البسوس التي أشعلت حربا ضروسا بين القبائل العربية جد سيدة متواضعة الى جانب كليوباترة التي رأت أن جيشها، لا يقوى على حرب القطب الأعظم آنئذ وهو الدولة الرومانية، كما أن الولايات المتحدة الآن هي القطب الأعظم، ولذلك شقت الامبراطورية الرومانية لتحارب بعضها البعض. وفي النهاية فشلت الحرب وانتحرت كليوباترة، ولكن حروبها لم تنته بعد، فلقد أثارت حربا في الشهر الماضي، لم تصل الى السلام حتى الآن. ففي أحد المتاحف البريطانية عرضوا بعض آثار كليوباترة في احتفال ما. ولاحظ أحدهم وربما بعضهم أن كليوباترة ليست بالجمال الذي تحدث عنه التاريخ. بل أن هناك بقايا تمثال يظهرها قبيحة. وأعجبت الفكرة بعض العلماء، ويبدو أن العلماء في هذا العصر صاروا ينافسون الاعلاميين، فأصدروا ما يشبه البيان بأن كليوباترا التي تحدث التاريخ عن جمالها وعن سحرها كانت امرأة قبيحة. ولا أظنهم تحدثوا عن أنفها الذي قال عنه بلوتارخ أنه لو كان أقصر قليلا لتغير وجه التاريخ. ولا أظن أنه قيل مثل هذا عن امرأة من قبل ولا من بعد. وبعد هذا البيان بدأت الحرب. طبعا كان قائد الحرب هو الدكتور زاهي حواس المدافع عن الحضارة الفرعونية وما جاورها من حضارات. ولكننا نريد أن نبدأ من مكان آخر. فلقد تساءل البعض كيف تورط هؤلاء العلماء في وضع مقاييس للجمال تعود الى أكثر من ألفي عام. وأذكر أننا جلسنا أمام التلفزيون منذ سنوات لنشاهد فيلما لأجمل نجمات عصرنا مارلين مونرو، وما أن بدأ العرض حتى فوجئنا بعاصفة من الضحكات أطلقها الأولاد الذين لم يصدقوا أن هذه كانت أجمل ممثلات عصرنا. وليس للجمال فقط مقاييس تتغير، بل له زوايا قد تبدو عجيبة. وعندما كنا في الجامعة كان لنا زميلة باهتة هي «أ.أ» وكانت بيضاء نحيلة في عصر السمراوات عندما انقضت الاذاعة تغنى للسمراوات بدءا من عبدالحليم حافظ الى فايدة كامل. ولم تكن تتوقف عندها نظرة. ومع ذلك فلقد كانت «أ.أ» هي أكثر زميلة ارتبط بها زملاء. أحدهم انتحر عندما يأس من تجاوبها معه. وآخر تزوجها لفترة، وضاعت حياته رغم أنه كان من ألمع جيله، وأقابله في الشوارع متسكعا كل بضعة أعوام.. مرة في أثينا ومرة في عمان ومرة في الدار البيضاء ومرات في القاهرة. وفي كل الأحوال لا يفعل شيئا. ويرفض أن يتحدث عن «أ.أ» رغم أنها هاجسه الأول والأخير. وفكرنا ذات مرة في عمل مؤتمر لدراسة حالة «أ.أ» وتأثيرها الخارق على الرجال. وتحمست واحدة من أجمل النساء لهذا المؤتمر، وقيل أن السبب هو أن «أ.أ» خطفت منها الرجل الذي أحبته. فليست مقاييس الجمال أبدية. ولذلك أظن أن أصحابنا العلماء وقعوا في خطأ كبير. والتاريخ كله يفترض أن كليوباترة كانت أنثى غاية في التأثير على الرجال. وقصة كليوباترة تبدأ منذ وقت مبكر، ربما كانت آنئذ دون الخامسة عشرة وكانت الدولة البطلمية في نهايتها. والدولة البطلمية أنشأها بطليموس الأول وكان أحد قادة الاسكندر وفتح الاسكندر العالم ثم مات. ولم يكن من رجاله من يستحق الجلوس مكانه وكان العالم أكبر من قدرات أي شخص فيهم، ولذلك قسموا الامبراطورية وفاز بطليموس بمصر. وحكمها من الاسكندرية التي أنشأها سيده. وكأي دولة أخرى بدأت الدولة البطلمية قوية ثم