يبدو أنه لا الكمبيوتر.. ولا الانترنت.. ولا البريد الالكتروني، ولا كل مخترعات تكنولوجيا العمل والتخاطب الحديثة قادرة على مواجهة «لعنة الورق» التي تطارد انسان العالم الثالث والتي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان الإنسان في هذا العالم بالذات «حيوان ورقي»، يعيش على الورق.. ويأكل الورق.. ويشرب عصير الورق، ينام على وسادة من ورق.. ويلتحف بلحاف من الورق، وواقع الحياة في عالمنا المذكور يؤكد ذلك ويزيد عليه ان الورق اصبح نوعا من الطاقة، به تسير الأمور المتوقفة، وتتحرك المعاملات المعطلة، حتى السيارة التي ندعي أنها تسير بالبنزين لا تستطيع التحرك في أي شارع عام الا بالورق، حتى ولو كان «تنكها» متروسا بالبترول وكل شيء في موتورها تمام التمام..، وليس هذا لغزا.. فالأمر بسيط، وحاول بنفسك ان تتحرك بسيارتك دون ورقة اسمها «ليسن».. وأخرى تسمى «ملكية»، وحتى مع وجود هاتين فهناك ورقة ثالثة تستطيع ايقافها على الفور اسمها «مخالفة».. يتبعها دفع ورقات اخرى اسمها «فلوس»..! حتى حياتنا.. تبدأ بورقة اسمها «شهادة ميلاد» وتنتهي بورقة لا داعي لذكر اسمها، وبين هاتين الورقتين مشوار طويل نسير فيه على حبل طويل من الورق، لا ينتهي الا بالورقة «اللي ما تتسمى»..!، ندخل المدرسة بورقة.. ونخرج منها بورقة، وبهذه الورقة ندخل عالم الوظيفة.. خاصة اذا ارفقت بها ورقة اخرى ذات اهمية خاصة تسمى «كارت» ويرمز لها بحرف «الواو»، ونظل طوال عالمنا الوظيفي نستلم أوراقا.. ونكتب اوراقا.. ونمزق اوراقا، كل هذا العناء الورقي لكي يصرفوا لنا آخر الشهر اوراقا ملونة ذات قيمة، تساعدنا على الاستمرار في مسيرتنا الورقية المحتومة! حتى حياتنا العاطفية فقدت رومانسيتها المعهودة من أيام «قيس» و«روميو»، وأصبحت عاطفة الحب لا تشتعل الا بقدر ما يمتلكه المحبوب من «أوراق» مالية، ولا تدخل عالم الزواج الا بورقة يكتبها المأذون، ولا تخرج منه الا بورقة أخرى قيل عنها انها ابغض الحلال عند الله..! اذا اردنا السفر نملأ اوراقا.. ولكي ننزل في بلد آخر نملأ اوراقا، وفي البنك نحول اوراقا الى اوراق، واذا فكرنا في الاقتراض من البنك نوقع على اوراق.. ونقر ونعترف على أوراق، لا ضمان الا بالورق.. ولا امان الا بالورق.. ولا خراب ايضا الا بسبب الورق! عندما لاح عصر الكمبيوتر تنفسنا ما يقال انه «الصعداء».. وتصورنا ـ بحسن نية ـ انه سينهي ـ والى الابد ـ سيطرة حكم «النظام الورقي» البائد، وسيرفع عن كواهلنا جبروته وتسلطه، ولكننا كنا واهمين، فقد أثبت «النظام» انه اقوى من التكنولوجيا.. وأغنى من «البرمجة»، وبدأ الكمبيوتر يفقد بغبائه التكنولوجي وبفيروسه المتطور أراضي كثيرة حاول احتلالها من النظام الورقي، واستطاع هذا النظام العنيد بفضل دعم فلول الانسان الورقي، وهو الانسان الذي رضع وتربى وترعرع في أحضان الورق، ان يسترد الكثير من مواقعه.. ويشارك الكمبيوتر في مواقع اخرى متربصا وشامتا.. ومستعداً للانقضاض وتصفية النظام الكمبيوتري الغاصب بين لحظة وأخرى..! ثم جاء عصر «الفوتوكوبي» فرقص «عبدة الورق» طربا وانبساطاً، ووجدوا في هذا الاختراع نصيرا ومدداً لا ينفد لطلب «صورة» من كل ورقة.. وصورة من كل صورة، وبدأت المعاملات تبيض صوراً.. وتفرخ اوراقا كل يوم، حتى اصبح ليس بمستبعد ذلك اليوم الذي نرى فيه موظف شباك المعاملات وقد أصبح من أهم مستلزمات عمله «ميزان» كذلك الذي نراه في محلات البقالة والسوبرماركت، يستلم منك المعاملة، وبدلا من ان يفحص اوراقها يقوم بوزنها، وبدلا من ان يقول لك معاملتك ناقصة ورقة كذا أو ورقة كذا، فانه يعيدها اليك قائلا: «آسف معاملتك ناقصة 40 جراماً»..! الامر الغريب انه كلما زاد الاعتماد على التعهدات والتوثيقات والصور والشهادات الورقية بقصد الاحتياط وتأمين المعاملات، كلما زادت السرقات والاختلاسات.. وتعددت الهبشات والهبرات، وكلها سرقات موثقة.. وهبشات مستكملة الشكل الروتيني المضبوط..، وكلها موشاة بالأختام الفخمة والتواقيع المحترمة..! ونخرج من عالم الورق الحكومي الى عالم ورقي ارحب واوسع وأخطر، تجده ينتظرك كل صباح عند التقاطعات والدوارات، كمٌ مهول من الورق الملون يغرقك يوميا في أخبار الذين اجتمعوا والذين انفضوا، والذين حاربوا والذين آثروا السلامة والسلام، ويسد نفسك على الريق بحادث الطائرة التي سقطت.. والأخرى التي اختطفت، او بخبر البناية التي انهارت.. والسفينة التي غرقت، ولا يتركك هذا الكم الورقي المسمى «صحيفة» الا وقد أصاب رأسك بالدوار.. فتداخلت الأخبار في بعضها، فلا تعود تدرك من الذين حاربوا ومن الذين استسلموا، ولا تتذكر ما اذا كانت البناية هي التي غرقت ام السفينة هي التي انهارت.. الخ..!! عالم غريب.. يغرقنا في بحور من الورق، القليل منه ينفعنا ويثقفنا، والكثير الكثير منه يضحك علينا ويسرق وقتنا وفلوسنا وراحتنا، عالم يخرج لسانه لكل تكنولوجيا العصر.. ويسد علينا كل طرق الحركة والحياة، والذي يغيظ حقا انه في الوقت الذي يغرقك فيه هذا الطوفان الورقي الذي لا فائدة منه.. تجده يبخل عليك بخلا شديدا بالورق الوحيد المفيد.. ذلك الورق الذي تستطيع به ان تأكل وتشرب.. وأن تسكن وتلبس وتعيش..، الورق الذي يعطيك المهابة بين الناس.. ويمنحك حب الزوجة وحنانها طالما كان جيبك عامرا به..، الورق الذي ما يكاد يستقر بين اصابعك حتى يطير طالبا الحرية والانعتاق.. تاركا اياك تلعن الورق.. كل الورق..!