تُعد تنشئة الطفل بالشكل الصحيح والمرجو والسوي من أصعب الأمور التربوية للوالدين وحتى الاخصائيين وغيرهم، ففي مرحلة الطفولة التي تبدأ، منذ لحظة الميلاد وحتى سن الثانية عشرة نجد العديد من التصرفات التي يخرج بها الطفل ويتعلمها سواء من محيطه الداخلي (المنزل) أو الخارجي، كالأقارب والأصدقاء، والحقيقة التي تفرض نفسها هو جهل الكثير من الأسر لكيفية التفسير الواقعي لتلك السلوكيات والأنماط التعاملية التي يفاجئ به الطفل عالمه الذي يتعامل معه، لذا فان ردة الفعل تتباين في أغلب الأحيان، حيث نجد بعض العائلات تفسر أي سلوك على انه سلبي، بل وتركز على السلبيات بشكل يفوق كثيرا البحث عن الجوانب الايجابية في شخصية الطفل، بينما نرى في المقابل عددا من الأسر غير المبالية التي تتخذ من كلمة «إنه لا يزال طفلا» حجة تُداري بها عدم مبالاته، هذه اللامبالاة التي كثيرا ما يذهب ضحيتها أبناؤنا الصغار فيكونون عرضة للانحراف المبكر الذي قد يقضي تماما على حاضرهم الطفولي ومستقبلهم المنتظر. ورغبة منا في توضيح مظاهر الاضطرابات السلوكية لدى فئة الأطفال والقاء الضوء على أهم المسببات وطرق العلاج الوقائية ارتأينا ضرورة مناقشة هذا الأمر مع ذوي الاختصاص من أولياء أمور وعلماء نفس ومختصين في تربية الأبناء حتى نوازي كفتي الميزان ونوضح لكثير من الأسر أن أطفالهم من الممكن أن يعانوا اضطرابات سلوكية ربما تؤدي إلى انحراف في المستقبل ما لم يتم العلاج بالطريقة والوقت المناسبين. يقول جابر علي محمد بالنسبة لي فانني أحاول بكل جدية أن أكون أكثر من مجرد والد لأبنائي، حيث اعتدت على الجلوس معهم ومناقشتهم في مختلف المسائل الحياتية التي تعود بالنفع عليهم، فأبنائي يبلغ أكبرهم من العمر 16 سنة بينما لا يزال الصغير في الخامسة من عمره، لذا فإنني أحاول قدر المستطاع أن أناقشهما وأتحدث إليهما كل حسب عقليته وتفهمه لكلامي، وبهذه الطريقة أشعر بمدى قربي منهما وقربهما مني، لدرجة انهما يفشيان لي بجميع أسرارهما ومشاكلهما الدراسية والخاصة، وهذا ما يجعلني أشعر براحة نفسية كبيرة لانني أحتضنهما وأراقبهما بطريقة لا يشعران هما بها، وحتى لو شعروا فانهما يدركان جيدا ان مراقبتي لهما ما هي إلا من أساليب اظهار حبي وخوفي عليهما، والحمد لله انني وحتى هذه اللحظة لم أسمع أية شكوى ضدهما سوى من المدرسة أو من الجيران أو الأقارب، بل بالعكس فانه يكاد لا يمر يوم إلا وأسمع عنهما كلمات الاطراء من معارفي على سلوكهما الذي أتمنى أن يستمر كما هو، وأتمنى أيضا أن يتعاملا في المستقبل مع أبنائهما بالاسلوب نفسه الذي أتعامل به معهما الآن. يوم جديد ويوافقه الرأي عبدالنور محمد طاهر حيث يقول: رغم متاعب عملي ومشاكلي إلا انني وبمجرد الوصول للمنزل ألقي بكل هموم العمل وراء ظهري، وأتفرغ لبيتي وزوجتي وأبنائي، حيث انني أشعر وكأنني بدأت يوما جديدا وحياة أخرى، ورغم تفاوت أعمار أبنائي بين 22 سنة إلى تسع سنوات إلا انني لا أفرق في المعاملة بينهم مطلقا، أعامل الكبير كالصغير والبنت كالولد، أضحك معهم جميعا وأمرح وأمارس معهم هواياتهم قدر المستطاع والأهم من كل هذا أساعدهم على استذكار دروسهم بشكل مستمر، كما انني ومن شدة حرصي عليهم أقوم بزيارة مفاجئة لمدارسهم بين الفترة والأخرى للوقوف على مستوى تحصيلهم الدراسي، والحقيقة ان فترة العطلات تعتبر بالنسبة لي فترة استجمام مع العائلة أحرص فيها