الأمسية الغنائية التي أحيتها المطربة الكبيرة فيروز امس الاول في القاعة الكبرى بالجامعة الامريكية في دبي ، لم تكن مجرّد حفلٍ فني يتضمن مجموعة من الاغنيات والمقطوعات الموسيقية فحسب.. اذ ان هذه القامة الشامخة بجسدها الضئيل تختصر بحضورها وطناً حملته بين حناياها منذ حوالي نصف قرن حين صدح صوتها بالغناء لأول مرة.. وحين غنت فيروز المتجددة ليلة الخميس الفائت كانت تقول بشكل ساطع إن صوتها باق يشدو بعذوبته المعهودة طالما قلبها ينبض بحب وطنها وعشاق فنها في مشارق الارض ومغاربها. امس الاول كان اللقاء مع فيروز استثنائياً ومفاجئا بلا مبالغة، فقد رسم الدهشة والفرح الغامر على وجوه محبيها الذين ضاق بهم المكان، وكأن شيئاً غريبا اصابهم هو أشبه بحالة انخطاف روحي ووجداني جذبتهم الى اماكن قصيّة في الذاكرة. فيروز في اطلالتها الثانية خلال اربع سنوات الى هذه الامارة الجميلة احتضنتها دبي، سيدة عربية الهوى والصوت والذاكرة، وجاءت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، وحضور سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة لهذا الحفل، ليؤكدا مجددا حرص دولة الامارات على استضافة الفعاليات والتظاهرات الفنية والثقافية الراقية في مواكبة الازدهار والتطور اللذين تشهدهما الدولة على كافة المستويات. وبالعودة الى الحفل الذي شهدته قاعة «الأوديتوريوم» في الجامعة الامريكية بدبي فقد حضره الى جانب سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة المنسق العام لمهرجان دبي للتسوق 2001 حسين لوتاه ومدير الجامعة الامريكية ونائب رئيسها الياس بوصعب والفنانة جوليا بطرس وحشد من الوجوه الاجتماعية والاعلامية وجمهور كثيف ضم اجيالا مختلفة من عشاق فنها. وبعد انتظار طال لساعة رنيف لم يكل خلاله الجمهور ولم يتأفف قامت فئة كبيرة من الحضور بإطلاق نداءات «أنيقة» للبدء بالحفل تمثلت بالتصفيق الحار على فترات متتالية. وبعد وقت قصير على تلك «النداءات» فتحت الستارة لتبدأ الفرقة السمفونية بقيادة المايسترو كارين دورجاريان والتي تضم 40 شخصاً بين عازف وكورال بعزف المقدمة الموسيقية وهي من مسرحية «نزل السرور» لزياد الرحباني. ثم اطلت السيدة فيروز بفستانها الاسود وشعرها الاشقر فهب اعصار من التصفيق استمر لدقائق قابلته الفنانة الكبيرة بانحناءات حب متتالية. البداية كانت مع «كيفك انت » احدى الروائع التي انتجتها تجربتها مع نجلها زياد اتبعتها بأغنيتين من مسيرتها المتجددة هما: «في شيء عم بيصير» و«اشتقتلك» من كلمات والحان زيا الرحباني ايضاً. وفي تحية الى الفنانة الكبيرة صباح، حسبما اسرّت لنا المستشارة الاعلامية للسيدة بفيروز ضحى شمس قدّم الكورال اغنية «ياخيل بالليل اشتدّي» ثم تلتها اغنية «مراكبنا عالمينا» والعملان للاخوين رحباني. ثم جاءت كالمفاجأة الاولى في الحفل حين صدحت فيروز بصوتها العذب إحدى أجمل روائعها على الاطلاق «شادي» التي قال عنها الموسيقار وليد غلمية