وأنا اضغط على جرس الباب، تملكتني الحيرة،ولم اعرف ما الذي سأقوله لهذه «السلطانة»،..أعددت الكثير من الأسئلة، والكثير من الأوراق، ولكنني كنتُ أخشى أن تحاكمني عيناها الواسعتان، وتخترق نظراتهما النافذة أعماق روحي..فأترك منطقة الحياد، وأنضم اليها مطالباً بعودةِ الحياة إلى مملكة هذه «السلطانة «التي اندثرت تحت ركام الحصار،كما اندثرت ممالك الكثير من الرواد... ابتسام فريد او «سلطانة» في مسلسل «الذئب وعيون المدينة» و«النسر وعيون المدينة»، وسليمة مراد في مسلسل «ناظم الغزالي»، والخادمة التركية في «الأيام العصيبة»، سيدة على المسرح، وسيدة المساء كما يحلو لها أن تلقب نفسها، وملكة الزاوية الخاصة بها في مكتبتها،الفنانة الذكية في اختيار أدوارها المركبة والصعبة دائماً، والمتأنية في قبول ما يلائمها، وما يعكس شخصيتها وعراقيتها المتأصلة في جذورها، حتى تشعر وانت تشاهدها على الشاشة الصغيرة وكأنها تحمل في داخلها هموم كل النساء..وكان مفتاح دخولي إلى عالمها هو السؤال عن عالمها الآن... تفاصيل سطحية ـ ابتسام فريد أين آنتِ للآن؟ ـ اتنفس على خشبة المسرح، وتدور في ذاكرتي دائماً الاعمال الفنية الرائعة التي شكلت منعطفاً في تاريخ المسرح والدراما العراقية..كانت اندفاعاتنا بلا حدود، أما الآن فأشعر بأنني مجبرة على هذا السكون المفروض عليّ كالحصار المفروض على بلدي، أشعر بالموت، لولا حب الجمهور واحترامه لي، حيث يغمرني بعواطفه في كل مكان اذهب اليه. هذا الجمهور الرائع الذي لا ينسى الاصالة والابداع،والذي يعيد اليّ ثقتي بالمستقبل..اما الآن فأنا في بيتي أقوم بالواجبات المنزلية المعتادة، واعيش التفاصيل السطحية للحياة،واعود إلى نفسي في المساء..فأنا ملكة المساء اعشقه وأجلس في زاويتي هذه أقرأ وأقرأ فقط، حتى ساعات متأخرة من الليل وأحياناً من النهار، عندما أشعر بالحاجة إلى التحدث مع نفسي... ـ هلا حدثتنا عن تلك اللحظات التي توّج الفخر فيها اسمك والتي تذكرينها بمرارة الآن؟ ـ يقشعر بدني عندما أذكر هذه اللحظات «اللحظات التي تنفست فيها الحياة وانا احيّي جمهوري من على خشبة المسرح في عملين حفرهما الزمن في ذاكرتي ـ (جسر أرتا» تأليف واخراج الفنان بدري حسون فريد، و«هوارس» لبدري ايضاً ـ وهذا لايعني انني لم اعش لحظات مماثلة في اعمالي الأخرى بل استطيع القول انني كنت اعيش هكذا لحظات من خلال ردود افعال جمهوري و الصحافة بعد كل عمل يعرضه التلفزيون لي . ـ وهذا يقودنا إلى السؤال عن اعمالكِ التلفزيونية التي شعرت ومازلت تشعرين بانها ظلت شاخصة في ذاكرة الجمهور؟ ـ كان مسلسل «حرب البسوس» عملي الاول الذي اعتز به كثيراً ـ تأليف ثامر مهدي واخراج عمانوئيل رسام ـ حيث وقفت للمرة الاولى امام الكاميرا. وكان التحدي كبيراً بالفعل، فقد كان عملاً عربياً مشتركاً شارك فيهم نجوم كبار مثل (نضال الاشقر من لبنان، واسامة المشيني من الاردن، وعايدة عبد العزيز من مصر»،إضافة إلى فنانين كبار من العراق مثل (طعمة التميمي، سامي عبد الحميد، قاسم محمد»، لذا كان عليّ القتال لأثبت جدارتي امام كل هؤلاء، وربما كان هذا هو السبب الحقيقي لانطلاقتي في عالم التلفزيون، حيث منحني هذا العمل ثقة عالية بالنفس، ورغبة في مواصلة النجاح. اما العمل الذي ساعد على انتشاري فهو «النسر وعيون المدينة»، حيث مثلت فيه دور «سلطانة»..