يقول المثل الصيني القديم «ان صورة واحدة تساوي الف كلمة»، لكن حين يتعلق الامر بوصف امجاد الغرب الامريكي، يكون من الانصاف القول بأن الصورة الواحدة تساوي عشرة آلاف كلمة على الاقل. لقد حاول الشعراء والكتاب والمؤرخون لاجيال عدة وصف غرب الولايات المتحدة المميز بسلسلة جبال روكي الصخرية، بدرجات نجاح متفاوتة. لكن من الصعب على اي قلم مهما بلغ من براعة تصوير حدائق ويومينج اللامتناهية، او جمال مونتانا، او الريف الشاسع والمساحات المفتوحة الخلابة في جراند كانيون، او جنات يلوستون ووادي الغرب الموغل في وحشيته الطبيعية، الى آخر هذه المناطق الساحرة بطبيعتها التي لا تكفي مئة عام من السياحة لاستكشافها. ثم واقع اشد هيبة واكثر ضخامة من ان يحتويه حتى ابرع اساليب الكتابة والادب. الامر الذي يمنح اهمية خاصة لمعرض جديد للصور الفوتوغرافية اقيم مؤخرا في سانتا باربرا بكاليفورنيا تحت اسم «رؤى مزدوجة للغرب الامريكي!!». ولعل الحماس الزائد الذي ابداه النقاد الفنيون من سانتا باربرا ومن لوس انجلوس القريبة لهذا المعرض نابع ـ ولو جزئيا ـ من حقيقة ان اثنين من المصورين ـ دافيد ميونش وماكداف ايفرتون ـ هما من ابناء المنطقة نفسها. وقد نجحا الى حد بعيد في ابراز روعة الطبيعة في غرب امريكا، عن طريق التركيز على عناصر اللون والظلال والمسافة. حوالي 80 صورة مختلفة تعبر عن الرؤية المتميزة التي يرى بها الفنانان الغرب الامريكي، بما فيه من السهول العظيمة وسلاسل الجبال والصحراء الغربية وقمم الاسكا. اذ يركز ايفرتون على المناظر الطبيعية والآفاق والزوايا الواسعة (البانوراما) التي يتذكرها اي شخص يتاح له زيارة المنطقة، اي ان صورة تجمد الزمن في لحظات محددة. وفي المقابل، نجد ان ميونش يتخذ مدخلاً تطويريا يركز على الزوايا الاصغر، فتعبر صوره عن مراحل تطور الرياح والماء والشمس وآثارها على الريف المحيط بالمنطقة. وعلى هامش المعرض، تواصل اللقاء مع الفنان الامريكي ماكداف ايفرتون لمناقشة مصادر إلهامه ونظريات عمله ورؤيته للغرب الامريكي. لقد امضيت سنوات عدة في الترحال وتصوير مناطق غرب امريكا.. فما الذي يدفعك الى ذلك؟ ما هو مصدر الهامك؟ ـ اعتقد انها احدى اجمل مناطق العالم، لكن اكثر ما يدهشني حقيقة ان الامريكيين لا يعرفون غرب امريكا بقدر ما يعرفه الاوروبيون واليابانيون الذين عادة ما تتضمن برامجه السياحية جولة في ربوع المنطقة الملاحظة الاخرى المهمة هي ان منطقة الغرب الامريكي مازالت ثرية بالمساحات ابكر المفتوحة مما يزيدها جمالا وروعة، ويرفع من قيمتها الجغرافية والسياحية. تستطيع ان تقول ببساطة انها منطقة فريدة لا نظير لها. هل تنفق وقتا طويلا في التحضير للقطاتك، هل تجد دائما انك بحاجة لجهد كبير كي تعثر على اللقطة المناسبة؟ ـ الامر يختلف من مرة الى اخرى، فحين كنت في يلوستون لثلاثة ايام ذات مرة، لم اعثر على اي شيء يستحق التسجيل الفوتوغرافي لأن الضوء والطقس كانا يعملان ضدي. واذكر ايضا كيف واجهتني صدفة عاصفة ثلجية في جلاسيار (الحديقة الوطنية في مونتانا)، فتمكنت من التقاط عدد من الصور الممتازة. كذلك، فإن صوري الخاصة بمنطقة جراند كانيون التقطتها جميعا في نهاية يوم ممطر. لقد عملت مرشدا نهريا محترفا لعقدين من الزمان، وهي المهنة التي ورثتها عن عمي ووالدي. اي انني امضيت الجزء الاكبر من عمري خارج الابواب المغلقة، وهي الخبرة التي تمنحني وعيا افضل بالاشياء، وتعطيني حدسا افضل في توقع حدوث الاشياء او عدم حدوثها. هل اصبح مكان ما في الغرب شديد الخصوصية بالنسبة لك؟ ـ اعتدت العمل في سييرا نيفادا (صحراء نيفادا) التي كلما توغلت فيها زاد اعجابك وتعمقت دهشتك. اما حدائق نيبراسكا بجنوب داكوتا فتفوق ما يمكن للعقل تصويره من جمال، لكنها للاسف غير موجودة على خريطة اي شخص.. فالمناظر الطبيعية هناك تتباين بين التلال الناعمة والمساحات الخضراء التي تحظى برعاية المزارعين. وفي الصيف، تهب عواصف مخيفة على المنطقة. ايضا، اجد ان مونتانا الشرقية تتميز بجمال خاص، برغم ان الصحراء المرتفعة هي اللون الغالب عليها. في فيلم كيفن كوستنر الشهير «الرقص مع الذئاب» يسأل شخص ما البطل عن سبب اصراره على التوجه الى الغرب الامريكي، فيجيب: اريد ان اشاهده قبل ان يختفي. هل تعتقد ان غرب امريكا في طريقه للزوال؟ ـ نعم، هذا ما يحدث بالفعل. والسبب الاكثر في انقراض الغرب الامريكي هو الجشع. والمفارقة ان اناسا يصفون انفسهم بأنهم مخلصون هم الذين يقومون بمهمة الشيطان في تلك المنطقة انهم يستخدمون عبارات مثل «ان الله اعطى الانسان سيطرة على الارض». لكنهم لا يدركون ان السيطرة تعني المحافظة والرعاية، وليس التحكم اننا مكلفون بحماية البيئة والمحافظة على الارض، وليس بتجريدها من ثرواتها وجمالها. انها قضية مهمة يجب ان تنتبه اليها الادارة الامريكية الجديدة برئاسة جورج دبليو بوش، فالمحافظة جزء لا يتجزأ من المذهب المحافظ (الذي يتمسح فيه الجمهوريون)، وهي الحقيقة التي يبدو انها غابت عن السياسيين. الحكومة تمنح الامريكيين الاصليين مساحات من الارض المهمشة، وتغض الطرف عنها مادامت بلا قيمة مادية. وعلى الرغم من ان الرئيس كلنتون اتخذ خطوات جديدة للمحافظة على المنطقة من بينها تحويل اجزاء كبيرة من جزر هاواي الى حديقة وطنية، فقد جاءت هذه الخطوات متأخرة جداً، وكان يجب ان يفعل ذلك في بداية مسيرته الرئاسية، بدلا من ان ينتظر حتى الشهر الاخير في رئاسته». اسلوبك الفوتوغرافي مختلف تماما عن أسلوب دافيد ميونش، على الرغم من ان كليكما يستلهم لقطاته من الغرب الامريكي؟ ـ الحقيقة المدهشة انه على الرغم من ان كلا منا يعيش على بعد ميل واحد من الاخر في سانتا باربرا، فلم نلتق ابدا قبل ليلة افتتاح المعرض حيث تناولنا العشاء معا. لكنك محق بالفعل، فنحن مختلفان تماماً، هو يستخلص صورة مثالية حين يحس بالمكان، بينما ينصب تركيزي انا على المناظر الطبيعية او على النظرة الشاملة كما يقولون عليها. من الصعب جدا على المصور الامساك بجوهر شيء درامي وشاسع الاتساع..؟ ـ بكل تأكيد، فتصوير مبنى تاج محل في الهند مثلا اسهل كثيراً من محاولة نقل روح الغرب الامريكي عبر صور فوتوغرافية. انك تعبر عن شيء لا يراه الناس بالعين المجردة. لكن من خبرتي في مهمة المرشد النهري تعلمت كيف اشعر بالاشياء حولي في لحظة محددة. واليوم يميل الناس الى الانغماس في الحياة من دون رؤية الاشياء. وقد سمعت ان الاستخدام المفرط لشاشات الكمبيوتر يتسبب من هذا النوع من النظرة للحياة، التي يطلق عليها منظور النفق. هل تعني بما تقول تلك الطريقة التي يمارسهاالسياح حين ينشغلون بتصوير ما حولهم دون ان يروه على حقيقته؟ بالضبط.. هذا ما اقصده.