بين عامي 1992 و1995، تعرضت مدينة سراييفو، العاصمة البوسنية، لأبشع حصار يمكن أن يتصوره إنسان. كانت آلاف القذائف والصواريخ تنقض بلا رحمة على المدينة لتحيل أبنيتها الجميلة التاريخية لأنقاض ولتدفن تحتها كل يوم وكل ساعة المزيد من سكانها وسكان المدن والقرى المجاورة الذين لجأوا إليها. وكأنما لم تكن الفظائع التي كانت المدينة تتعرض إليها تكفي، فتتسرب أخبار عمليات القتل الجماعية المنهجية التي كان الصرب يرتكبونها بحق المسلمين، حيثما طالتهم أيدي الغدر، وقصص جلسات التعذيب التي كان الجلادون من أعداء البشرية يقومون بها متلذذين ومهرجانات الاغتصاب التي تقام في كل مكان، لتزيد عذاب الناس ومعاناتهم. ولعل أسوأ ما في الأمر ان كل ذلك كان يتم تحت انظار أوروبا التي قررت نفض يديها من الموضوع وإغماض عينيها عن كل ذلك، متظاهرة بالعجز عن فعل شيء احياناً او زاعمة أنها تفعل كل شيء بوسعها لايقاف عمليات التقتيل البشعة. ولربما لو أن اهل سراييفو لم يقاتلوا كما قاتلوا، ولم يصمدوا كما صمدوا، لانتهت المدينة، ومحيت عن سطح الأرض، ولأصبحت مجرد ذكرى، يتغنى بقية مسلمي العالم ببطولتها وشجاعتها، مثلما هم يفعلون بالنسبة لبقية المدن التي فقدوها أمام تيار الحقد والكراهية. أهمية هذه اليوميات التي يضمها الكتاب الذي نناقشه هنا تكمن في أن كلماتها تتدفق مثل دموع العذارى والأطفال وهم يساقون إلى مسالخ جلاديهم، وأنها تحمل بين ثناياها أصوات الانفجارات الحاقدة الممتزجة بالصراخ والعويل. إنها تعيد تذكيرنا بمثل قسوة طعنة خنجر ليس بالأحداث فحسب، وجلها لا يزال ماثلاً أمام أعيننا، بل بالموقف الأوروبي البشع الذي تعيد أوروبا تمثيله تحت ناظرينا مرة بعد أخرى، معتمدة في كل مرة على ضعف ذاكرتنا وعلى قدرتنا الفائقة على المسامحة والتسامح والنسيان، اهميته انه يدفع المرء الى الوقوف ليس عند الأطلال، بل للدعوة الى حساب الذات، وقبل كل شيء للتساؤل: أين نحن من أولئك الذين وصلوا سور الصين شرقاً وأبواب باريس غرباً؟ هذه اليوميات التي تحملها 370 صفحة، وضع فيها كاتبها وحيد جونيتش شيئاً من روحه كيف لا وقد عايش الحصار يوماً بعد يوم، وشاهد أهله وأصدقاءه ومعارفه وجيرانه يتساقطون تحت وطأة القصف الصربي والجوع من جهة، والتجاهل الأوروبي من جهة أخرى. وكأن كل ذلك لم يكن كافياً، فإذا به في أواخر أيام الحصار يفقد رفيقة عمره ودربه، الزوجة المحبة الوفية، فاطمة، التي صرعتها قنبلة هي وعدد من تلامذتها، بينما كانت تواصل القيام بمهنتها النبيلة دونما توقف تحت اقسى الظروف التي يمكن لإنسان ان يعرفها. وكان وحيد جونيتش من الشخصيات المعروفة والمرموقة في البوسنة، حيث عمل حوالي ثلاثة عقود صحافياً ومذيعاً ومؤلفاً له اكثر من20 كتاباً تدور حول دراسات أدبية وشعرية وأدب الرحلات لكن الشيء المشترك في جميع كتاباته وكتبه هو حبه غير المحدود لوطنه الجميل. وهو يسعى في هذا الكتابـ اليوميات لأن يكشف مواقف أوروبا الهزيلة والبعيدة تماماً عن تحمل المسئولية، ووقف المذابح المنظمة التي كانت