يوما انها رواية في دقيقة واحدة، غنّت فيروز «شادي» بكل جوارحها كأنها تريد استعادة زمن الطفولة الهارب، في مرثية تحكي قصة الحب والحرب وانهيار الاحلام. ثم توالت فقرات البرنامج الذي أعدّ بعناية اضفت عليه تنوعاً لافتا، فحضرت روح عاصي ومحطات الأخوين رحباني التي انطبعت في ذاكرة الناس، فيما كان طيف زياد الرحباني يحلق في فضاء القاعة من خلال اغنيات تم اختيارها من اعماله المسرحية وقدمها الكورال بتوزيع جديد وأداء بارع. وإلى العائلة الرحبانية حضر فيلمون وهبي بلحنه الجميل «ليليي بترجع ياليل» وزكي ناصيف في شخصيته التلحينية الفريدة عبر قصيدة «أهواك» التي أضفت تنوعا على برنامج الحفل بأجوائها الرومانسية. وإذ غنت فيروز الحب بريئاً في اغنياتها القديمة المتمثلة في تحفتها «وقف يا أسمر» و«نحن والقمر جيران»، فإنها قدّمته كحالة يومية بكل تفاصيلها في أغنيات مثل «اشتقتلك» و«ضاق خلقي ياصبي» وغيرها من خزانة التجربة الغنائية المتجدّدة مع زياد الرحباني الذي استطاع اكتشاف فيروز جديدة حقا. وقد تفاعل الجمهور بحماس لافت في تعبير عن حبة للتجربة الجديدة. ومن «يارا» الشاعر سعيد عقل الى «ردّني الى بلادي» و«راجعون» التي قدمتها تحية من دون اعلان ولا صراخ الى القدس وشعب فلسطين. كان الصوت الفيروزي يشدو كما الماء الذي يسيل متدفقا أو لامعاً براقا كما الذهب لا يقربه الصدأ بل يظل متوهجاً . مع فيروز .. الكلام لاينتهي، والمديح لايكفي لكنها حتماً تركت في تلك الأمسية أثراً لا ينسى في قلوب محبّيها، غبطة قلّما يحصلون عليها في يومياتهم، لانهم جميعاً سمعوا وشاهدوا فيروزا جديدة بكل معنى الكلمة. محبة وعتاب ? الحفل كان أنيقاً جداً وناجحاً بالمقاييس التقنية، حيث جاء الإخراج رائعاً، وتم تنفيذ الصوت والإضاءة بشكل ممتاز ولائق بــ «أميرة الأمسية». ? لابد من التنويه باستضافة الجامعة الامريكية للحفل وبالدعم الاعلامي الذي لقيه من جانب المكتب الاعلامي لمهرجان دبي للتسوق 2001. ? كان جميلاً لو أن الجهة المنظمة اختارت مكانا اكثر رحابة يتسع لاعداد كبيرة من عشاق الصوت الفيروزي، لكن ربّما ارادت ادارة الجامعة الامريكية. أن تحتضن الحفل في رحباها كدلالة على اهتمام الموسسات الاكاديمية بالفنون والثقافة وعدم اقتصار دورها على التعليم فقط. توجّه الناس نحو مقاعدهم أو أنتقالهم منها خلال أداء السيدة فيروز لاغنياتها يدعو للأسف.. أليس من المستحسن لو أقفلت ابواب القاعة عند بدء الحفل ثم فتحها مجددا عند الاستراحة لتفادي هذه «الممارسات» وحتى لا نحمل الجهة المنظمة المسئولية عن ذلك، فيجب ان ندعو الجمهور ان يعتاد على الالتزام بالمواعيد في المناسبات والفعاليات المقبلة. حفل استثنائي لقامة بحجم السيدة فيروز، كان يفضل لو بدأ بموعده، واذا حالت ظروف معينة دون ذلك، فمن الطبيعي ان يتم التنويه للجمهور عنها، أو عبر اعلامه على الاقل من الجهة المنظمة بأن الحفل سيبدأ بعد فترة زمنية معينة. كتب اسماعيل حيدر: