لا احد يعرف بالضبط من هو صاحب فكرة امتحانات المرور بالشكل الذي تتم به حاليا، والتي يقال ان هدفها الاساسي والمعلن هو حصول الطالب، على حلم العمر.. وامل الماضي والحاضر والمستقبل، المعروف مروريا وجماهيريا باسم «الليسن». ولا احد يعرف ايضا بالضبط تاريخ نشوء فكرة هذا الامتحان، ولا المراحل التي مر بها حتى وصل الينا بصورته المطبقة عندنا في الوقت الحالي، وهل تم استيراد قواعد هذا الامتحان او اقتباسها من الدول المتقدمة، ام هي من وضع خبرائنا العرب ومن وحي تراثنا المروري العربي، حين كان راكب الحصان لا يعطى رخصة (فارس خصوصي) او (فارس عمومي) الا بعد ان يمر بأكثر من (تراي)، يثبت في مجموعها خبرته في تخطي الحواجز.. واجتياز المرتفعات.. والمرور في الاسواق الى جانب مهارته في الرجوع بحصانه (ريوس) اذا اقتضت الضرورة عند ملاقاة الاعداء واثناء الكر والفر..! ولكن الذي لا شك فيه هو ان هذه الامتحانات مع دقتها وصعوبتها، ومع اختباراتها التي تؤهل من يجتازها ــ اذا اجتازها ــ لقيادة (الكونكورد).. قبل ان تؤهله لقيادة سيارة (غلبانة) تسير ببركة دعاء الوالدين قبل ان تسير بمهارة سائقها في القيادة، اقول ان هذه الاختبارات مع كل ما قيل ويقال فيها لم تفلح في وقف الانفلات المروري السائد، والذي ادى ويؤدي الى وصول (الدعم) لمستحقيه.. ولغير مستحقيه..!! ونظرة متأنية الى سجلات الحوادث المرورية. وخاصة المروعة منها تؤكد انه ليس بينها حادثة كان سببها عدم خبرة السائق في الرجوع الـ (ريوس)، ولا سيارة تدهورت لأن سائقها فشل في صفها برشاقة الى جانب الرصيف، ولا اخرى انشطرت لأن صاحبها وقف بها في (الممنوع)، بل الغريب والعجيب ان معظم الحوادث ــ ان لم يكن كلها ــ والتي تفرض نفسها على الصفحة الاولى من الجرائد اليومية تحت عناوين بارزة من عينة (حادث مؤسف).. او (حادث مروع) او (كارثة مرورية) مصحوبة بصورة شيء كان قبل دقائق من تصويره يسمى (سيارة)، المهم.. من الثابت ان هذه الحوادث الكبرى ومثيلاتها انما تمت على ايدي سائقين محترفين ومخضرمين في حمل (اللياسن) المحلية والدولية، وبسيارات سليمة وجديدة ومن احدث واقوى الموديلات والماركات التي مرت واثقة بكل عمليات الفحص الدقيقة عند التسجيل او التجديد، سيارات لا تعاني من قلة الـ (بوليش) ولم تشك يوما من ضعف في انوارها الامامية او الخلفية.. ولم يصب الاعياء مساحات الزجاج فتراخت حركتها او توقفت..! الا يدعونا ذلك الى وقفة نعترف فيها بأن امتحاناتنا المرورية وقواعد الفحص المروري للسيارات تناولت كل شيء بالتمحيص والتدقيق، واهملت في نفس الوقت شيئا اهم من هذا كله، هذا الشيء ــ للاسف ــ لا يوجد في موتور السيارة.. ولا في مراحلها.. ولا في هيكلها، ولا في اضوائها واشاراتها، وهو ايضا ليس تلك البطاقة الغالية المسماة بالليسن.. ولا الاخرى المسماة بالملكية. باختصار هذا الشيء الثمين والمهم، والمتحكم الاول في السيارة وفي قيادتها لا يوجد في السيارة ولا في جيب صاحبها.. بل داخل (جمجمته)، انه العجيب المثير المسمى بـ (المخ)، وبدون اختبار ذلك المخ اختبارا دقيقا لمعرفة حقيقة تكوينه.. وطبيعة توجهاته، ستبقى كل الفحوصات السابقة شيئا نظريا لا قيمة له الا باختبار حقيقي ودقيق للمتحكم الاساسي في السيطرة عليها، وبدون وضع الضوابط والروابط لفلتاته وانحرافاته التي عادة ما تضيف كل يوم ارقاما جديدة الى رصيد ضحايا المرور، وستظل الحوادث المرورية في تصاعد، وفي تزايد يحقق لنا اول تفوق عربي يضرب كل الارقام القياسية الدولية في عدد وحجم ونوعية حوادث السيارات، ويؤهلنا بجدارة لتصدر دوري الاولمبياد المروري العالمي! نريد ــ قبل منح الليسن ــ اختبارا يقتحم ذلك المجهول الذي يسبق باختلاله اختلال عجلة القيادة، والذي يحتاج الى اكثر من (بريك) لكبح جماح نزواته اللامسئولة، والذي لا قيمة لأي (ليسن) امام شطحاته، ولا وزن لنوعية السيارة او قوتها مع فساد نوعيته هو.. اوانتهاء مدة صلاحيته! ما قيمة اجتياز طالب الرخصة (الذي قد يكون بمخه المذكور كل الوان العقد النفسية والانحرافية والاستعراضية) لاختبارات المرور مهما تعقدت وتعددت، ومهما غالت وطالت، اذا كان حامل هذا المخ لا يكاد يحصل على (الليسن) ظافرا منتصرا، حتى يلقى جانبا بكل السيناريوهات التي قام بتمثيلها امام لجان الاختبار، ويسرع باطلاق سراح عقده التي كان يحاول جاهدا كتم انفاسها خلال فترات الامتحان والفحص، فما يكاد يستلم (الليسن) حتى ينطلق مزهوا بسيارته، متصورا ــ لسبب غير معروف ولا مفهوم ــ ان هذا (الليسن) يعطيه الحق في ركوب السيارة.. والشارع.. بل والناس ايضا، فيرمح بطريقته الثعبانية الالتفافية المعروفة، متخطيا هذا.. ومتجاوزا ذاك.. ومتحديا ذلك، واخيرا منقلبا فوق هذا وذاك، او تحت ذاك وهذاك!! شيء ما يحدث في (جماجم) بعض الناس حين يقودون سيارة، شيء قد لا يكون ظاهرا للاخرين، الذين يرونه قبل ركوبه السيارة انسانا عاديا، يبدو الى حد ما عاقلا رزينا، ولكنه لا يكاد يجلس على مقعد القيادة ويدير مفتاح (السويتش)، حتى يدور مع دوران موتور السيارة ذلك الشيء الغريب في جمجمته، فاذا بالسيارة تصبح في يده وسيلة فريدة لاطلاق كل المخزون العقدي لديه، انها فرصة مجانية لتعويض نقص ما يعاني منه، قد يكون عاجزا عن التحكم في بيته.. او في عمله، او حتى في نفسه، فليتحكم اذا في تلك السيارة المسكينة التي لا تملك ان تعصي له امرا، وليظهر للناس، كل الناس، كم هو قوي.. وكم هو بارع.. وكم هو ماهر، واخيرا وليس اخرا كم هو مقلوب، وكم هو متدهور.. وكم هو مكسور.. أو كم هو مرحوم! ولا عزاء للسيارات!