على التواجد المستمر معهم، حيث أحكي لأبنائي دوما عن حياتي السابقة والمتاعب التي واجهتها في سبيل الوصول للمركز القيادي الذي أنا بصدده، وذلك حتى يعرفوا ان حياتنا لم تكن سهلة مثلما هي حياتهم الآن ورغم الصعوبات والمشاق إلا اننا استطعنا تجاوز كل شيء وإتمام تعليمنا، والحمد لله انني استطعت جني ثمار تربيتي الطيبة لأبنائي والفضل يعود لله - عز وجل - أولا لتوفيقه لي، وثانيا لوالدي الذي يتعامل معنا بنفس الاسلوب الذي هو خليط من الديمقراطية المقننة والديكتاتورية المثمرة، وبعد هذا يأتي دور قدوتنا سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - الذي ضرب أروع الأمثلة للعلاقة السوية بين الأب وابنه. واجبات الأبوة وفي المقابل تقول (ج.م) سامح الله والد أبنائي والذي لم يعرف قط واجبات الأبوة تجاه أبنائه إلى أن وصل الحال بكبيرهم أن يحتجز في السجن لمدة ستة أشهر دون حتى أن يعلم والده بذلك والسير في هذه اللامبالاة الشديدة هي انه رجل مزواج، لا يفكر سوى في متعته الشخصية وبعد أن كبر به السن استقر في الزواج من ثلاث نساء أو ضحايا كنت أنا إحداهن، وتعيش كل زوجة في امارة مختلفة، وهذا الرجل (زوجي) مشغول في الوقت ذاته بأعماله التجارية صباحا وعمله بالمزرعة عصرا ولقاء الأصدقاء مساء، وأصبحنا لا نراه إلا كل اسبوعين أو ثلاثة، مرة واحدة يأتي فيها لتناول الطعام والنوم فقط دون حتى السؤال عن أبنائه، وكم حاولت أن أنبهه إلى ضرورة الجلوس مع أبنائه والتحدث إليهم ولكن هيهات، واليوم أصبحت وحدي أتجرع مرارة معاملة هذا الرجل الذي لا أحب حتى أن أسميه والدا لانه شخص متجرد من كل معاني الأبوة، وقد تم سجن ابني بعد أن ضُبط في تهمة سرقة مع عدد من رفقاء السوء الذين تعرف عليهم، وكما ذكرت فان والده لا يعرف أي شيء عن ابنه لانه وبكل بساطة لا يكلف نفسه عناء السؤال عنه. وقائع أليمة وقد سرد لنا محمد الحمادي - أخصائي نفسي - بعضا من القصص الواقعية التي عايشها من خلال دراسته وعمله في هذا المجال، حيث قال ان الكثير من الأسر تجهل تماما كيفية التعامل الصحيح مع أبنائها ممن سجنوا في قضايا مختلفة كالمخدرات وغيرها، وتم عقب ذلك الافراج عنهم، مما يجعل الابن يرجع لانحرافه مرة أخرى وعقب فترة وجيزة فقط، ومما لمسته لاحظت ان السبب قد يعود إلى رفقاء السوء في أغلب الأحيان والذين غالبا ما تفوق أعمارهم ضعف أعمار الضحية وهو الابن المنحرف، وهذه نقطة هامة جدا على الآباء أن يضعوها أمام أعينهم، فالكثير من المشاكل الانحرافية والاضطرابات السلوكية التي يعاني منها الأبناء يكون السبب الأول إن لم يكن الأوحد فيها إلى معاشرة الابن لمن هم أكبر منه سنا بكثير، وفي المقابل لاحظت أيضا ان هنالك فئة كبيرة من أولياء الأمور ممن ينقصهم الوازع الديني والتعليم الجيد ويتهم أبناؤهم بالانحراف، اضافة إلى انني ومع مقابلاتي المستمرة بأولياء الأمور وجدت ان أحدهم يقول لي وبكل ثقة انه وفر كل شيء لابنه من سيارة فارهة وهاتف خاص وآخر نقال ويعيش في غرفة تتوافر فيها كافة الامكانيات والمتطلبات التي قد يحتاجها ابنه ومع ذلك انحرف الابن واعتاد ارتياد السجون، ولمثل هذا الأب أقول نعم لقد وفرت كافة الماديات التي قد يحتاج أو حتى لا يحتاج إليها ابنك ولكن أين العاطفة والجانب المعنوي والحب الأبوي لابنك، ألا تعرف ان مثل هذا الابن هو بحاجة إلى تواجدك المستمر معه بقدر يفوق كثيرا