منذ المرة الأولى التي امسكت فيها «المكنسة» في طفولتي ليلاً، أسرعت أمي إلى تنبيهي بضرورة حرق أطراف المكنسة، كي أبعد الشر! وببراءة الأطفال سألتها حينها عن ماهية الربط بين حرق المكنسة والمشاكل، فقالت بهدوء:- هي عاداتنا.. فلا تسألي. حينها بدأت أفكر في كل العادات والمعتقدات المتوارثة، ومدى صحتها.. واليوم ـ وبعد هذه السنوات، ارتأيت أن اكتب موضوعاً عن تلك المعتقدات.. ومدى تأثيرها عند معتقديها.. علني أستعرض من خلالها بعض تلك المعتقدات الخاصة بنا كعراقيين، وبالتخصيص أهالي كربلاء والنجف.. كنت أسمع أمي وهي تتحدث دائماً عن امرأة كانت تسكن بجوارهم لها ثلاث بنات، أسماؤهن (صخلة، نخلة، رخلة).. وكنت أستغرب تلك الأسماء التي أعتبرها بمثابة الظلم بعينه لصاحباتها.. ولكن جواب أمي كان شبه مقنع، حسب المعتقدات السائدة، إذ قالت: -كانت تلك المرأة كلما ولدت طفلاً مات.. لذا نذرت النذور بأن تسمي أطفالها أسماء مخجلة ومضحكة «لو عاش لها أطفال» وفعلت ذلك فعلاً، وعاشت بناتها ذوات الأسماء الغريبة!! ولكن لو أردنا التمعن في حقيقة الأمر لوجدنا ان الله هو الذي يحيي ويميت، وصدفة القدر شاءت أن تعيش هاتيك الفتيات، وأن أسماءهن ليست هي التي خلصتهن من الموت.. والأدهى من ذلك وجود أسماء تسبب الإحراج والتأثر في نفوس أصحابها وتجعلهم يخجلون من ذكر أسمائهم مثل (زبالة، مطشر، حنتوش، واوي.. وغيرها) وهي ذات أثر نفسي كبير لا يفكر فيه الأهل عندما يطلقون تلك الأسماء على أبنائهم. الفقر والرزق من جملة المعتقدات الخاصة ما يخص الفقر وجلب الرزق، فهناك بعض الأفعال التي قد يتهيب الناس من فعلها خوفاً من جلب الفقر، فبمجرد أن يقوم الطفل «بالكنس» في وقت الغروب، نهروه وزجروه، ظناً منهم بأنه يطرد الرزق.. وكذلك إذا أراد شخص تقليم أظافره ليلاً، أو قص شعره، أو حتى فرقعة الأصابع، فينهى أيضاً عن ذلك الفعل لنفس السبب.. دون معرفة أي علاقة لذلك بالرزق.. فكيف تقترن مثل تلك الأفعال بالفقر وهي أفعال عادية لا تضر بشيء.. أما نقيض ذلك فهناك بعض الأشياء التي يظنون أنها تجلب الرزق مثل حك اليد اليسرى، التي تدل على جلب الرزق، فبمجرد أن يقوم شخص ما بحك يد ه اليسرى يخبرونه بأنه سيحصل على رزق ومال وفير.. هذا يحتاج إلى تفكير جيد في الموضوع، فكيف نعتقد ذلك ولا نضع كلمات الله أمام أعيننا وهو الرازق لكل عبد.. ولا يعلم الغيب إلا هو.. قد تحدث مناسبة لأحد الجيران، فيقومون بتوزيع بعض الأطعمة على جيرانهم.. ونجد أن أهلنا يمتنعون عن إرجاع الصحون أو القدور الفارغة إلى أصحابها ليلاً، لأن ذلك يؤدي إلى موت شخص قريب لهم، طالما كان الصحن أو القدر المرجوع فارغاً.. العطاس والمعتقدات وللعطاس نصيب في المعتقدات الشعبية، فمن يعطس أمام شخص يفكر في موضوع ما أو يتكلم في موضوع معين، فيكون دلالة على «الصبر» إن كانت عطسة واحدة، ودلالة على الفرج إن كانت عطستين.. ولو عطس أحد اثناء كلامه أو عطس أحد بين يديه كان هذا دليلا على صدق المتكلم.. ومن الغريب أن يتحكم العطاس في خروج الانسان ودخوله أو صدقه وكذبه أو الفرج والعسر واليسر.. ولو أردنا العودة إلى سنة من سنن رسول الله بين هؤلاء وهي تشميت العاطس، وتعني أن يقول العاطس (الحمد لله) فيشمته الآخرون ويقولون له (يرحمكم الله) فيجيبهم بقوله (يهديكم الله ويصلح بالكم).. وهل ينفع الكاذب لو عطس ألف مرة. قلب الخس معتقد آخر غريب يحرص الناس على الحفاظ عليه والتصديق به، وهو عدم تناول قلب الخس للذي والده على قيد الحياة، لأن تناول قلب الخس قد يؤدي إلى موت الأب ولا يسمح إلا لليتيم بتناول قلب الخس.. ولا ندري إن كان قلب الخس له تأثير على حياة الأب.. جميعنا نعرف بأن «الشب» يستخدم لتصفية الماء، ولكننا لم نعرف بأن للشب فوائد لكشف الحسد، وسبب خوف بعض الأطفال أو الكبار.. وإذا أردنا