في مكتب واسع رابض على قمة امبراطورية لم يعد هو الذي يحكمها، يحني الرجل الذي كان يلقب «الكابتن الساخط» فكه بين ركبتيه، ويداه معقودتان على رأسه. تيد ترنر مبهور بالاسلحة النووية وبقدرتها على تدمير الكرة الارضية، حتى بعد انتهاء الحرب الباردة. وفي هذه اللحظة يعرض ترنر احد تمارين الدفاع المدني التي كانت تفرض على تلاميذ المدارس في الخمسينيات: «الانحناء والاختباء». قبل عشر سنوات لم يكن تيد ترنر يختبئ من احد. فلقد كان «صوت الجنوب» ورجل العام على غلاف مجلة «تايم» والقطب المالي الذي حول العالم الى قرية تتفرج على نفسها بتلفزيون الكيبل 24 ساعة في اليوم. اليوم لقبه هو نائب رئيس وكبير مستشاري «شركة امريكا اون لاين تايم ورنر» وهي الشركة العملاقة التي ابتلعت الامبراطورية الاذاعية المرئية التي كانت تحمل اسمه. ذات مرة قال ترنر: «آه، ليتني كنت متواضعاً قليلاً، لأصبحت كاملاً». ولقد تحققت هذه الامنية لترنر في الآونة الاخيرة. معظم الصور واغلفة المجلات المؤطرة على جدران مكتبه في مركز محطة سي ان ان عمرها سنوات، حين لم يكن الشيب يكسو شعرة بعد، ويظهر فيها رجل مختلف، الرجل الذي اضطر للاعتذار لقوله ان المسيحية هي ديانة «الخاسرين». والرجل الذي شبه روبرت مردوخ بهتلر. واليوم، شعر ترنر ابيض والرجل الذي وعد بأن سي ان ان ستبقى على الهواء حتى نهاية الزمن يتكلم اليوم بتعابير غامضة عن نهايته هو، بقوله في مقابلة صحفية: «عمري 62 سنة الآن، انني اقرب من النهاية عن البداية». هذا صوت غريب واقرار بأنه فان من رجل هو صاحب الفضل في تغيير التلفزيون الى الابد وتحويل اطلنطا الى عاصمة الجنوب الامريكي الجديد. وفي اثناء الطريق اصبح ترنر رمزاً للمال والسطوة. ولم يكن واضحاً ايهما يريد اكثر من الاخر. تغير كل ذلك في اواسط التسعينيات حينما اصبح ترنر لاعباً في صفقات دمج الشركات بمليارات الدولارات. وقايض السلطة بالمال مكدسا ثروة قدرت بحوالي 9.1 مليارات دولار في الوقت الذي خسر فيه حكمه على مملكته ـ كذلك فقد سمعته المتفجرة. في خطوته الاولى دمج شركته الاذاعية تيرنر برودكا ستنج سيستم بشركة تايم ورنر العملاقة موافقاً على تسلم دور «الرجل رقم 2» وهو دور غير معهود له، ليصبح بذلك صاحب اكبر نسبة اسهم في اكبر شركة اعلامية وترفيهية في العالم. يقول ريز شونفلد الذي ساعد ترنر على اطلاق سي ان ان عام 1980: «عندما اندمج مع تايم ـ ورنر اعتقد انهم عاملوه بنوع خفي جداً من قلة الاحترام. لقد لبوا رغباته وسخروا منه من وراء ظهره». ثم جاءت شركة امريكا او لاين لتبتلع تايم وورنر كاملة، واصبح ترنر نائبا للرئيس ومستشاراً، او كما يقول البعض مجرد صورة. فهو شاهد دون ان يستطيع عمل شيء الشركة الجديدة وهي تقطع اوصال مملكته وتسرح بعض اقرب اصدقائه من مناصبهم. وجاء اعلان ابتلاع امريكا اون لاين لتايم ورنر بعد يوم فقط من كشف ترنر والممثلة جين فوندا النقاب عن انفصالهما كابرز زوجين في امريكا. شونفلد، الذي نشر مؤخراً كتاباً انتقد فيه شبكة سي ان ان كفكرة جريئة