جدا حاجته لنقودك، ألا تعي ان هذه الماديات التي وفرتها له كانت هي السبب الرئيسي في انحرافه في ظل بخلك وشحك العاطفي، وهل فكرت يوما أن تجلس مع ابنك وتناقشه أو حتى تلمه بين أحضانك كي يشعر بك وبتواجدك الفعال في حياته، هل راقبت أصدقاءه الذين اعتاد الخروج معهم، في هذه اللحظة وعقب طرح هذه الأسئلة الصريحة لم يجد الأب بدا من الاعتراف بخطئه وتقصيره ولكن بعد فوات الأوان. تستر الأم ومن الوقائع الأخرى أضاف الاخصائي محمد أن تستر الأم يلعب دورا هاما في انحراف الابن وهذا يتضح جليا في قضية شاب أصبح من المدخنين بسبب ذلك التستر والذي فسرته الأم بحسن نية حين قالت: خفت أن يعاقبه والده لو علم بأنه يدخن، لذا كنت أحاول اخفاء الأمر عن زوجي خوفا من الضرب أو أي نوع من العقاب الذي قد يستخدمه تجاه ابننا، ورغم النية الصافية التي تحملها الأم بين حنايا فؤادها تجاه أبنائها إلا ان تعرض الابن للعقاب منذ الوهلة الأولى أفضل بكثير من ترك الحبل على غاربه، وجني الويلات بعد ذلك، بل والأدهى من كل هذا وذاك هو قصة شاب أراد الأبوان اصلاحه بطريقتهما الخاصة، فحين علما بأن ابنهما يتعاطى المخدرات قالا له وبكل صراحة اشرب الخمر فهو أفضل من المخدرات، وهذا التصرف بقدر ما يُظهر جهل الأبوين فانه في الوقت ذاته يُظهر مدى التعامل السلبي مع السلوك المنحرف عند الابن، وحين سألت الأم عن سبب هذا التوجه والتفكير الغريب قالت بأن ابنها هو الذي أشار إليها بأن شرب الخمر أهون وأقل تأثيرا من تعاطي المخدرات الذي قد يسبب الادمان، فانصاعت الأم واقتنعت بما سمعته من الابن دون أن تدرك حقيقة ان الخمر من الممكن أن يدمر خلايا المخ بشكل أكبر من المخدرات وان كليهما بلاء وداء مستفحل. وأضاف الاخصائي أيضا ان جهل أحد الأبوين أو كلاهما لا يمكن أن يعتبر سببا منفردا في انحراف الابن، حيث ان هنالك العديد من الأطفال من الممكن أن تظهر لديهم بوادر الانحراف السلوكي في المستقبل حتى لو كان الوالدان على درجة علمية عالية، فحين التقيت والدة أحد المنحرفين، فوجئت بها أنها امرأة أكاديمية وعلى درجة عالية من الثقافة والخبرة، ولكن أنانيتها دفعتها لترك أبنائها في أصعب وأهم مراحل حياتهم في سبيل إكمال دراستها العُليا، والنتيجة الحتمية هو انحراف معظم الأبناء في الوقت الذي كانت فيه الأم تمارس أنانيتها في تحصيل الشهادة العليا، لتتجرع مرارة ما صنعته يداها من أنانية وحب للذات دون مراعاة لمتطلبات أبنائها وحاجتهم الملحة لتواجدهم معها. أعراض ومسببات وحول مظاهر الانحراف السلوكي عند الأطفال دون سن 12، قال الأستاذ محمد راشد بن ديماس - استشاري المراهقة وتربية الأبناء: ان هنالك العديد من السلوكيات المنحرفة التي يجب أن يلاحظها أولياء الأمور في أطفالهم، ومنها التدخين والاصرار على الكذب والهروب من المدرسة والذي يحتاج لتقويم فوري، والتعدي بالضرب على الآخرين كسلوك دائم وشم الغراء أو البترول وتعاطي أي نوع من المخدرات اضافة إلى ملاحظة ما إذا كانت الفتاة أو البنت الصغيرة تكتب رسائل حب موجهة لشخص ما مما يعني وجود نوع من الانحراف لديها، وأود أن أنوه إلى ان وجود مثل هذه العوارض غير السوية تكون أخطر لو تواجدت عند الأطفال ممن هم في الفئة العمرية التي تقل عن 12 سنة مقارنة بمن هم في الفئة العمرية الأكبر، أما عن مسببات مثل هذا الانحراف السلوكي فهي عديدة وتتولد أغلبها داخل محيط البيت