قبل الساعة التاسعة من صباح كل يوم، تغادر آنا فاسليكينا شقتها الواقعة في الطابق الرابع من بناية ، عاشت فيها اكثر من 30 عاماً، ولقي فيها زوجها حتفه على يد لصوص قبل 14 شهراً، وتمضي سيرا إلى عملها كممرضة مسئولة في عيادة مجاورة للأطفال. وشأن كل بناية اخرى في جروزني، فان البناية التي تقطنها والمؤلفة من خمسة طوابق تعرضت لتدمير كبير خلال الهجوم الروسي على العاصمة الشيشانية في يناير عام 2000، ولا يوجد سوى عائلة اخرى واحدة لا تزال تعيش في هذه البناية. وعندما تغادر آنا البناية، فانها تقلق بشأن الرائحة المنبعثة من الجثتين المتروكتين في شقة مجاورة منذ العام الماضي، وهما لامرأة كانت ملازمة للفراش ولابنها الشاب وقد قتلا في هجوم روسي. ولم يستجب الجيش الروسي ولا الإدارة الشيشانية المعنية من قبل موسكو للمناشدات بإزالة الجثث، ويتخوف السكان المحليون في جروزني من ان تعود الرائحة الكريهة التي ازعجتهم الصيف الماضي مع انتهاء الطقس البارد. وهناك في الخارج رائحة اخرى نتنة تغزو انفها، وهي رائحة المجاري المتجمعة في المباني منذ العام الماضي. تشق آنا طريقها عبر الفناء المدمر للبنانية حتى طرفها، ثم تستدير يساراً نحو العيادة، التي تقع في ارض خلاء. وهناك تمر بقبر جديد وسط القمامة. ويضم هذا القبر رفات شخصين متفحمين بدرجة اخفت ملامحهما، كان قد عثر عليهما السكان المحليون هناك مؤخراً، في ساحة روضة أطفال مجاورة. وقام الاهالي بدفنهما هناك، حيث يعتقدون أنهما قتلا خلال غارة عسكرية. ولم يفاجأ احد بهذا الاكتشاف، فكما تقول لويزا اسرائيلوفا، وهي فتاة جميلة تسكن في الحي: «لقد اعتاد الجميع على مشاهد القتل» وتعتبر المنطقة التي تعيش فيها آنا والمعروفة باسم «ميكرورايون» منطقة آمنة بالنسبة للمقاتلين المناهضين لروسيا، الذين قاموا، مؤخراً، بتفجير لغمين عن بعد، وقتلوا جندياً روسيا خلال يومين اثنين فقط. الشيء الوحيد غير المألوف فيما يتعلق بآنا هو انها تنتمي للاقلية العرقية الروسية في الشيشان، فقد قدمت الى البلاد مع عائلتها طفلة صغيرة في عام 1946، وهي الآن لديها وظيفة هنا. وعلى الرغم من ان طاقم موظفي العيادة لم يتلق اجوره منذ اغسطس الماضي، الا انه لا يزال صامداً من دون مساعدة من جانب الروس او حلفائهم الشيشانيين. لكن العمل هنا هو ما يبقي آنا سليمة العقل، على الارجح. وعندما تتحدث هي وزميلة لها هذه الايام، تتأنى وتقول ما يقوله في جروزني الجميع تقريباً عاجلاً ام آجلاً: «اي مدينة عظيمة كانت هذه المدينة «جروزني»!». حتى بداية التسعينيات وعندما بدأ الاتحاد السوفييتي بالتفكك، كانت جروزني من اكثر الاماكن نشاطاً وحيوية في منطقة القوقاز. فالمناخ كان لطيفا ومنظر المناطق الريفية المحيطة رائعاً، وكل شيء كان وفيراً، من الفواكه الى منتجات الالبان وما الى ذلك من السلع الحياتية الضرورية. وكانت تركيبة سكان المدينة تعددية، تضم الروس والشيشانيين والارض والاذريين واليهود ومجموعات اخرى في القوقاز، وكان عدد سكان المدينة يفوق نصف مليون نسمة اما الآن، فان جروزني اشبه ما تكون بكابوس يعقب صراعاً نووياً، فهي مدينة مدمرة بالكامل، بفعل الحملة العسكرية الروسية، التي اوصلت فلاديمير بوتين للرئاسة قبل عام، ولا تزال تسمع فيها اصوات اطلاق النار ودوي الانفجارات التي باتت اصواتاً مألوفة حتى انها امتزجت بالأصوات الاعتيادية في المدينة. وفي هذه الايام، يعيش 200 الف شخص في المدينة الخالية من اية محلات، اللهم الا من أسواق شعبية، قذرة، وفي حالة مزرية. ولا يوجد فيها الا القليل من فرص العمل. ولهذا، فان بعض السكان يلجأون إلى إزالة الطوب من الخرائب لكي يعيدوا بيعه، بينما يعمد اخرون الى بيع النفط الخام الذي يتدفق في العديد من ساحات البيوت وافنيتها، فالنفط هو احد الأسباب الرئيسية لاندلاع هذه الحرب. الوف عديدة من سكان المدينة تعتمد في عيشها على المساعدات والهبات، التي تقدمها الوكالات الدولية العاملة في المدينة. تصر موسكو على انها تحقق انتصارات في الحرب، وان الشيشانيين يقفون إلى جانبها، وان الوضع في جروزني طبيعي تقريباً. وقال بوتين، خلال مؤتمر على الانترنت، في الشهر الماضي ان العديد من النقاد الغربيين للعمليات الروسية في الشيشان لا يدركون حقيقة ما يجري. وأضاف «اننا نشعر بأن عمليات الجيش الروسي موجهة لتحرير الشعب الشيشاني من «الإرهابيين» الذين تولوا السلطة والذين يعرضون الاسلام والشعب الشيشاني للخطر». وربما يكون بوتين مقتنعاً بما يقوله. لكن الحقيقة على ارض الواقع تفند قوله هذا، فالروس لا يفشلون في كسب أصدقاء جدد في المدينة فحسب، وانما هم يخسرون الاصدقاء القدامى أيضاً، الذين يتمثلون في الشيشانيين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الروسي الزاحف في العام الماضي ورجال الشرطة الذين يبعدون السكان المحليين عن نقاط التفتيش الروسية والمهنيين الذين تحتاجهم الشيشان اذا ما قدر لها ان تنهض من بين الانقاض في يوم من الأيام. ضرار عمير