تتم كل يوم وسنبتعد في مناقشة الكتاب عن سرد الأحداث بتواريخها، مع التركيز على المواقف المؤثرة او الغائبة فقط. معنى الخوف في العشرين من مايو 1992 كان قد مر شهر ونصف على بدء قصف سراييفو بمختلف أنواع الأسلحة الفردية والمدفعية القصف لا يكاد يهدأ، ويجلب معه على الدوام رائحة الموت والنار. كثيرون يسقطون هنا وهناك، والخراب يتوزع على كل أحياء المدينة، فيما الحرائق أكثر من أن تحصى. الخبر الوحيد المريح الذي استمعنا إليه خلال هذ الفترة هو استيلاء مقاتلينا على مقادير من الأسلحة والذخائر واجهزة الاتصال من قيادة قوات الدفاع البلدية الاقليمية في توزلا وسيربرينتشا ولوكافاك. اليوم أيضاً تمكنت من إيصال التيار الكهربائي لوقت قليل. كنت آمل أن تتمكن فاطمة، زوجتي، من أن تنسى خوفها قليلاً، وهي تتفرج على التلفزيون. لكن هيهات. «سوف أخرج من هذا الجحر، حتى لو قتلوني. لا شيء يمكن أن يكون أسوأ من هذا الجحيم هنا» قال ذلك وانطلقت خارجة من البرج السكني الذي كنا نقطنه. كيف يمكن أن ألومها؟ الصربيون لا يبعدون عن بنايتنا أكثر من مئة متر، وهم يحاولون باستمرار احتلال متر اضافي، لكن شجاعة مقاتلينا وأسلحتهم الخفيفة كانت تردهم على أعقابهم ليس لدى هؤلاء المقاتلين مدفعية من اي نوع كنا نسمع كل انفجار مرتين، الاولى لحظة انطلاق القذيفة من المدفع المعادي القريب، والثانية لحظة اصابتها بنايتنا التي كانت تعترض طريق معظم القذائف لم تكن زوجتي فاطمة خائفة من تدمير البيت الذي حصلنا عليه بالكثير من التعب والعرق فقط، بل كانت خائفة على نفسها، وخائفة علي، كانت تخاف من أن تصاب بعجز دائم، من الموت، وليس من موتهاهي فقط، بل من موت اي كان: أنا، الأصدقاء، الجيران، المعارف. كنا قد رأينا الموت ولمسناه لمس اليد. شاهدنا كيف يختطف الشبان المدافعون عن المدينة من دون شفقة، سمعنا عدداً من اولئك المدافعين وهم يرددون: أموت فداء للبوسنة والهرسك، بعد أن أصابتهم قذائف الغدر. فاطمة شاهدت أشلاء جارتنا منيرة التي أصيبت بقذيفة لأنها أخطأت وفتحت باب الثلاجة من دون أن تخفي نورها. وشاهدت زوجة شقيق منيرة التي جازفت بالخروج مع طفلتها بحثاً عن شيء تشتريه لتسد رمق أطفالها، فانتهت في كرسي متحرك بعد أن بترت قذيفة ساقيها. وشاهدت شقيق منيرة الأخر وقد هشمت رصاصة دمدم جمجمته على بعد متر واحد من مدخل البناية بينما كان عائداً يحمل بعض الخبز الذي اشتراه. كانت الاخبار السيئة تصلنا على مدار الساعة جارنا في شقة مقابلة قضى بنوبة قلبية قبل ثلاثة ايام، عندما شاهد صاروخا ينفجر تحت شرفته، ويمزق شخصاً محولاً اياه لأشلاء الأمر المحزن ان احداً لم يكن يستطيع ان يودع احباءه من الضحايا الوداع الأخير بسبب ضراوة القصف ولذا كانت معظم الجنازات تقتصر على شخص واحد يحمل القتيل ويحفر القبر ويواريه فيه ويسارع في العودة للملجأ. أي رعب ذاقه كل واحد من سكان سراييفو؟ أي أسى وحزن تعرض له وهو يرى النيران تلتهم ما قضى عمره في جمعه؟ أي قهر كان يأكل فؤاده وهو يسمع أخبار مقتل أفراد عائلته على بعد أمتار عنه دون أن يستطيع عمل شيء لحمايتهم أو لوداعهم؟ ذكرى تيتو 25 مايو يعد الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الكبير جوزيف بروز تيتو. لقد نجح تيتو في إنشاء واحد من أقوى جيوش أوروبا. وفي أواخر السبعينيات أدرك بفضل حكمته السياسية ومعرفته الدقيقة بأهوال المستنقع البلقاني أنه أخذ يفقد تدريجياً السيطرة على الجيش بسبب عنصرية الأكثرية الصربية، فأمر بإنشاء قوات الدفاع الإقليمية. كانت نيته أن يقوم بتسليح الشعب ليتمكن الناس من الدفاع عن أنفسهم ضد الشر الذي أحس بأنه على الأبواب. اعتقد ان الكثير من البوسنيين لا يفهمون تيتو اليوم مثلما أساء الكرواتيون فهمه آنذاك. بدأت الأخبار تصل من بلدة كوزاراك، مسقط رأسي. البلدة محاصرة كلياً، والسكان يدافعون بسبعين بندقية وعدد من أسلحة الصيد. هل أعتبر المعركة محسومة سلفاً؟ ماذا سيحدث لأختي وأخي وابني أمير، لأبناء عمي ولأقربائي؟ سيمر أكثر من أسبوع قبل أن تصلنا أخبار سقوط البلدة تدميرها بالكامل. كل أقربائي انتهوا في معسكرات الاعتقال، ولا أخبار عنهم. في 28 يونيو تنازل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وزار سراييفو التي احتفت به واعتبرته مواطن شرف. لكننا لم نكتشف على الفور أن زيارته لم تكن إلا محاولة نجحت في منع اتخاذ قرار بالتدخل العسكري ضد المعتدين الصرب. وكان لنتيجة ذلك التدخل مزيد من المعاناة والتدمير والموت. وفي 12 يوليو شن الصرب هجوماً شاملاً على جورازده مستخدمين الدبابات والمدرعات والمدفعية، وغير عابئين بوجود آلاف عدة من المدنيين الصرب يعيشون آمنين بين السكان. ومن سخرية القدر أن دولاً أوروبية عدة أرسلت اليوم إلى البحر الأدرياتيكي سفنا لتقصي كيفية استمرار تدفق النفط إلى صربيا على الرغم من الحظر المفروض على ذلك. المضحك المبكي أن رومانيا أعلنت من جانبها ان سفنها ايضاً تشارك في هذا الجهد، وكأنها غير عالمة ولا علاقة لها بالنفط المهرب الى صربيا! اما الطائرات الروسية التي لا يتوقف هبوطها وإقلاعها في مطار بلجراد فهي تجلب للصرب كل ما يحتاجونه، تحت سمع وبصر أوروبا. في 31 يوليولا وقف وزير خارجية النمسا ألواز موك يتحدث أمام المؤتمر الدولي الخاص باللاجئين في يوغسلافيا السابقة، وقال إن الضغوط التي يتعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك لإجبارهم على مغادرة بلادهم تفوق ما تعرض له السود في جنوب أفريقيا. أعضاء الوفد الألماني المشاركون غادروا قاعة المؤتمر قبل أن ينهي موك كلامه! لا شك أن هذه الحرب، مثل أي حرب أخرى، قد أنتجت الصالح والطالح. وكان من بين هؤلاء الطالحين يوكا برازينا الذي تولى قيادة جانب مهم من عمليات الدفاع عن المدينة. لكن سلطته أصابته بالغرور الشديد، فصار اضطهاد الناس عنده من أبسط الأمور، وكان لا ينفك يصادر الممتلكات الشخصية لمصلحته، ولا يتنقل سوى بسيارات المرسيدس. وقد سألته ذات مرة عما إذا كان صحيحاً ان الصرب يخشونه كثيراً فأكد لي ذلك، واراد اثبات قوله، فاتصل باللاسلكي