آلت الى الفشل. قال ان ترنر كان يعرف ان حياته ـ المهنية والشخصية ـ بدأت تتعثر في اواخر التسعينيات. واضاف شونفلد: «تيد رجل ذكي جداً. انني واثق تماماً بأنه كان يعرف ماذا يجري وكان مسروراً لوضع حد لهذا، واعتقد انه بدأ يبحث عن حقول اخرى». كان رجلاً ليس لديه شيء يعمل ـ ليعمل اللاشيء بملياراته. يقول البعض: ان الاستماع الى الكلمات وهي تخرج من فم ترنر نفسه اشبه بمشاهدة الماء يخرج من خرطوم الري المحتقن المغلق في حديقة المنزل ـ بتقطع، ودون انسياب متواصل. وعندما تسأله عن دوره في شركة امريكا اون لاين تايم ورنر، يتجمد ترنر ويعقد ذراعيه على ربطة عنقه التي تحمل رسوم مجموعة كبيرة من الاعلام الاجنبية، ويقول بحدة: «لقد تكلمت كفاية عن ذلك». ويرفض حتى استخدام هذا العدد القليل من المفردات عن انتهاء زواجه. وكان شرطه الاول للموافقة على اجراء المقابلة عدم التطرق الى هذا الموضوع. ولكن اسأله فقط عن الاموال التي يتبرع بها ـ مئات الملايين من الدولارات التي تبرع بها لعدد كبير من القضايا خلال السنوات الخمس الماضية ـ حتى يبدأ شلال الكلمات: «انني مهتم بكل شيء على كوكبنا. صحة الجنس البشري، يجب ان يكون لك قلبك ودماغك ورئتاك والكلى. ينبغي ان تنقذ كل شيء لكي تنقذ اي شيء». والفواتير تؤكد انه يفعل ذلك بالضبط، فهو يعطي حوالي 50 مليون دولار سنوياً لمؤسسة ترنر التي تقدم الاموال للعديد من القضايا، من الترويج لضبط الانفجار السكاني الى انقاذ طير نقار الخشب وانقاذ النمس ذي القوائم السوداء. انه يقسم مبلغ المليار دولار الذي تبرع به للأمم المتحدة للتأكد من انفاقه على اربع اولويات ـ النساء والسكان، صحة الاطفال، البيئة، والامن. وفي السنة الماضية اضاف وعداً بتقديم 34 مليون دولار الى الامم المتحدة للمساهمة في سد عجز الحصة الامريكية لميزانية الامم المتحدة للعام 2001. وارفق ترنر تبرعاته بالملايين، «بهدايا» اصغر يقطرها بالمجهر، قياساً مثل مبلغ الـ 500 دولار الذي قدمه لاطفائية بلدة غوردون في نبراسكا التي ساهمت في مكافحة حريق شب في مزرعة للابقار يملكها هناك. ان معظم المحسنين الاثرياء عندهم عدد من القضايا التي يهتمون بها، الا ان لائحة القضايا التي يدعمها ترنر غير عادية، حسب ستاسي بالمر رئيس تحرير صحيفة كرونيكل اوف فيلانثروبي، الذي يقول ان ترنر «منهمك وغارق في الكثير من العواطف، وتبرعاته تعكس ذلك». في الوقت الحاضر، يصب ترنر كل اهتمامه على مناهضة الاسلحة النووية، وهو يمتدح فيلم «13 يوما» الدرامي الذي صنعه كيفن كوستنر عن ازمة الصواريخ الكوبية التي ثارت عندما كان العالم يتأرجح في حافة الابادة التامة. انه شغوف بعبارة «انذار مبكر جداً» العامية التي تشير الى مقدرة بلده على اطلاق اسلحة الدمار الشامل خلال فترة انذار لا تزيد على دقائق قليلة. وقد قال ترنر: «افترضنا ان العالم سيصبح آمناً اكثر عندما انتهت الحرب الباردة. وجل ما حدث ان العالم انتقل الى مشاكل ومسائل اخرى ـ مثل الاقتصاد والانترنت. لقد عشنا مع هذه الاشياء مدة طويلة