كعدم وجود سياسة ثابتة في معاملة الطفل ومعاقبته باستمرار في مواطن قد لا يحتاج فيها الطفل للعقاب مما يولد لديه الانحراف، والعكس أيضا صحيح بمعنى حجب العقاب عن الطفل، فيتولد لديه الانحراف، علاوة على عدم التعامل مع أخطاء الطفل بسياسة النفس الطويل وهذا ما يدعونا إلى القول ان العنف لا يولد إلا العنف وان استخدام القوة باستمرار تولد عدم الاستجابة، ومما هو جدير بالذكر ويعد من مسببات الانحراف لدى الأطفال، عدم محاولة معرفة أسباب السلوك الخاطئ، فمثلا لو سرق الطفل لأول مرة يجب على الوالدين إدراك السبب وراء ذلك فقد يكون عدم اعطائه للمصروف بالشكل الصحيح والقدر المناسب وهنا تتضح أهمية تفهم الدوافع قبل اللجوء للعقاب الفوري. وأضاف بن ديماس انه يجب اجتثاث السلوك الخاطئ والمنحرف من الجذور وقبل فوات الأوان عن طريق المراقبة المستمرة للأطفال فكما يقول المثل «التعليم في الصغر كالنقش في الحجر»، حيث انه لو تأصلت في الطفل السلوكيات الخاطئة صعب العلاج، بمعنى انه من السهل تقويم سلوك الطفل منذ البداية ولكن عندما يكبر هذا الطفل يكون التقويم صعبا، وهذا ما يدعونا إلى القول ان من مسببات الانحراف عند الأطفال الاسراف في المكافآت كتعويده على فعل أو عدم فعل شيء معين إلا بمقابل، فيكبر الطفل وقد اعتاد على هذا التصرف الخاطئ، اضافة لذلك نرى الكثيرين من أولياء الأمور يقارنون طفلهم بغيره من الأطفال وبطريقة غير عادلة مما يحط من نفسية هذا الطفل ويصاب بالتالي بالاحباط مما يؤدي به للانحراف، كما انه من الضرورة بمكان اشباع حاجة الطفل من العاطفة والتدليل والحب والحنان والتقدير، فالأطفال مثل الكبار إذا لم تشبع حاجاته الأساسية فانه سيشعر بالاهانة والتحقير وعدم احترام وتقدير الطرف الآخر الذي يمثله غالبا الأبوان، ومما سبق يجب ملاحظة مدى أهمية الاتفاق على نهج تربوي واحد بين الوالدين تجاه أطفالهم، فالطفل ذكي ويستطيع التمييز منذ أن يبلغ العامين، ويجب أن يكون هذا الاتفاق على شكل نقاش جدي بعيد عن ناظري وسمع الطفل، وهنالك نقطة هامة جدا أود ذكرها وهي عدم التركيز على السلوكيات الخاطئة عند الطفل بل يجب في المقابل رصد السلوكيات الايجابية ومدحها وتشجيع الطفل على الاستمرار فيها. علاج الاضطرابات وفيما يتعلق بالطرق السليمة لعلاج الاضطرابات السلوكية عند الأطفال أكد بن ديماس على ضرورة التدرج في العلاج وذلك لا يتم إلا عن طريق التلميح أولا وهو ما يسميه علماء النفس بالتعريفي وهذا الاسلوب يعد الأفضل لانه لا يفيد الطفل المقصود وحده بل انه يصلح من تصرفات الأطفال الآخرين لانه لا يشعر الطفل بأي انحطاط في شخصيته أو تقليل من شأنه، وعقب ذلك يأتي دور التوجيه المباشر كقول ولي الأمر افعل كذا ولا تفعل كذا، وإذا لم يفد هذا الاسلوب يجب اللجوء إلى التوبيخ وتحمير العين والنهر، وأخيرا يجب على الوالدين أن يقاطعوا ابنهم مدة تحددها طبيعة السلوك الخاطئ الذي ارتكبه الطفل، ومن الأساليب الأخرى التي ننصح باتباعها لتقويم سلوك الطفل هي العقاب الذاتي بمعنى ترك الطفل يتحمل نتائج السلوك والخطأ الذي ارتكبه ولكن يجب التنويه إلى ضرورة وجود ضوابط حين اتخاذ مثل هذا الاسلوب لان الطفل قد يرتكب خطأ يعرضه للضرر والخطر الفادح لانه عندها يجب توجيهه، علاوة على ما سبق نرى ان بعض الأطفال يقومون ببعض السلوكيات الخاطئة على سبيل لفت الانتباه فحسب وعندها يراعى تجاهل الطفل تماما وهو ما يسمى «الانطفاء» أي اننا نطفئ السلوك الخاطئ لدى الطفل بتجاهل رغبته في لفت الأنظار إليه، والأهم من كل هذا وذاك هو تجنب أي موقف مثير لدى الطفل وابعاد الأبناء عن المواقف التي تتسبب في ارتكابهم لأي سلوك غير مألوف وغير صحيح، لان تقويم سلوكهم عن طريق معرفة مواطن الخطأ أفضل بكثير من العلاج نفسه، وأركز أخيرا على مسألة التدرج في العقاب والذي يعد مطلبا رئيسيا، وأنصح بعدم اللجوء للضرب إلا بعد سن العاشرة مهما كان الخطأ فادحا. اضطرابات متنوعة وفي السياق ذاته أشار الدكتور عبدالله عبدالغني غانم - رئيس قسم علم الإنسان بجامعة الاسكندرية ورئيس شعبة منع الجريمة والخبير بمركز بحوث شرطة الشارقة إلى انه أجريت بحوث عديدة أوضحت ان هناك مظاهر تعكس اضطراب السلوك عند الطفل في المراحل المبكرة من العمر (أقل من سبع سنوات) ومنها سرعة الاستثارة والضجر، والقلق العام والجبن والخجل، والمخاوف المبالغ بها، وعدم التحكم في المثانة، والعصبية، والقسوة والعدوان، وصعوبات النطق، وضعف الرغبة في الطعام والمبالغة في حب أنواع معينة، والكذب، اضافة إلى أنماط من الانحراف كالسرقة. ولكن معظم هذه الاضطرابات تختفي مع التقدم في العمر ولا يجب النظر إليها كمشكلة. بحيث يمكن القول ان مثل هذه المظاهر لا تشكل خطرا وليست مشكلة بل هي أمور عادية في الأطفال دون الخامسة. ولا تلبث أن تزول بزوال أسبابها، ولكنها تصبح مشكلة ومؤشر يجب الاهتمام به فيما بعد الخامسة من العمر. وخاصة إذا استمرت مظاهرها بعد السابعة من العمر، حيث ان معظم هذه الاضطرابات هي أعراض لأسباب مؤقتة أو وقتية وتزول بزوال السبب فقد ترجع الأسباب كالغيرة من الاخوة أو الخوف من المعلم أو غيرهما، ولذلك فهذه الاضطرابات لا تشكل أعراضا بالمعنى الحقيقي لكلمة الانحراف ولذلك فان القانون - خاصة قانون الأحداث - يبدأ تطبيقه بعد السابعة على مرتكبي السلوكيات الانحرافية من الأطفال. كما تأخذ الاضطرابات السلوكية أشكالا أخرى متطورة في الفترة 7-18 سنة من عمر الطفل ونجد هنا نوعين من اضطرابات السلوك، هما اضطراب السلوك غير المجرم قانونا، واضطراب السلوك المجرم قانونا، وفيما يتعلق بالاضطراب غير المجرم قانونا فيعني اضطراب السلوك الذي لا يعتبر انحرافا بالمعنى القانوني - وان كان يشكل انحرافا أخلاقيا وقيميا - مثل الكذب والعنف البسيط مثل الاعتداءات البسيطة، التدخين، اهمال الواجبات، عدم احترام الوالدين، عدم الانضباط السلوكي، الأنانية المفرطة، التجاوزات مع الكبار، عدم تحمل المسئولية، الجبن، المخاوف المبالغ فيها من لا شيء حقيقي، الشره والاسراف الشديد، العصيان والتمرد على القيم والأسرة، الميل للتدمير (كسر وتخريب المقاعد أو النوافذ بالمدرسة مثلا ... إلخ). أما الاضطراب المجرم قانونا، فانه يتمثل في ذلك النمط السلوكي الذي يجرمه القانون ويعتبره انحرافا ويترتب عليه تدابير أو أحكام، وهنا أخذ القانون بالمعنى الواسع لحماية الطفل من الانحراف فوسع من دائرة الاضطرابات السلوكية التي يتدخل فيها القانون لاصلاح الطفل. لذلك وجدنا القانون يتدخل في نوعين من أنواع الاضطرابات السلوكية لدى الطفل، والنوع الأول هو اضطرابات سلوكية أي يتدخل القانون في الحالات التي تنبئ بأن طفلا ما معرض للانحراف - أي لم ينحرف بالفعل ولكنه اعتاد أنماطا سلوكية تعبر عن اضطراب سلوكي بلغ هذا الاضطراب مرحلة يمكن أن يتحول