تشير معظم الآراء التي تحدثت عن بدايات استعمال الشاي في العالم، وحسب المصادر التاريخية، الى ان استعماله شاع قبل قرن من الزمان حيث انتشرت زراعته في الهند، ثم الصين، وسريلانكا، وبقية الدول في الشرق الاقصى، ثم اخذ الاوروبيون عنهم عادة استعمال الشاي، وانتشر هناك من خلال الاستعمار البريطاني للهند.. إلا ان آراء اخرى تؤكد ان الحكيم «بوذا» اهتم بالشاي، وكان يتناوله باستمرار، لكي لا ينام، من اجل التعبد والسهر والتأمل.. اما في العراق.. ولوجود عدد كبير من الهنود مع القوات الغازية، فقد قاموا بنقل هذه المادة الى العراق، وزاد استعمالها لتحل محل القهوة، لكن العراقيين لم يتمكنوا من زراعة الشاي لان زراعته تحتاج الى ظروف خاصة، من جو ملائم ورطوبة ودرجات حرارة وغير ذلك، وقد اشارت بعض التقديرات السابقة الى ان ايراد الصين السنوي من الشاي يبلغ 200 مليون فرنك وتستهلك انجلترا ما قيمته 25 مليون كيلوجرام من الشاي وتستهلك امريكا 20 مليون كيلوجرام، اما فرنسا فتستهلك 50 الف كيلوجرام فقط، وفي الوطن العربي يمكن اعتبار العراق ومصر من اكثر البلدان التي تستهلك الشاي.. فعندما كان الاشقاء المصريون يشربون الشاي باقداح كبيرة تستعمل لشرب الماء كنا نحن نشربه بـ «الاستكان» الصغير الحجم، ثم انتقلت الينا عدوى شرب الشاي بالقدح كالمصريين. وفي مدارس العراق اول ما تتعلمه التلميذة في مادة التدبير المنزلي كيفية اعداد الشاي. ويحتل الشاي مكانة كبيرة في العادات العراقية وله طقوس خاصة وهو يرتبط بالنشاط في العمل وباكرام الضيف. للشاي انواع كثيرة تختلف باختلاف البلدان، ولكل نوع طعمه الخاص، ومذاقه المميز، بل ويختلف حتى في طريقة اعداده، باختلاف الاماكن والمناطق... من انواع الشاي المعروفة «الاسود أو البني» الذي نستخدمه في العراق.. وهناك الشاي «الاخضر» الذي يستعمل في بعض الاقطار العربية، مثل تونس والجزائر واليمن، ولا يستخدم فيه الكثير من السكر، وقد يطعمونه بالنعناع، لكن لونه يبقى مائلا الى الاصفرار.. أما النوع الآخر فهو الشاي «الكجرات» وهذا النوع شائع الاستعمال في دول جنوب شرق آسيا، وفي العراق يستخدم في نطاق ضيق، وهو ذو لون وردي تقريبا ويستخرج من زهرة نبات «الكجرات» ويستخدم بعد غليه وتخديره، او كعصير بارد ويمكن استعماله كصبغة مع الحناء لصبغ الشعر، وفي مصر يستخدم بكثرة ويدعى «الكركديه»، ويفيد لأزالة الصداع والتهاب المجاري التنفسية، وكمهديء للاعصاب، لكن افضل انواع الشاي واخطرها هو الشاي الاسود المعروف في العراق، والذي يستعمل بطرق عدة، منها اعداده على الفحم او الخشب، ومن «رأس القوري» كما يقول المثل الشعبي كناية عن شدة ذوبان اوراق الشاي وتركيزها في اعلى ابريق الشاي الذي يطلق عليه العراقيون اسم «القوري». اضرار.. وفوائد قبل ان يموت قال مازحا: لو عصرتم عروق جسدي لسال منها خليط من الشاي والتبغ وبعد ان مات اكد الطبيب اسهام الشاي والتدخين في موته بالسكتة القلبية فلم يكن ذلك «القريب» رحمه الله يقنع بشرب الشاي ضمن وجبات معينة كما يفعل اغلب الناس، كان ابريق الشاي خاصته لاينزل ابدا من على النار سواء اكان على الطباخ النفطي الصغير المعروف عراقيا باسم «مكينة ام الفتل» ام على المدفأة النفطية في الشتاء. وكان يشرب في الوجبة الواحدة كل ما يحتويه الابريق من شاي قد يتجاوز الـ 6 استكانات ثم يعاود اعداده ويعيده الى النار، وهكذا. عن اضرار الاسراف في شرب الشاي حدثنا الدكتور «غانم الصفار» الاستاذ في كلية الطب بجامعة بغداد قائلا: - ان استخدام الشاي بكميات كثيرة ومركزة بسبب صعوبة في الهضم لوجود مادة التانين في محلول الشاي.. ويقلل من حركة الامعاء، ويحدث الامساك.. ويؤثر تناول الشاي وحده من دون تغذية في صحة الانسان، ويسبب له مشاكل صحية، وان استعمال الشاي المركز يؤدي الى زيادة خفقان القلب، لان كمية مادة الكافائين الموجودة في الشاي المركز تكون كثيرة وتسبب تنبيه القلب وتحسسه، اما اذا كان الانسان مصابا بارتفاع الضغط او مرض القلب فيجب عدم الاكثار من شربه وتركيزه. هل يساعد خلطه بالحليب على تقليل اضراره؟.. عن هذا السؤال اجابتنا