وكان يعالج على ظهر المحمل وسط البحر حتى يشفى. ومن يموت ايضا لا يعود، يلفه رفاقه بثيابه يعقونه «يرمونه» في البحر! وما يذكره ابن تميم جيدا ايضا تلك الرحلة التي خرج فيها مع تسعة آخرين من رفاقه على متن لنش اثناء احدى رحلات الغوص الطويلة، وعندما وصل اللنش عرض البحر انقلب بمن عليه من ركاب والقاهم في البحر، والورطة ان خمسة منهم لا يعرفون السباحة، فساعد من يسبحون رفاقهم حتى استطاعوا والحمد لله التعلق باللنش الذي يوشك هو الآخر على الغرق، وفجأة ظهر ابوزيد على ظهر محمله قادما لانقاذهم فتعلقوا بالمحمل ونجوا من الغرق والحمد لله جميعهم ذاكرا انه كان يقال في ذلك: ثيب الزيدي وشبانه واظهروهم وسط غبتهم الى يحط العبد ربانه لازم «يطبع» سفينتهم اما المدة التي يقضيها الغواص داخل الماء فهي ايضا مخاطرة في حد ذاتها حيث كانت تصل في كثير من الاحيان الى ثلاث دقائق دون صعود الى المحمل حتى يملأ الغواص سلته من المحار الذي قد يجد فيه اللؤلؤ او قد يحتاج الى المزيد من المحاولات للعثور عليه، ليستمر الامر في عمل متواصل طوال الشهور الاربعة. اربعة شهور كاملة يعيشها الغواصون وسط البحر فحياتهم كاملة يقضونها هناك بحثا عن الرزق، ويمر عليهم شهر الحج وعيد الاضحى دون ان يعودوا الى اليابسة، يؤذن المؤذنون من 100 محمل او اكثر جميعهم يقولون «الله اكبر» بصوت واحد، ويجتمع الغواصون جميعا ويصلون ركعتين صلاة العيد، هكذا كان احتفالهم بعيد الاضحى وسط البحر، اما عيد الصوم فيأتي عليهم وهم على اليابسة. هذا عملهم ويجب ان يقوموا به فلم تكن لديهم ثروة، ورغم قسوة هذا العمل ومشقته لابد منه فالزراعة لم تكن منتشرة بشكل كبير الاعتماد الوحيد كان على البحر وما يجود به من رزق والحياة كان فيها حلوها ومرها فرغم التعب كانت للحياة حلاوتها بالتراحم بين الناس وسؤالهم عن بعضهم والبركة الموجودة في كل شيء. أما مع بداية ظهور النفط فكان أول ما ظهر كما يروي ابن تميم في الكويت والعراق فسافر في الباخرة الى هناك مع من سافروا للبحث عن عمل في تلك الدول التي بدأت تنشأ فيها الاعمال مع ظهور هذه الثروة. الهجرة للعمل فكان الشباب في تلك الفترة يلجأون كثيرا للعمل في تلك الدول وخاصة في اعمال البناء حيث يذكر ابن عبيد انهم عملوا لدى متعهد لاعمال البناء الحكومي براتب 7 ريالات سعودية فقط. ويؤكد ان معيشة تلك الدول التي رأها قبل النفط وبعده كانت افضل بكثير قبل ظهور النفط حيث اختلفت الحياة كثيرا بسبب ظهور هذه الثروة، وظل الشباب يعملون في الدول المجاورة الى ان تم اكتشاف النفط في الامارات فعادوا اليها. ويذكر ان دبي قبل النفط كانت ايضا موقعا تجاريا مهما حيث تعبر منها التجارة والبضائع الى الدول المجاورة. ويؤكد ابن تميم انه رغم كل التغيرات التي طرأت ورغم ما عرفه أهل الجميرا عن قسوة حياة البحر إلا ان البحر يظل دوما الصديق الحميم لأهل تلك المنطقة. وحول الامور التي تميز زمان عن اليوم يقول ان الزواج ايضا كان يسيرا وبسيطا فيما مضى من أيام وفي احدى القصص التي يتذكرها جيدا ان احد قاطني المنطقة اضاع «الليخ» شبك الصيد الذي انجرف مع الخور فذهب خلفه مسافة طويلة بحثا عنه فالتقى هناك رجلا سأله عن حاجته فأخذه الحديث الى امرأة طلقت من زوجها تقطن تلك المنطقة التي اضاع الليخ فيها وكان السائل وليها فاتفقا على ان يتزوجها بخمس وعشرين روبية، فبدل ان يعود بالليخ عاد بزوجته التي بات اليها في نفس اليوم. وهذا هو زمان، كما يقول علي بن عبيد بن تميم، «زمان الحياة حلوة، وقلوب الناس كانت احلى».