الى حد اننا اعتدنا عليها. وقد رأيت انه من الضروري ان نعيد قضية الاسلحة النووية الى جدول اعمالنا». وخصص ترنر 250 مليون دولار لانفاقها خلال السنوات الخمس المقبلة على مشاريع الحد من ترسانات الاسلحة النووية ـ منضماً في ذلك الى حملة السناتور سام نان الذي اثنى على ترنر «لتخصيصه طاقته وابداعه وموارده» للمشكلة. ويقول بالمر انه بعد ان انسحب ترنر من بعض مجالات اعماله اصبح لديه وقت اكثر ليصرفه على قضاياه، ويهمنا ان نرى كيف ستكون مرحلته التالية. ويعترف ترنر انه مجرد جزء صغير من العملاق المدعو امريكا اون لاين تايم ورنر وهو يملك ما لا يزيد على 3 في المئة من حصص الشركة. وهو يتحدث عن الثمانينيات ومطلع التسعينيات «عندما كانت سي ان ان تأتمر بأمري». الا ان السيطرة ونزعة التنافس، وهما من ابرز نقاط سمعته، يبقيان مفتاح شخصيته. ففي الوقت نفسه الذي ركز فيه على توزيع ثروته خطرت بباله فكرة دعوة اصحاب مليارات اخرى الى الاقتداء به: «ماذا يمنع تصنيفهم ووضع لائحة باسمائهم على غرار تصنيف رجال الاعمال حسب نجاحهم في مجالات عملهم». ويقول بالمر: «ليست هناك طريقة مباشرة تكافئ حسب العطاء. ترنر بدأ يعرض فكرته على المجلات. والواضح ان روحية التنافس اخذت تتأرجح مجدداً في نفسه». ترنر ترأس لائحة مجلة «فورتشن» لأكبر الاثرياء في العام 1998. وقد اخذت المجلة بعين الاعتبار تبرعه بمليار دولار للأمم المتحدة. كما انه انتقد رائد مايكروسوفت بيل جيتس لعدم اعطائه اكثر، وقال: «ما هي فائدة المال المكدس في البنك؟». الا ان جيتس وزوجته كانا على رأس اللائحة في مطلع هذه السنة، لتبرعهما بمبلغ خمسة مليارات دولار في العام 2000. وجاء ترنر في الترتيب الرابع عشر. وقال ترنر: «بدأت اعطي المال لأنني املك المال. اذا كنت راقصا فانك ترقص. اذا كنت كاتباً تكتب. واذا كان لديك مال كثير تتبرع به». بيتر ارنيت، صديق ترنر الذي راسل شبكة سي ان ان من بغداد خلال حرب الخليج الذي ابلت فيه الشبكة بلاء حسناً في التغطية لاعلامية، والذي استقال اثر توبيخ تلقاه اثر نبأ بث تم سحبه سنة 1998، قال ان الدور الجديد الذي يقوم به ترنر الان يتيح له الكثير من الوقت لتخصيصه لقضاياه «فهو جالس هناك، ولكنه لم يعد داخل هرمية القيادة». ويضيف ارنيت: «عندما تنتظر الى الرجل ترى انه قد عمل الكثير جداً. ان اياً من مجالات عمله يشكل خلفية عظيمة تضاف الى نعوته. ومن يعرف ماذا سيفعل في المستقبل؟». حقاً ماذا سيفعل، هذا اذا فعل؟ تيد ترنر الذي بنى سمعته على توتره الدائم والذي ظل سنوات يطلق الرصاص من فمه ومن دفتر حوالاته دون سابق انذار يتكلم وكأنه اصبح راضياً، في النهاية، عما ابدع. انه غير زاهد بقوله انه يريد ان يخلف تركة عظيمة، ولا يخفي انه يريد ان تضمن له المبالغ التي يتبرع بها بقاء شهرته لعشرات السنين حتى وان كان نفوذ امبراطوريته قد اخذ يتراجع امام ناظريه. يقول ترنر: «انني سعيد تماماً. في افلام الغرب القديمة يمتطي البطل جواده ثم يختفي وراء الافق في الغروب». ويبتسم: «ثم يختفي».