بدأت تدخل في الاضمحلال. وكانت الدولة اليونانية نفسها قد تضاءلت وأصبحت الدولة الرومان هي القوة العظمى. وأتى يوليوس قيصر الى مصر في القرن الأول قبل الميلاد مطاردا عدوه بومبي. ورأى كليوباترة الصبية ووقع في غرامها. وبعدها غادر الى آسيا الصغرى في حرب خاطفة قال بعدها: جئت. رأيت. انتصرت. وهي الكلمات التي صارت مثلا فيما بعد. وليست هذه فقط هي الكلمات المأثورة عنه فمن أشهر ما قال: حتى أنت يا بروتس! ذلك أن قيصر كان شخصية تاريخية هائلة ولذلك خاف الرومان أن يتحول من قنصل يقتسم الحكم الى ملك، خاصة بعد انجازاته العسكرية والشعبية. حقا أن قيصر رفض التاج في السناتو، لكن الجميع كانوا يعرفون أنه راغب فيه. واجتمع بعض النبلاء وأعضاء السناتو وقتلوا قيصر تحت تمثال عدوه القديم بومبي. وصدم قيصر عندما رأى بروتس بينهم. وقيل وما أكثر شائعات التاريخ أنه كان إبنا غير شرعى له! وبعد مصرع قيصر فاز بالحكم اثنان من رجاله هما أكتافيدى وأنكونيوس. أما الجناة فلقد خسروا معاركهم. وتزوج أنطونيو من جميلة اسمها فويفيا. وهي قصة فيها من عداس الدراما الكثير، ولكن للكتاب فيما يعشقون مذاهب. فلم يهتم بها أحد. وكان أنطونيو قد تزوج مرتين قبل فويفيا وهي أيضا كانت قد تزوجت مرتين قبله. وكانت امرأة حديدية استطاعت أن تسك صورتها على العملة مع أنطونيو. ولما عشق زوجها كليوباترة تآمرت لانقاذه وأعلنت حربا ضد أكتافيو.. ولكن أنطونيو الذي كان قد غرق في حرب كليوباترة أساء معاملة الزوجة، فانهارت وماتت. ورغم حبه إلا أنه تزوج من أوكتافيا أخت قيصر زميله في حكم الامبراطورية وعدوه فيما بعد. وكانت أوكتافيا أصغر سنا من كليوباترة وربما كانت أجمل منها. ولكن أنطونيو سارع بالعودة الى حبه العارم. وليس لدينا ما يثبت أن كليوباترة فكرت في اقتسام العالم مع روما، لكن سلوكها أكد ذلك. ولقد نشبت الحرب بين مصر وروما. ليس مهما من بدأها وقاد أنطونيو أسطوله ضد الأسطول الروماني في أكيتوم. وعندما أدركت كليوباترة أن أنطونيو قد لا ينتصر سحبت أسطولها من المعركة وكان يتكون من ستين سفينة وهو رقم ضخم في هذا الوقت. لماذا سحبت كليوباترة أسطولها؟ قيل أنها لم تكن تحب أنطونيو كما أحبها. وقيل أنها أرادت المحافظة على أسطولها لحربها الخاصة. ولم تدرك كليوباترة أنها بفشل أنطونيو قد خسرت مشروعها في الاستقلال بالشرق. وجاء أكتافيو الى مصر في أغسطس عام 30 قبل الميلاد ولم يجد أنطونيو وسيلة لمواجهة الموقف سوى أن ينتحر. وقيل أن كليوباترة انتحرت أيضا وحول هذا نسجت الروايات عبر ألفي عام. ولكن قيل أيضا أن أكتافيو قتلها وابنها ليضمن عدم تمرد مصر على الامبراطورية. ومما يقال وما أكثر ما قيل أن كليوباترة عندما تخلت عن أنطونيو كانت تدرك أن أكتافيو سيركع تحت قدميها. ولما أدركت أنه لن يفعل انتحرت. وعن هذه المأساة كتب بلونارفوس المؤرخ الروماني وكتب عدد كبير من الكتاب أشهرهم شكسبير وبرناردشو وكتب أحمد شوقي مسرحيته «مصرع كليوباترة». ولم يكن لدى مانع أن أقتنع أن كليوباترة كانت قبيحة كما قال علماء بريطانيا. لكن تاريخها ينفي هذا بشدة. وما زال أنف كليوباترا شامخا رغم أنوف علماء الآثار في بريطانيا.