بأحد القادة الصرب في الجبهة وخاطبه آمراً: انا فلان. أريد غداً ألف كيلو من لحم العجل الخالي من الدهن، وعشر بطيخات وخمسا من ثمار الشمام العسلي. وسمعت القائد الصربي يعده باحضارها في الوقت المحدد. وقد فسر لي ذلك رؤيتي له وهو يلتهم قطع لحم العجل أمامي، في الوقت الذي نسيت انا ومعظم سكان المدينة متى تذوقنا اللحم آخر مرة. في 28 أغسطس اختتم مؤتمر لندن الخاص بالبوسنة والهرسك بتوجيه إنذار أخير ونهائي (كم إنذار أخير ونهائي سبقه؟) للصرب بسحب أسلحتهم الثقيلة المحيطة بسراييفو ووضعها تحت إشراف القوات الدولية، خلال 96 ساعة،كما دعا لسرعة عودة اللاجئين والمهجرين إلى بيوتهم. ولعل الأمر الذي يشيع الأمل في النفوس هو أن المدافعين الأبطال عن جورازده نجحوا بعد مئة يوم من الحصار بكسر حلقاته وهزيمة القوات المحاصرة. وفي 11 سبتمبر فرض مجلس الأمن بعض العقوبات على صربيا. لكن من سينفذها، ومن سيشرف على تنفيذها؟ الغالب أنهم هم أنفسهم الذين يقومون اليوم بانتهاك العقوبات والذين سينتهكونه مستقبلاً. النفاق بأجلى صوره في 10 أكتوبر أقر مؤتمر جنيف الأوروبي أن تكون سراييفو منزوعة السلاح (!!) ودعا لاستمرار البحث في الوضع الدستوري للبوسنة والهرسك، وذلك بعد 9 أيام فقط من كلمة رئيس الدولة، علي عزت بيجوفيتش أمام الأمم المتحدة للمرة الأولى كرئيس للبوسنة والهرسك، اليوم علمت أيضاً أن يوكا برازينا فر من البلاد إلى جهة مجهولة حاملاً معه أموالاً طائلة. ترى، من أين جمعها؟ في 9 نوفمبر سيصدر أمر باعتقاله بعد ان ثبت انه فر للاحتماء بأعدائه السابقين وأنه اصبح من كبار المستثمرين في تجارة المخدرات. تعرضت بعض أحياء سراييفو للقصف اليوم أيضاً. من أين جاءت المدفعية؟ ألم تنته الساعات الـ 96 التي كانت موضع الإنذار الأخير الذي وجه للصربيين قبل 43 يوماً؟؟ في 21 أكتوبر تم تخفيض الدينار البوسني مرة أخرى. أصبح سعره الرسمي 550 دينارا للمارك الألماني الواحد. هذا يعني أن معاشي الشهري أصبح يعادل ماركين اثنين فقط، وفي 2 ديسمبر سمعنا أن الدول الإسلامية وجهت في ختام مؤتمرها الذي انعقد في جدة تحذيراً للأمم المتحدة بأنه اذا لم يوضع حد لسفك الدماء في البوسنة بحلول منتصف يناير، فهي في حل من التدخل بأي طريقة تراها مناسبة لتحقيق ذلك. وفي 7 ديسمبر أشارت أحدث الإحصاءات إلى أن عدد ضحايا العدوان الصربي على البوسنة والهرسك بلغ 128553 قتيلاً بينهم 7579 في سراييفو، و134132 جريحاً بينهم 45179 في سراييفو. تُرى، هل سينتهي هذا العدوان؟ هل بنية أحد العمل بصدق نحو ذلك؟ لقد سقطت أوتيس أول أمس بيد النازيين الذين ألقوا عليها أكثر من 2000 قذيفة مدفع واستخدموا الغازات السامة، ألا ترى القوات الدولية ذلك؟ وهل لا تشعر أوروبا بما يحدث فعلاً؟ أين القرارات الأوروبية والدولية؟؟ قواتنا أخذت تتحول للهجوم في بعض المواقع رغم ندرة الذخائر والأسلحة. في 9 ديسمبر نجحت باحتلال ثلث السوق والمرتفع 850 المطلين على سراييفو، أبعدت بذلك خطر الحصار قليلاً الى الوراء. اليوم، في 15 يناير انتهى أجل إنذار الدول الإسلامية. تعرضت سراييفو للقصف المدفعي مجدداً وسقط العديد من الضحايا. على الرغم من كل شيء، تواصل مظاهر الحياة بالعودة للمدينة التي رفضت أن تموت. الكهرباء تعود ببطء، والمياه كذلك، رغم القصف والموارد الشحيحة. والقصف الصربي للمدينة يتواصل يومياً بنفس المدفعية التي أمرت أوروبا والعالم الصرب بسحبها ووضعها في مستودعات القوات الدولية. حق البكاء لقد أصبح واضحاً أن المباحثات التي بدأت في الولايات المتحدة بعد تولي الرئيس الجديد كلينتون السلطة بين ممثلي الأطراف الثلاثة في يوغوسلافيا السابقة تحتاج لتضحيات من أجل الوصول بها إلى نتيجة. ومن يجب عليه تقديم التضحيات غير المسلمين؟ الهجمات تشتد على كل مدن وقرى البوسنة والهرسك، فيما مجلس الأمن يصدر قراراً إثر قرار دون أن ينفذ أي منها، وقادة العسكريين الصرب يتبجحون: حتى الناتو لا يستطيع هزيمتنا. نحن لنا حلفاء كثيرون وهم مستعدون لدعمنا باستمرار وحتى للقتال دفاعاً عنا. أما نحن؟ المساجد تتعرض بصورة خاصة للتدمير. وهي الهدف الأول عند سقوط أي بلدة أو قرية تحت يد المعتدين. المساجد تنسف، والعالم يقف متفرجاً مكتوف الأيدي، لماذا؟ البيان الأخير الذي صدر في 22 مايو عن اجتماع وزراء خارجية أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا أثار موجة استياء لدى الناس. يبدو أن نية العالم تتجه لتكديس مسلمي البوسنة في مناطق آمنة لا تختلف كثيراً عن جيتوات اليهود. وبتعبير آخر، هي معسكرات اعتقال بدون أصفاد. ومجلس الأمن لا يلبث أن يتخذ قراراً بنفس المعنى تحت رقم 836. سيتعب الاوروبيون، وخصوصاً الفرنسيين كثيراً لاقناعنا بقبوله. على الرغم من كل شيء، قواتنا تنتقل في حالات عديدة إلى الهجوم وتقوم بتحرير المزيد من المواقع التي احتلها المعتدون. وهؤلاء يردون بقصف مركز على سراييفو وغيرها يستمر أياماً طويلة تحت أنظار الأمم المتحدة التي كانت طائراتها تنقل متثاقلة إمدادات غذائية وطبية للمدينة. لكن المدينة، رغم الإمدادات الدولية، تعاني من انقطاع الكهرباء والماء والحرمان حتى من الخبز يبدو ان اوضاعنا كانت أفضل بكثير قبل الدعم الدولي. وذلك الدعم يثير الحيرة فعلاً فمجلس الأمن رفض في 28 يونيو اجازة قرار اقترحته دول عدم الانحياز والدول الاسلامية بالغاء حظر الأسلحة على البوسنة والهرسك، وافقت على القرار 6 دول بينها امريكا، بينما كان يحتاج لتسعة اصوات. اليوم هو أسوأ أيام حياتي وأشدها ظلاماً. اليوم خسرت زوجتي، حبيبتي فاطمة ذات العينين الخضراوين، أجمل وردة في حياتي، الشمعة التي أضاءت الليالي السوداء. قتلها المجرمون بطلقة مدفعية أصابت مدرستها فأودت بحياتها هي وثلاث من تلميذاتها الصبايا. أي حزن يجتاح قلبي. كل الآمال التي كانت قد بدأت تنتعش في نفسي بمستقبل البوسنة تلاشت فجأة. كيف سأعيش بعدها؟ لست أدري. ولعل أبلغ رسالة عزاء جاءتني من احد تلامذتها الصبيان يقول فيها: «اليوم أدركت، بعدما رأيت مدرستي الحبيبة تموت أمامي ان للصبيان أيضاً الحق في البكاء».