فيها هذا الاضطراب إلى انحراف حقيقي - وهنا يتدخل القانون لحماية الطفل. وأضاف انه من مظاهر الاضطراب السلوكي الذي ينبئ بتعرض الطفل للانحراف هو أن يوجد الطفل متسولا وليس له موردا جديا للعيش، أو أن يقوم الطفل ببعض أنماط السلوك والأعمال التي وبفساد الخلق (كالقمار، المخدرات، المسكرات أو يتعامل مع منحرفين في هذا المجال)، أو إذا اعتاد الهروب من البيت أو المدرسة، أو إذا ألف المبيت بأماكن غير معدة للاقامة أو المبيت، أو إذا تردد على الأماكن المشبوهة أخلاقيا واجتماعيا، أو إذا خالط المنحرفين أو الذين اشتهر عنهم سوء السيرة أو فساد الخلق، أو إذا كان هاربا أو مارقا من سلطة أبوية، أو إذا كان مصابا بمرض أو ضعف عقلي يخشى منه على سلامته من الآخرين. الانحراف السلوكي الفعلي وقد أوضح الدكتور عبدالله غانم ان هذا النوع هو اضطراب سلوكي أخذ شكلا منحرفا بالفعل. بمعنى انه يشكل جريمة بالمعنى القانوني كالسرقة أو الاعتداء الجسيم وغيره، وهنا يجب أن نعلم ان هنالك صورا قد ينظر البعض إليها على انها تمثل انحرافا واضطرابا سلوكيا خطيرا ولكنها في الواقع اضطراب سلوكي يمكن علاجها فعلا فيما بعد بجانب أن وجودها ضروري للطفل بشكل خاص فالعناد والغضب والمقاومة والخلاف مع الوالدين تعبير طبيعي يجب ألا يجعلنا ننظر إلى الطفل على انه مضطرب سلوكيا اضطرابا يستوجب التدخل - ذلك ان خلو الطفل تماما من العناد مثلا قد يكون مؤشرا لضعف الارادة والخضوع والخنوع في المراحل العمرية التالية وعدم الاعتماد على الذات وعدم الاستقلالية، فالعناد يعبر في المراهقة عن الرغبة في الاستقلالية وتأكيد الذات والحصول على اعتراف الآخرين بوجود الطفل واحترامه. وقبول ذلك منه ببعض التسامح واشعاره بأنه جزء من الأسرة المجموعة وله احترامه مما يزيد من اطمئنانه وإلا نمت عنده العدوانية والكبت والمشاغبة وزيادة العناد، وكذلك القلق. فليس كل قلق يبديه الطفل يعتبر اضطرابا أو ينبئ باضطراب سلوكي، فالقلق الذي يبديه الطفل بل والمراهق حالة انفصاله عن أمه أمر طبيعي، كما ان الخوف أو القلق المعروف السبب أمر طبيعي اما غير المعروف السبب فهو الذي يجب أن نعتبره مؤشرا لاضطراب سلوكي. أسباب مظاهر الاضطراب السلوكي وعلاجه وحول أسباب الاضطراب السلوكي عند الطفل من مرحلة عمرية لأخرى فمظاهر الاضطراب السلوكي في المرحلة المبكرة من العمر أي دون السابعة عادة ما ترتبط بأسباب مؤقتة (كما قلنا مثل شخصية المعلمة بالمدرسة، اتباع الأسرة للعقاب البدني القاسي، إهمال الطفل أو نبذه، أو تفضيل أشقائه عليه، ترك الطفل وحيدا لفترات طويلة، المشكلات داخل الأسرة بين الوالدين أو طلاقهما، ومع تقدم العمر تزول معظم هذه الأسباب. واذا زالت شفى الطفل تماما بالفعل. أما إذا بقى بعضها فانه قد يسبب زيادة في اضطرابات الطفل السلوكية، مما قد تحوله لانحراف بالفعل في مراحل تالية، ومن أبرز الأسباب التي يستمر تأثيرها السلبي على الطفل ويزيد من اضطراب سلوكه بعد السابعة: انفصال الوالدين، أسلوب التنشئة البيئي، الضرب، التمييز بين الاخوة، العنف العائلي، عدم وجود القدوة في المنزل، وقد يضاف إلى هذه الأسباب التي استمرت مع الطفل من مراحل العمر المبكرة أسباب جديدة مثل رفقاء السوء، انحرافات وسائل الاعلام التي تؤثر بشكل مباشر في الطفل في مراحل المراهقة. وأضاف ان هناك نوعان أو جانبان لعلاج الاضطرابات السلوكية عند