في حينها كتبت الصحافة كلمات رائعه لم تزل محفورة في ذاكرتي، حيث قالت: لقد اثبتت ابتسام فريد المقولة المعروفة بانه ليس هنالك دور صغير او دور كبير، بل هنالك ممثل صغير وممثل كبير»..اما عن شخصية سلطانة فقد رسخت في اذهان الجمهور لحد الان، رغم الكم الهائل من الاعمال الدرامية، حيث يشير الي الناس في الشارع اينما ذهبت «هذه سلطانة»... شخصية سليمة مراد ـ يبدو أن التحديات في حياتك الفنية كثيرة..مما يجعلنا نتساءل.. كيف نجحت في اداء دور المطربة سليمة مراد في مسلسل «ناظم الغزالي»، وانت لست مطربة، ولم تعاصري هذه الفنانة الكبيرة؟ ـ انا، والحمد لله، احاول التوقف عند نقطة الاختيار، أي اختار ادواري بدقة وادرسها بتانٍ ، واحاول الاقتراب من الشخصية وتقمصها . وبعد أن تكتمل قناعتي لا اتردد في قبولها . عندما عرض على هذا الدور من قبل مؤلفه الاستاذ ثامر مهدي، قرات النص لاول مرة، شعرت بالخوف، وفكرت في الاعتذار عن قبول الدور، لسبب مهم جداً، هو انني اعشق سليمة مراد منذ صغري، وحدث انني سمعت صوت هذه الفنانة وانا طفلة فتسمّرت امام المذياع.. في حينها سألني والدي: «ماذا تقول هذه المطربة؟، لم استطع الاجابة.. لم استطع أن اشرح له بان الذي سمّرني هو صوتها وليس فهمي لما تقوله. هذا السبب الاول.. اما السبب الثاني، فهو أن هذه الفنانة المبدعة هي احدى عمالقة الغناء العراقي، ولها العديد من المعجبين، بل وعشاق صوتها الذين يزدادون باستمرار حتى الوقت الحاضر، فكيف بامكاني اقناع جمهورها والناس الذين عاصروها وشاهدوها وجهاً لوجه!.. كان تحدياً صعباً.. ولكن العمل تأجل في حينها. بعد ذلك عرض على الدور في عام 1994، وبعد اجراء العديد من التعديلات على النص الأول.. بذلت مجهوداً كبيراً في اللقاء بكل من عرفها وعاصرها و بكل من عرفها عن قرب.. وقضيت وقتاً طويلاً في مشاهدة جميع اشرطة اغانيها، وحفلاتها المصورة، كي استطيع اتقان حركاتها وسكناتها.. ومن حسن حظي اني عثرت على حفلة من حفلاتها الخاصة مسجلة صوتياً، سمعتها فيها وهي تغني وتتحدث، فاستطعت بذلك التقاط نبرة صوتها وطريقة واسلوب كلامها.. وحتى حركات يدها وطريقة جلوسها، وهكذا اعتقد انني اقتربت كثيراً من هذه الشخصية، وقد اكون وفقت في تجسيدها، والجمهور خير حكم، وحمداً لله كان الكثير من الاراء في صالحي بعد عرض المسلسل . دراسة الشخصية ـ قدمت ادواراً عديدة، ومختلفة للشاشة الصغيرة، المركبة والبسيطة والمعقدة.. بنت البلد، والجاسوسة الالمانية، والشخصية الفرنسية، والموظفة، والزوجة، والام، والعاشقة، والمدرسة، وربة البيت، وغيرها.. كيف وفقت في لملمة كل هذه الشخصيات في شخص الفنانة ابتسام فريد؟ ـ كما قلت سابقاً انني دقيقة ومتأنية في اختياراتي،ودائماً احاول واطمح لاختيار الشخصية التي تضيف شيئاً جديداً إلى خبرتي وتاريخي الفني، فانا اقرأ النص بدقة، واركز على الشخصية المسندة لي، وبعد ذلك تكتمل قناعتي، أبحث عن ابعاد الشخصية «الاجتماعي، الثقافي، سلوكها الحياتي اليومي»، ثم ابحث بكل اخلاص عن كل هذا.. فمثلاً، في مسلسل «ابراهيم طوقان»، وهو مسلسل عراقي ـ اردني مشترك، جسدت شخصية والدة ابراهيم طوقان النابلسية الاصل، وكان مطلوباً مني أن اتحدث او اقول حواري باللهجة النابلسية الأصلية.. كانت تجربة غنية بالنسبة لي، حيث كان جميع افراد الكادر يتقنون الحديث باللهجة الفلسطينية، ولم يكن امامي سوى شهر واحد قبل بدء التصوير، وبعد بحث مضنٍ وفقت في الوصول إلى اعماق الشخصية اولاً، حيث أن هذه الشخصية مرت بثلاث مراحل عمرية، وشاءت الصدف أن يكون احد زملائي في الكلية نابلسي الاصل، فطلبت منه أن يسجل الحوار المسند لي كله بصوته على «كاسيت» باللهجة النابلسية، وهكذا استطعت أن احفظ حواري بهذه اللهجة واتقن النبرة وطريقة لفظ الكلمات خلال هذا الشهر، بحيث اصبحت اتحدث بهذه اللهجة حتى في البيت، فكان رأي الصحافة المحلية والعربية والزملاء العرب المتواجدين حينئذ لصالحي، وشهد الجميع بانني تحدثت بهذه اللهجة وكانني من نابلس. فلسفة خاصة ـ هل يعني هذا أنك تتشربين روح الشخصية، فتنام وتاكل وتشرب معك، أو لنقل معك طول اليوم؟ ـ بكل تأكيد..انا أحاول هذا، لكنني اضع مسافة بيني وبين الشخصية، واحاول أن اتذكر هذه المسافة دائماً، لان الاندماج المطلق بالشخصية ليس من صالح الممثل . ـ يبدو انك كوّنتِ من خلال ثقافتك الفنية، وتجاربك الفنية والحياتية، فلسفة معينة لحياتك، فما هي ابعاد هذه الفلسفة؟ ـ انا مؤمنة تماماً بان الفنان هو مهندس النفس البشرية، ومن هذا المنطلق عشقت فني واحترمته وبنيت فلسفتي عليه. ـ ماذا يعني الفنان بدون ثقافة؟ ـ الثقافة للفنان هي الضرورة لحياته وبقائه واستمراره، وهذا لا يلغي الموهبة . ـ هل كان الندم محصلة لاحد ادوارك؟ وهل تمنيت الغا ء هذا الدور من سجل حياتك الفنية؟ ـ كما اسبقت.. انا دقيقة في اختياراتي، ولكنني لا اخفي انه قد حصل ذلك لمرة واحدة، وكان معي الفنان طعمة التميمي.. كان النص جيداً ورائعاً لكن تنفيذه على المستوى الاخراجي كان ضعيفاً، بحيث كتبت الصحافة المحلية تقول «هناك طيران غريبان في هذا العمل، ابتسام فريد وطعمة التميمي» . ـ متى تشعرين بالتألق؟ ـ عندما اسير في مكان عام وتتابعني نظرات الجمهور . وشعرت بلحظة تألق وبفخر حقيقي في مسرحية «جسر أرتا»، فعندما خرجت لتحية جمهوري على خشبة المسرح، استقبلني بتصفيق حار، لم يزل صداه يداعب اذني. كذلك الحال عندما قدمت مسرحية «البديل» في مهرجان قرطاج الدولي عام .1995. كان الحاضرون من الاجانب أكثر منهم من العرب، وتوجني هذا الجمهور بحبه الكبير. تسفيه المسرح ـ كيف ترين المسرح العراقي الان؟ ـ لا يمكنني تسمية ما يعرض على مسارحنا الآن مسرحاً عراقياً، حيث أن المسرح العراقي هو مسرح ملتزم، أما ما يقدم الان بأسم «الكوميديا» فهو تسفيه لهذه المفردة، لان الكوميديا في الحقيقة فن من اصعب الفنون المسرحية، فقد يجعلك الفنان الكوميدي تستلقي على ظهرك من الضحك دون اسفاف وتهريج، وبالعكس فقد يدفع بك لان تفكر...اما ما يحدث الآن فهو الضحك من اجل الضحك، وهكذا فهم يسرقون منك وقتك وذوقك ونقودك. ـ متى تكتبين مذكراتك؟ ـ احاول كتابة يومياتي باختصار شديد ومفيد، وكأنني أضع رؤوس أقلام لمشروع مستقبلي، وهو كتابة المذكرات التي أحرص على أن تكون صادقة وحقيقية . ـ واخيراً، السؤال الذي ليس منه مهرب: من هو معلمك الكبير الذي يشعرك بالفخر لانتمائك إلى المدرسة؟ ـ «تضحك»..انه بدري حسون فريد، استاذي ومعلمي وزوجي..