علاقة زوجي مجنون. نعم هكذا دون مقدمات أو مؤخرات. مجنون حرفياً. لم يلتفت يوما ما إلى البيت والأولاد والطعام والشراب ، لم يلتفت يوما لتربية الأطفال أو لمرضهم أو لتعليمهم. لم يكن يهتم بشيء ما سوى بالطعام وبي أنا شخصياً. في كل يوم يصحو مع تباشير الصباح ليطلب القهوة والفطور والدخان وفي الظهيرة يُجن جنونه إن لم يجد الطعام جاهزاً، وفي المساء يفتح معي التحقيق من أوسع أبوابه عن كيفية قضائي للوقت في غيابه. مجنون. لا يكتفي بكوني الأجمل والألطف والأكثر تنازلاّ في المعارك التي تدور بيننا بل يحاول في كل مناسبة أن يهينني وأن يبرز أنه الأكثر فهماً وعلماً وثقافة. فأنا في رأيه لا أفهم بالسياسة ولا يستطيع احتمال فكرة أن أتطرق اليها حتى في غيابه. وأنا لا أفهم بتربية الأولاد أو في ترتيب المنزل أو تنسيق الزهور. يعتقد بأنني لا أتقن شيئا سوى الثرثرة والذهاب الى الكوافير. إنه مجنون. تركته اليوم عابساً في المساء كعادته وخرجت من البيت. ذهبت الى الكوافير. وحين جاء دوري، جلست إلى الكرسي. رفعت رأسي، أملته للوراء قليلا. أغمضت عيني واسترخيت. تسلّل الماء الدافيء الى خصلات شعري. وضع الصبي قليلا من الشامبو في كفه ثم مسح شعري به. ومد أصابع كفيه بين الخصلات وبدأ يفركها بانسيابية وبشدة خفيفة، من الأعلى للأسفل ، في مساج خفيف. لم يترك جزءا صغيرا من رأسي إلا وامتدت أصابعه اليه لينظفه. كم هو رائع شعوري. وحين انتهى من ذلك صبّ الماء الدافيء على شعري وتغلغلت أصابعه بين الخصلات ثانية لتشطفها. ما أجمل شعوري في تلك اللحظة. لقد نسيت زوجي لدقائق.. هاتف قرعَ جرسُ الهاتف، فتناولت السمّاعة بتأفف. لم تكن لديّ رغبة في الإجابة على أي مكالمة. كنت أشعر بظلّ السماء يثقل كاهلي!! كنت أشعر باكتئاب حادّ وبضرورة وجود نافذة ما أستنشق منها الهواء.. كنت أشعر بالاختناق!! ومن ناحية أخرى كنت منسجمة جداً في كتابة التقرير الذي طلبه المدير بصفة مستعجلة وهامّة. جاءني صوته يقول مرحباً، هذه أول مرة تسمعين فيها صوتي على الهاتف. ارتعشتُ من رأسي حتى أخمص قدميّ. تابع كلامه: أين أنت؟ لماذا رفضتِ دعوتي لتناول فنجان من القهوة؟ سألته باستغراب: أنا؟؟ قال: نعم، أنتِ. ألسْتِ أنت (رندة)؟ أجبته: نعم. قال: إذن، لماذا لم تقبلي دعوتي لتناول القهوة سوياً؟ قلت له: ولكنني لا أذكر شيئاً عن ذلك. أعتقد أنني لا أعرفك. لطفاً من المتكلم؟ لم يجب على سؤالي، بل عاد ليسألني: أحقاً لم تعرفيني؟ ما بك؟ لماذا يبدو عليك الارتباك؟ ماذا أصابك؟ كان صوته يأتيني عبر سماعة الهاتف بنبرة قد تكون مقصودة. نبرة فيها قوة ورعشة خفيفة. حاولت أن أداري توتري وقلقي. قلت له: يبدو أنها الأنفلونزا! كنت أتحدّث وأنا أفكر بسرعة. هل مررْتُ على أحدهم يوم أمس أو أول أمس؟ هل رفضت دعوة على فنجان قهوة؟ لا، لا أذكر ذلك. فأنا لم تُوجه لي مثل هذه الدعوة منذ سنوات. من هو إذن؟ هل هو أحد الأقارب أو أحد الأصدقاء القدامى يمازحني؟ ولكن صوته ليس مألوفاً لديّ، وهو صوتٌ رخيم، أخّاذ وساحر. من هذا الشخص إذن؟ ما بالك تصمتين؟ لماذا أنت مرتبكة؟ ألست أنت (رندة)؟ بلى، أسمي رندة، ولكنني لا أذكر شيئا مما تقول الجاردنز؟ المحل؟ طقم الأقلام؟ هل تذكرت الآن؟ نسيت أن أشكرك على الأقلام. العفو. لا توجد مشكلة، ولا داعي للشك. إذن، لقد عرفتِ الآن من أنا؟ أهٍ منك.. طيب حبيبتي وما بالك مرتبكة؟ لست مرتبكة، ولكنني مشغولة بعض الشيء بالأوراق التي أمامي، ولهذا يبدو أنني لا أستطيع التركيز معك. طيب حبيبتي، إذا كنت مشغولة سوف أهاتفك بعد قليل ريثما أغسل وجهي وأرتب أموري هنا في المحل، تكونين قد أنجزت بعض أعمالك! حسنٌ أجبته وأنا مصعوقة. لم يكن من السهل أبداً إزاحة سماعة الهاتف عن أذني أو إبعاد صوته الرخيم عن جسدي، ولكن كان يجب أن أفعل ذلك. أغلقت سماعة الهاتف وأنا أرتعش. حصرتُ كل تفكيري في المسألة وتأكدت بأنني لم ألتق بأحد مؤخراً، ولم أقدم أقلاماً كهدية لأحدهم. ليس هناك مجال للشكّ بأن إحدى زميلاتي تحمل الاسم نفسه، وهي المعنية بهذه المكالمة. لم أكن أعرف ماذا سأفعل؟ قد تكون علاقة مشبوهة بين طرفين، ووجدتني أتأرجح في المنتصف ما بينهما. أجريتُ بعض الاتصالات، وتأكدت من وجود 3 فتيات يعملن في المجال نفسه ويحملن الاسم نفسه. حصلت على أرقام هواتفهن، وعرفت أين توجد كل منهن. لن أتيح له المجال أبداً للعبث معي أو بي. سوف أوضّح له الأمر وأنهِ المسألة.. دقائق وإذ به يتصل وبأسرع مما توقعت. مرحبا أهلاً هل أنت مشغولة؟ نعم بعض الشيء قال: أتصل فيما بعد قلت له: لا بأس، يمكننا أن ننهي المكالمة الآن. لقد تأكدت بأنني لست المعنية بمكالمتك، فهناك تشابه بالأسماء، واستطعت أن أحصر لك ثلاثة أسماء تشبه أسمي، يعملن في المجال نفسه. صُعق من هذه المعلومات، وبدا الارتباك والتردد على صوته. وسأل: أحقاً ما تقولين؟ ربّاه ما هذا الموقف! خلص. لا أريد أن أعرف شيئاً. ما هذا الحظ؟ لقد أسرْتِني برقتك وعذوبتك. أنا آسف على الإزعاج، ولكنني سعيد جداً لسماع صوتك والتعرف إليك. قلت له: شكراً لك. هذا من لطفك أنت. لقد أخجلتني. هل تعرف الاسم الثاني لمن تبحث عنها؟ قال: مع الأسف لا أعرفه. قلت له: أعتقد بأنها هذه الفتاة، وسوف أعطيك رقم هاتفها. قال: لا بأس. في الحقيقة لقد مرّتْ عليّ يوم أمس في زيارة عمل، وأحضرتُ لها أغراضاً، وأردت أن أخبرها عنها، لذلك اتصلتُ للبحث عنها. ولكنني بالتأكيد أحب أن أتعرف عليك، وأن أدعوك لفنجان من القهوة. أرجوك لا ترفضي دعوتي، اليوم. لا أستطيع الانتظار! (وأنا أيضاً) قلت لنفسي. يا إلهي.. صوته رخيم، فيه نبرة راعشة تسبب الارتعاش لكل شيء..! وأضاف: صوتك رائع، لا أدري ما الذي يحدث معي اليوم. أنا أتصل بالزبائن هاتفياً باستمرار، ولكن لم يسبق لي أن مررت بمثل هذا من قبل. صوتك يؤثّر بي فعلاً. هل سبق وأن قال لك أحدهم هذا عن صوتك؟ قلت له: لا أذكر تابع كلامه: صوتك جنّني. هل أنتظرك اليوم؟ أرجو أن تأتي لنشرب القهوة. لا أدري كيف أشعر عندما تصمتين بين الكلمة والأخرى، هذا يسبّب لي الجنون. وإذا كنتُ منفعلاً الآن إلى هذه الدرجة، ماذا سأفعل حين أراك؟ ماذا سيحصل لي؟ قلت له: لا أدري ماذا أقول لك. وصوتك أيضاً فيه نبرة محببة. أجاب: لم أسمع هذا من قبل. على أية حال سوف أتصل بك حوالي الساعة الثانية، قبل انتهاء دوامك، كي أتأكد من مرورك. هل يزعجك اتصالي فيما لو فعلت؟ قلت له: لايزعجني. لا بأس بذلك وأود أن أعطيك رقم هاتفها الآن. أجابني: لقد نسيت موضوعها، ولكن لا بأس، أعطني الرقم وأنا أشكر لك اهتمامك. وودّعنا بعضنا مؤقتاً. ولكن يا ويلي ماذا أفعل؟ لستُ أنا المطلوبة، غير أن صوته الفاتن يدفعني لأن أطيل معه الكلام. لأن أتجاوب مع كل ما يريد. حاولت أن أنسى موضوعه وأن أهتم بعملي، لكن الأوراق والأرقام المنتشرة على مكتبي، لم تستطع أن تشدّني إليها، فغبتُ عنها واستغرقت في التفكير. قررت مبدئياً أن أعتذر له ثم صمّمتُ على ذلك. لن أكون مطيّة لعلاقة عابرة، وعندما اتصل في الموعد المحدد، وجاءني صوته الدافئ للمرة الثالثة يسألني عن حالي وشغلي، نسيت ما كنت قد قررت! أرجو ألا يلومني أحد، لأن أحداً ما لم يسمع نبرة صوته كما سمعتها أنا في تلك اللحظات. حاولت أن ألتزم في الموعد المحدد. هل أنت مشغولة؟ أجبته: بعض الشيء. قال: إذن لن أطيل عليك. لقد أوصيت على القهوة، ونحن بانتظارك، أنا بانتظارك. لم أستطع أن أقول له (لا.. لا أريد)، بل قلت: اتفقنا. وكأنني لم أفكّر في الأمر، وكأنني لم أحسمه، وكأن لساني يتصرف بأمر من أذنيّ وليس من عقلي!! وكأنني لا أملك سوى مشاعر تنفلت من إطارها نحو المجهول..!! وسألته: ولكن كيف سأعرفك؟ أجابني بأنه شابّ طويل وسيم، عيناه بلا لون محدد، تأخذ سحر لونها مما يرتديه، وأن أخاه الذي يعمل معه أكبر منه سناً ويضع نظارة على عينيه. وأنتِ؟ كيف سأعرفك؟ ما هي سيارتك؟ كذبتُ عليه بإصرار وقلت له: مرسيدس. وذهب بسرعة ليستعدّ لاستقبالي في حين ذهبتُ ببط ء لأداري خيبتي. لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير. ربما يجب أن أذهب لأرى وجه الصوت الذي سمعت، أو ربما يجب أن أنسى الموضوع برمّته، لأنه كما يبدو صاحب علاقات لا تُعدّ ولا تحصى، أو قد يكون هو الحبّ الذي أنتظره ليملأ فراغ القلب بعد سنوات من التقشف؟ لا أدري ماذا أفعل؟ أرغب في رؤيته وربما ما هو أكثر من ذلك، لكنني لستُ تلك الفتاة التي تعمل كعاملة في الشركة! لست مثل أولئك الفتيات اللواتي يحملن اسمي ويعملن في مجال عملي، أنا نائب المدير!! هل أجري وراء صوته وعواطفي أم أنسى موضوعه؟ نصف ساعة فقط ويجب أن أكون قد حدّدتُ خط سيري. البيت أو المحل!! نصف ساعة تفصلني عن فتح أبواب الحبّ أو العودة إلى مجاهل النفس. لم يستغرقني الأمر أكثر من ربع ساعة من التفكير، لأقرر بعدها ما يلي: سوف أتصل به وأخبره بأنني كنت أمازحه باسترسالي في الكلام. سوف أؤكد له بأنني لا أحب العلاقات العابرة، وبأنني لست الشخص السهل المنال. سوف أقول له بأنني لن أمرّ عليه لا اليوم ولا غداً ولا بعد غد. سوف أكلمه بلهجة رسمية و جادّة وبحزم. لا مجال للتراجع. هذا ما يجب أن أفعله وأن يعرفه من كلامي. تناولتُ سماعة الهاتف واتصلت به. ردّ عليّ أحدهم، فسألت عنه بلهجة قوية وحازمة: أين كمال؟ قال لي بأنه مشغول قليلاً. قلت له: لا بأس، أشكرك، سوف أكلمه فيما بعد. وأنهيتُ المكالمة. لم أستطعْ إلغاء الموعد، لقد فشلت. وكل اندفاعي وحزمي لم يجديا نفعاً. سأخرج الآن من عملي، وفي الطريق عند التقاطع، عند الإشارة الضوئية بالتحديد، سوف أقرر موقفي من المسألة وأختار الاتجاه المناسب في تلك اللحظة بالذات!!. وخرجتُ لا ألوي على شيء. رعشة زوجي مجنون. يلاحق النساء من كلّ فجّ عميق ولا رادع له. حاولتُ أن أمسك أيّ دليل عليه ولم أستطع رغم محاولاتي المستميتة. ومع ذلك ركبت السيارة مع الأولاد، وذهبنا لزيارته في مكتبه، وفي الطريق عند التقاطع، عند الإشارة الضوئية وقبل أن ننعطف لليمين باتجاه مكتبه، ضربتنا سيارة خضراء من الخلف، تقودها امرأة. نزلتُ من السيارة وصرختُ عليها بغضب. لم أشتمها، ولكنني وجهتُ لها كلاماً نابياً. وفجأة انخرطتْ في البكاء دونما سبب معقول. اعتذرتْ لنا ووعدتْ بأن تصلح كلّ شيء، وقالتْ: كنت أفكر.. كنتُ على وشك الانعطاف لليمين.. كنتُ على وشك الاستسلام لرعشة الهاتف.. المحرقة لم تكن لديّ السلطة لأقرّر ما أريد، والإشراف على محرقة كهذه ليس بالأمر السهل. يأتون من كلّ فجّ عميق. جثث متآكلة متعفّنة وجثث تضجّ بالحياة. جثث مشوّهة تشي بعنف الذبح والتمثيل وأخرى تبدو لم تُمسّ بأذى.. تمرّ جميعها من أمامي. أضع عليها الختم الأحمر قبل إدخالها للمحرقة..! أضع الختم على جبهة الرأس، فإن كانت الجثّة بلا رأس، أضعه في منتصف البطن، فإن لم تكن هناك بطن ولا أحشاء،اضطر لوضعه عل الركبة اليمنى أو على باطن القدم!! الختم ضروري بالطبع.. وقد يقول أحدهم بطريقة استعراضية بأن الختم غير ضروري، ولكنه سيكون في هذه الحالة كمن يبحث عن سبب الموت لكل هؤلاء أو سبب قتلهم أو تشويههم.. وطبيعة عملي تحتم عليّ ختم الأجساد. فأنا لا أفعل شيئاً سوى ختم الأجساد الراحلة إلى عالم صوفي.. ـ قاصة من الاردن