الأطفال، هما الجانب الوقائي - العلاجي ذو الطابع الاجتماعي والنفسي، والجانب العلاجي القانوني، أما الجانب الوقائي - العلاجي هو الأهم في الواقع. وهو وقاية فضلا عن انه علاج. حيث ان توفيره للطفل يجنبه أصلا الاضطرابات السلوكية ويقيه منها ويتمثل هذا الجانب في أسرة سليمة علاقات أفرادها سوية، وهذه تعمل على (تنشئة جيدة + اهتمام لا تسلط + حب وحنان ودفء أسري لا حزن ولا انفعالات مفاجئة + متابعة حريصة)، أو في مدرس تربوي ومدرسة تشكل منشأة تربوية قبل أن تكون منشأة تعليمية، واعلام منضبط، رفقاء أسوياء، واشباع معقول لرغبات الطفل دون تدليل ودون ارهاق بمطالب أكبر منه، وفي حالة ظهور الاضطرابات السلوكية واستمرارها وعدم زوالها تلقائيا. فان الأمر يتطلب العلاج ويتمثل العلاج في، العلاج الاجتماعي، أي علاج الجوانب الاجتماعية المسببة لاضطرابات السلوك عند الطفل. مثل علاج التفكك الأسري، وترميم العلاقات الأسرية، تصحيح أساليب التنشئة، مراجعة المدرسة، ابعاد الطفل عن رفقاء السوء ... وهكذا. أو العلاج النفسي، بمعنى ترك الفرص للطفل للتكامل النفسي واستعادة الثقة بالذات (بازالة المظاهر التي تسبب له القلق والخوف والكبت وفقدان الثقة بالذات أو الاسراف في الثقة بالذات، والاحباط والخنوع، مساعدة الطفل في التعبير عن نفسه دون خوف أو تعرض للسخرية، العلاج الطبي للأسباب التي تكون سببا لهذه الاضطرابات، كالأسباب المرضية، والبعد عن التوبيخ والعقاب البدني والتهكم من الطفل أو من مشاكل أو مخاوفه. وأخيرا العلاج القانوني: وهو العلاج الذي يتم اللجوء إليه عندما تنبئ الاضطرابات السلوكية باحتمال انحراف الطفل مستقبلا. وسبق الاشارة إلى مثل هذه الحالات التسع، أو عندما يرتكب الطفل جريمة أو عملا يجرمه القانون بالفعل، ولقد راعى القانون بالدولة مصلحة الطفل وظروف الطفولة بشكل كبير بحيث ان القانون يقضي في مثل هذه الأحوال بما يلي: لا تقام الدعوى الجزائية على الحدث الجانح الذي لم يبلغ من العمر سبع سنين كاملة، ومع ذلك يجوز لجهات التحقيق والمحاكم أن تأمر في جميع الأحوال باتخاذ الاجراءات التربوية أو العلاجية المناسبة لحالة هذا الحدث إذا رأت ضرورة لذلك. إذا ارتكب الحدث الذي أتم السابعة ولم يبلغ السادسة عشرة من عمره جريمة معاقب عليها في قانون الجزاء أو أي قانون آخر حكم القاضي باتخاذ ما يراه من التدابير. إذا ارتكب الحدث الذي أتم السادسة عشرة من عمره جريمة ويعاقب عليها في قانون الجزاء أو أي قانون آخر جاز للقاضي أن يحكم باتخاذ ما يراه من التدابير المنصوص عليها في هذا القانون بدلا من العقوبات المقررة. لا يحكم على الحدث بعقوبة الاعدام أو السجن أو العقوبات المالية. في الحالات التي يجوز الحكم فيها على الحدث بالعقوبة الجزائية تستبدل بعقوبتي الاعدام أو السجن المقررة للجريمة التي ارتكبها عقوبة الحبس مدة لا تزيد على عشر سنين. فاذا كانت الجريمة التي ارتكبها الحدث يعاقب عليها بالحبس، لا يجوز ان تزيد مدة الحبس التي تحكم بها عليه نصف الحد الأقصى المقرر لها أصلا. وتنفذ عقوبة الحبس التي قد يحكم بها على الحدث طبقا لهذه المادة في أماكن خاصة تتوافر فيها وسائل الرعاية الاجتماعية والتربية والتعليم. لا تسري أحكام العود على الحدث. مشكلات الطفولة المتأخرة وفيما يتعلق بالمشاكل والاضطرابات النفسية التي قد يعاني منها الأطفال قالت د. منى محمد العامري رئيسة