الدكتورة «عامرة الخياط» قائلة: - يساعد خلط الحليب مع الشاي على تقليل مخاطره، حيث يتحد البروتين في الحليب مع مادة التانين فيكون مركبا غير قابل للذوبان ويخفف اضراره، لذا ننصح باستعماله مع الحليب للحوامل والاطفال والمرضى. ويؤكد الطبيب الاختصاصي «سامر عبدالستار العبيدي» ضرورة عدم اعطاء الشاي للصغار، لوجود مادة الكافائين، التي ان اخذت باستمرار تسبب التعود عليه، والادمان وبالتالي تضعف اعصاب الطفل الذي في طور النمو، ويتسبب الادمان عليه في ترسب صبغة سوداء على الاسنان، مما يؤدي الى تغير لونها من الابيض الناصع الى لون قاتم.. ولا ننصح بتناول الشاي قبل النوم، لان المادة المنبهة فيه تمنع الشخص من النوم، وتسبب له الارق.. وينصح الاطباء بتناوله بعد مرور نصف ساعة الى ساعة بعد وجبة الطعام ليساعد على الهضم والتمثيل. فما الفوائد التي يحويها هذا الشراب؟ اجاب على سؤالنا الدكتور «غانم الصفار» قائلا: - ان مادة الكافائين الموجودة في الشاي والقهوة هي مادة منبهة ومنشطة للعضلة القلبية والاعصاب والجسم وتساعد ايضا على زيادة التركيز الفكري، وينشط الشاي الجهاز العصبي اذا استخدم بكميات معتدلة، كما يفيد في حالات التعب العصبي والجسمي، وفي اثناء التعرض للبرد ويستعمل كماسك للاسهال. وتضيف الدكتورة «عامر الخياط» فوائد اخرى للشاي منها: - انه يدفيء الجسم شتاء ويمنع العطش صيفا ويستعمل في حالة الاغماء للتنبيه، ويستعمل في اصابات العيون من خلال عمل كمادات ممزوجة مع الشاي ويستعمل كغرغرة في حالة التهاب اللوزتين ويخفف الاسهال.. وله استعمالات اخرى حيث يستعمل ورقة بعد تسخينه لتنظيف السجاد ولصبغ بعض الانسجة القطنية، وهو ينشط الذهن، وينشط الكلى، ويمنع الخمول. ويزيد الدكتور «سامر العبيدي» على فوائد الشاي فائدة اخرى فيقول: ـ ان تناول الشاي ساخنا يعوض فقدان السوائل وخاصة في حالة الاسهال الشديد، فهو منقذ للحياة ويمنع الجفاف ويساعد على هضم الطعام وتمثيله. يفضلونه.. حبرا! نسمع في الافلام والمسلسلات المصرية من يقول: «عاوز شاي ثقيل أوي.. أو عاوز شاي حبر».. في العراق تسري نفس العادة فأغلب الناس يفضلون الشاي ثقيلاً، والاهم من ذلك ساخنا.. تقول «نجاة فاضل» - ربة البيت: - اتناول الشاي بعد جميع الوجبات، لطرد اوجاع الرأس وازالة التعب، على ان يكون ثقيلا وساخنا ومع سكر قليل. ويؤكد قول نجاة عدد كبير من الرجال الكبار السن والشباب، والطالبات اللواتي يستخدمنه لغرض التنبيه، والعمال والصناع الذين يفضلون احتساءه خلال انهماكهم في العمل.. اما اغلب الفتيات فيفضلن الشاي الخفيف المحلي وفي وجبة الفطور فقط، وتشير احصاءات عراقية الى ان الرجال هم الاكثر تناولا للشاي من النساء وان الاقلاع عن عادة شرب الشاي يعد شيئا عسيرا، ينافسه في ذلك الاقلاع عن التدخين.. كما اشارت الاحصاءات الى ان اغلب العراقيين اعتادوا على تناوله ليس لرغبتهم الشديدة فيه وحسب بل لانه صار طقسا يوميا لا غنى عنه وبعد كل الوجبات. عن هذه الظاهرة تحدث لنا الدكتور «جاسم فياض الشمري» استاذ مساعد في قسم علم النفس بجامعة بغداد قائلا: - العادة السلوكية هي ميل الفرد لشيء ما لارضاء دافع بطريقة خاصة، واستمرار تكرار الفرد لسلوك معين يحول هذا السلوك بصورة تدريجية الى ممارسة يومية لا مفر منها.. وشرب الشاي تقليد اجتماعي، جاء الى العراق من وراء الحدود، واصله من الصين، وهذا التقليد بدأ بشكل اكثر وضوحا في العشرينيات من القرن الماضي ثم بدأت عادة شرب الشاي تتحول الى تقليد يومي لدى العراقيين، واصبح جزءا لا يتجزأ من موجودات الاسرة وعادة شرب الشاي اخذت توحد افراد الاسرة وتجمعهم في اوقات تكاد تكون معروفة للعائلة العراقية.. وارتبطت بثلاث وجبات رئيسية هي الصباح والظهيرة والمساء، اضيفت اليها وجبة اخرى هي وجبة «العصرية» في الصيف. والشاي علامة احتفاء اجتماعي بالضيف، وتقرب المسافة بين الافراد، وفي بعض الاحيان تحل الاسرة معظم مشاكلها وتناقش شؤون حياتها في هذه الاستراحة، وحتى عند طلب الفتيات للزواج تتم مناقشة الموضوع المهم في جلسة تدار فيها اقداح الشاي وفي لحظة صفاء ومودة.