أن نعرف تلك العلاقة سنجد ذلك من خلال قصة المرأة التي حدثتنا عما صادفته قائلة: -في أحد الأيام أخذ طفلي الصغير يبكي بشدة، ،استمر صراخه حتى منتصف الليل دون أن نعرف سبباً لذلك.. سارعت والدة زوجي (حماتي) إلى وضع قرص من الشب تحت وسادة الطفل، ونام طفلي حتى الصباح.. وفي اليوم التالي أخذت حماتي «الشب» وأحرقته ونادتني قائلة: تعالي لترى حساد ابنك.. ذهبت بالقرب منها لأجد الشب وقد تحول إلى كتلة تشبه العين المنحوتة، وكأن فناناً نحت عيناً على قطعة الشب، فأدركت حماتي بأن عيناً أصابت طفلي، وقالت إننا ما دمنا أحرقنا الشب فأن الحسد سيذهب. وأعيدت التجربة معي عندما كنت أنهض من نومي مفزوعة، وقامت والدتي بوضع الشب تحت رأسي لأجد في الصباح شكل كلب مجسم بعد إحراق الشب.. ولا أدري إن كنت قد تخيلت الشكل أم هو حقيقة شكل هذا الحيوان، وبصراحة فأنا فعلاً أخشى الكلب أكثر من أي حيوان آخر، لأنه طاردني عدة مرات.. ولكن يا ترى هل أن إيماننا وتصديقنا بتلك المعتقدات يجعلنا نتصور حقيقة حدوثها أو أنها فعلاً حدثت؟ معتقدات في إبعاد العين وهي من أهم القضايا التي يحرص الناس على مراعاتها لا على منهج الإسلام، بل للاجتهادات النسائية، فقد اعتاد الكثير من الناس على تعليق (أم السبع عيون) وهي قطعة دائرية من السيراميك زرقاء اللون ومثقبة سبعة ثقوب تدل على فقء عين الحاسد.. أو رأس غزال أو حدوة حصان.. تعلق على واجهات المنازل والمحال التجارية و في السيارات أيضاً.. ومن المعتقدات أيضاً قيام البعض بكسر البيض عند باب الدار، أو استقبال أي شيء جديد يدخل البيت كجهاز كهربائي أو سيارة أو حتى العروس الجديدة بتلطيخ الأطراف بالدم أو البيض، لدفع العين.. وكذلك الدق على الخشب، وهي عادة يهودية الأصل يعتقد أنها تدفع نَفَس الحاسد والعائن لما للأشجار التي جاء منها الخشب من قوة صامدة أمام الزوابع.. والأعاصير والعواصف.. وحسب المعتقدات الشعبية السائدة.. فان الناس في بلادنا يعتقدون ببعض الأشياء التي تجلب الضيوف.. فإذا قام طفل صغير بحمل المكنسة والكنس بها، أو إذا زقزقت العصافير بصوت مرتفع ومستمر، وإذا (طفر) العجين أثناء العجن، أو أحس أحد أفراد البيت (بقرصات) في لسانه، وتسطرت أقداح الماء أو الشاي على خط مستقيم واحد، وأخيراً إذا أدارت القطة ظهرها لأهل البيت، فكل ذلك في المعتقدات دليل على قدوم الضيوف.. الملح وأهميته في المعتقدات الملح مادة نستعملها في الطبخ.. هو الذي يضيف النكهة له، هذا ما عرفناه عن الملح، ولكن أن يدخل الملح في جنس الجنين، وفي قدوم الغائب، فهذا ما لم نسمع عنه إلا في المعتقدات الشعبية. فالمعروف في المعتقد الشعبي بأن الحامل لو أرادت أن تعرف جنس الجنين الذي في بطنها، فإن أحد الأشخاص يقوم بنثر الملح فوق رأسها دون أن تعلم، وينتظر الحركة التي تقوم بها مباشرة بعد نثر الملح.. فلو وضعت أصابع يدها على ذقنها أو منطقة الشاربين أو الأذن كان المولود ولداً.. ولو وضعت يدها على شعرها أو جبينها كانت المولودة أنثى.. والمثير في الأمر أن أكثر من جربوا ذلك تحقق ما جربوه، ولا ندري إن كانت الصدفة تلعب دورها أم أن القدرة الإلهية والإيمان بذلك المعتقد يجعله يتحقق.. أما عن علاقة الملح بعودة الغائب فقد تعود الناس على أن يرشوا الملح في باب الدار إن تأ خر أحد أفراد العائلة بالعودة إلى الدار، وطال انتظاره، فإن رش الملح سيعيدهٌ!!.. وهذا أيضا معتقد شعبي سائد يحرص الناس على الحفاظ عليه واستمراره. لا نستطيع الجزم بأن كل ما ذكرناه، ينفذه ويطبقه الجميع، ولا نستطيع تكذيب كل شيء أو تصديق كل شيء.. ولكن يكفي القول بأن البلاد العربية تحتفظ بالحضارات القديمة، ولكل معتقد أو عادة أو تقليد في أي بلد عربي أصل قديم.. ولحرص العرب على الحفاظ على موروثهم الشعبي فهم حريصون على استمرار وجود تلك المعتقدات.