قسم الرعاية النفسية بإدارة الرعاية النفسية والارشادية بوزارة التربية والتعليم والشباب ان المرحلة الابتدائية تضم تلاميذ من الجنسين تمتد أعمارهم من 6-12 سنة في المتوسط، ومن ثم فان تلاميذ المرحلة الابتدائية ينتمون من الناحية النفسية إلى أكثر من مرحلة من مراحل النمو النفسي، ولذلك فانهم يتعرضون لمشكلات متنوعة، تنتمي جميعها إلى مرحلة واحدة من النمو النفسي، وان من أهم المشكلات العامة التي يمكن أن يتعرض لها طفل المرحلة الابتدائية العليا الذي يبلغ متوسط عمره 9-12 سنة نذكر السرقة والتي تعكس عند الطفل احساسه بالحرمان والتي قد تكون مسألة نفسية قبل أن تكون مادية، بمعنى ان يكون حرمانا من العطف والحنان والرعاية وليس حرمانا من المأكل والملبس، أو قد يسرق بعض الأطفال من أجل تدعيم احترام الذات أو الاستمتاع بالاستثارة وحب المغامرة، أو برغبة لا شعورية في الانتقام من أحد والديه عن طريق التسبب في احراجهما، ويتم العلاج في هذه الحالة بتعليم الطفل كيفية احترام ملكية الآخرين، وأن يهتم الآباء بالاشباع النفسي والعاطفي والانفعالي للطفل، وأن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهم في سلوكهم وتخصيص مصروف منتظم للطفل وابعاده عن المغريات المادية المختلفة. وأضافت د. منى ان الهروب من المدرسة يعد مشكلة تربوية واجتماعية واقتصادية تثير القلق عند الآباء والمدرسة والمجتمع ككل، ومن أبرز أسبابه اتجاهات الوالدين اللامبالية نحو المدرسة والتعليم، أو شعور الطفل بالقلق المرتبط بالواجبات المدرسية الصعبة، أو قد يهرب بعض الأطفال من المدرسة بسبب خوفهم من العنف بداخلها أو البحث عن المغامرة بالتجوال في الشوارع أو عدم تشويق المدرسة لعملية التعلم وجذب اهتمام الطفل بالأنشطة المناسبة له ولقدراته، ومن أبرز طرق العلاج والوقاية أذكر ضرورة العمل على تكوين اتجاهات موجبة نحو المدرسة كما انه من المهم جدا أن يقيم أولياء الأمور اتصالا جيدا مع المدرسة، والاصغاء إلى الأسباب التي يذكرها الطفل لعدم ذهابه للمدرسة، ويجب كذلك مراعاة عدم مقارنة الطفل بأخيه أو زميله الذي يفوقه دراسيا حتى لا يشعر بالدونية والاحباط والفشل. كما أوضحت د. منى ان الطفل في تلك المرحلة العمرية 9-12 سنة قد يلجأ للعدوان كسلوك منحرف أو مضطرب وقد أوجدت عدة نظريات أسبابا للعدوان عند الطفل أهمها ملاحظة نماذج من سلوك الآباء والاخوة والرفاق وغيرهم، كما ان احباطات الحياة اليومية تستثير الدافع إلى العدوان لدى الإنسان، أو قد يؤدي غياب الأب لفترة طويلة إلى أن يُظهر الطفل تمردا على الأمهات عن طريق العدوان، وأكثر الأطفال يعتقدون ان التصرفات العدوانية تجاه الآخرين هي دليل الرجولة، أما عن العلاج فانه يتم عن طريق تجنب الاتجاهات الخاطئة في تنشئة الطفل والاقلال من مشاهدة برامج العنف في التلفزيون، وتنمية الشعور بالسعادة والحب لدى الطفل، واعطائه مجالا للنشاط الجسمي والحركي، كما انه يجب البحث عن أسباب المشكلة والكشف عن الحاجات غير المشبعة التي يمكن أن تكون قد أثارت العدوانية وأخيرا عدم انفعال الآباء وثورتهم أو عقابهم للطفل حينما يثور أو يغضب ويجب عليهم أن يدربوا أنفسهم أولا على ضبط النفس والتحكم في ثورات الغضب، فالطفل يقلد والديه والراشدين من حوله، والأهم من كل شيء أن يعي الآباء أهمية المرحلة العمرية من سن 9 إلى 12 سنة حيث انها تسبق مرحلة المراهقة مباشرة.