.. أراد أحد المسئولين بالدولة أن يلفت نظر المشرفين على معرض للصناعات الوطنية اقيم في احدى العواصم العربية لأهمية الاعلان في الصناعة فقال لهم: بالفعل صناعة جيدة ذات مستوى عال من الجودة، لكن ينقصكم شيء واحد.. ينقصكم الهمبورجر!! تعجب جميع الحضور اذ أن المعرض مخصص للصناعات الكهربائية والمعدات والأثاث ومختلف أنواع التحف، ولا يوجد شبه بين الهمبورجر والمعدات المعروضة، وعندما لاحظ مسئولنا اندهاش الأخوة العرب قال لهم: أعني الاعلان.. جميعنا يعلم أن الهمبورجر مضر بالصحة، وجميعنا يعلم أن قيمته الغذائية معدومة لكننا في الوقت نفسه نلتهمه بشراهة ليس هذا فقط بل نطعم أطفالنا منه ليأكلوه ونحن نتفرج عليهم بسعادة، ترى لماذا هذا كله، انه ببساطة نجاح الاعلان في السيطرة على الذهن، والسيطرة على المعدة والقلب العقل!! .. ولعل ما يهمنا في الامر هو ثبوت صحة جميع التقارير التي تؤكد مخاطر وأضرار الوجبات السريعة وفي مقدمتها الهمبورجر على الصحة العامة، ومن أجل ذلك فان بلاد الهمبورجر أعني «امريكا» تعيش حالياً ضجة كبيرة حول هذا الموضوع، بعد أن قام صحافي امريكي بفضح امبراطورية الوجبات السريعة. وعلى رأسها سلسلة مطاعم شهيرة، اذ كشف في كتاب له عن زيارة سرية ليلية قام بها لأحد مسالخ اللحوم، شاهد أثناءها قذارة وإهمالاً وفوضى دفعته هو وأسرته الى الامتناع عن هذه الأكلات.. وذكر الصحافي اريك شلوسير في كتابه «فاست فود نيشن» اي بلد الوجبات السريعة انه شاهد الدماء تغمر احد المسالخ في حين يقوم العمال بنحر قطعان الماشية، وافراغ احشائها، وتقطيعها وفرم 300 منها في وقت واحد!! وأوضح أن مئات الملايين من الأشخاص يستهلكون الوجبات السريعة دون التفكير حقيقة بما تحتويه، وهم لا يتساءلون الا نادراً حول مصدر هذا الغذاء او كيفية صنعه وما هي نتائجه على الصحة.. كما وصف شلوسير في كتابه المدعم بروايات وشهادات ظروف العمل المريعة في المسالخ ومصانع التجهيز، حيث تنهمك جيوش المهاجرين بمزاولة أعمال مضنية مقابل اجور زهيدة.. كما كشف عن ممارسات بعض الصانعين في مجال هذه الوجبات على الصعيد الصحي، وعلى تأثير ونفوذ لوبي «الفاست فود» داخل الكونجرس الامريكي.. ويأتي هذا الكتاب في وقت حرج جداً لأصحاب مطاعم الوجبات السريعة حيث تزامن نشره مع ظهور شريط فيديو صوره تلفزيون محلي بولاية كاليفورنيا خفية لعاملين في مطبخ للوجبات السريعة وهم يعطسون، ويلعقون أصابعهم، ويعبثون بأنوفهم ويدخنون.. تماما مثل ما كان يفعل عندنا «قوم رفيك» في قهاوي الصنادق أيام زمان، وفي بعض المناطق البعيدة عن الرقابة.. حالياً!! طبعاً هذا الكتاب على ذلك الشريط شكلا صدمة للمواطن الامريكي الذي تؤكد التقارير انه يستهلك اسبوعياً نحو ثلاثة سندويتشات همبورجر. اتضح انها معجونة بمايونيز طبيعي من انوف العاملين!! .. ولعل المفارقة العجيبة تكمن في اتفاق شخصين احدهما ليبي الجنسية والآخر امريكي الجنسية حول قضية من قضايا الدنيا، خاصة ونحن نعلم ما بين البلدين من عداء شديد منذ العدوان الامريكي على ليبيا وحتى محاكمة المقراحي وفحيمه في حادثة تفجير الطائرة فوق لوكيربي.. .. هذا الاتفاق كان حول ضرر مطاعم الوجبات السريعة وقذارتها، حيث سبق الكاتب الليبي مختار خليل المسلاتي الصحافي الامريكي شلوسير صاحب الضجة الحالية على المطاعم في الكتابة عما يدور في تلك المطاعم، وذلك في كتابه الذي صدرت الطبعة الاولى منه في عام 1986 وكان بعنوان «امريكا كما رأيتها».. ويقول المسلاتي في الفصل الرابع عشر الذي كان بعنوان العمل.. حادثة ادهشتني وجعلت لساني ينعقد وقدماي تتسمران على الارض لفترة وجيزة، وهي تتلخص في ان طباخ فترة المساء، وقبل أن يقفل المطعم أبوابه بحوالي نصف ساعة، اعتقد ان الزبائن سيقل مجيئهم، وسوف لن يسأل أحد منهم عن سندويتش شرائح اللحم بالجبن، فما كان منه الا أن قام برمي المتبقي في برميل القمامة، وكنت أقوم بغسل الصحون والقاء بقايا الطعام المخلوط بالمشروبات الغازية والقهوة والشاي فوق تلك الشرائح من اللحم.. وبعد قليل أتى زبون في آخر الليل وطلب سندويتش اللحم بالجبن، ويبدو ان الطباخ رأى ان تحضير اللحم وطهيه قد يأخذ منه بعض الوقت، فتقدم ناحيتي وتركني حتى حانت مني التفاتة للجانب الاخر، والتقط بعض هذه الشرائح من القمامة، لكنني وقبل ان ينتهي من مهمته التفت تجاهه مرة اخرى ورأيته ـ بأم عيني ـ يأخذ الشرائح ويضعها فوق النار لتجفيفها وتسخينها تمهيداً لاعداد الساندويتش حسب طلب الزبون الغافل في الصالة»!! السؤال الذي نطرحه هنا حول المطاعم المنتشرة في أنحاء البلاد هل يا ترى استوردت مثل هذه العادات والممارسات، كما تستورد شرائح اللحم والجبن والدجاج منهم؟ وهل يا ترى تم تدريب العمال في الشركات الرئيسية على مثل هذه التصرفات، خاصة وهم جزء لا يتجزأ من السلسلة العالمية الموجود لـ «الفاست فود»؟!