بعض الأشخاص لا نشعر بقيمتهم أو أهميتهم الا بعد ان يرحلوا عن عالمنا، وينطبق هذا القول على الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، حيث اصبح اسمه، طوال سنوات عديدة ملازما لاسم فرنسا، وعندما رحل نعته فرنسا، كما لو كانت تنعي نفسها. قالوا عنه بعد وفاته: خمسون عاماً من تاريخ فرنسا ذهبت الى غير رجعة وقالوا عنه أيضا: استطاع هذا الرجل ان يجسد فرنسا بكل ما فيها من تناقضات، من المقاومة الباسلة للغزو الالماني الى الاشتراكية الى الليبرالية الى الكاثوليكية الى العلمانية الى الشمولية الى التسامح. كان ميتران فرنسياً حتى النخاع، وكان أكثر السياسيين الفرنسيين إثارة للجدل، كان على النقيض تماما من شارل ديجول، فعلى الرغم من شخصية الجنرال ديجول المتطرفة الا انه كان بطلاً قومياً لا خلاف عليه وتجسيداً حياً لشجاعة فرنسا وعزمها وكبريائها، لكن لم يكن أبداً ممثلا لرجل الشارع الفرنسي أو معبراً عنه. أما فرانسوا ميتران فقد كان رئيسا بارزاً، وكانت فترة رئاسته تاريخاً اتسم بالابتكار والغموض على الرغم من الفضائح التي شابت جوانب من حياته احاطها الغموض. ان الخلاف بين ميتران وديجول ــ وهو أحد الركائز التي يعتمد عليها الكتاب الذي نناقشه هنا مرتبط على وجه الخصوص بفكرة ديجول عن نفسه وعن الفرنسيين. كان ديجول هو فرنسا، وفرنسا هي ديجول، الذي لم يكن لديه ادنى شك في انه يجسد فرنسا، لكنه لم يستطع ان يبدي اي اهتمام ببقية العالم، كما لم يتأثر به. لكن فرانسوا ميتران كان فرنسيا من نوع آخر، حيث كان بحكم النشأة والتعليم يجمع بين العالمية والفرنسية في الوقت نفسه. اما ديجول فقد كان زعيماً معقداً بالنسبة للامريكيين وللشعوب الاخرى غير الفرنسية، لأنه كان يحدد هدفه ثم يحشد كل طاقاته نحو هذا الهدف. ديجول ليس وحده «لم يكن ديجول هو الوحيد في تاريخ فرنسا» هكذا قال ميتران في احدى آلمقالات الصحافية بموضوعية تامة. وهذه حقيقة بالفعل، فلو لم يكن ميتران زعيماً عظيماً (على الرغم من انه كان كذلك في لحظات المشكلات العصيبة التي واجهها فيمكن القول على الاقل انه كان سياسيا موهوبا، بارزاً، وقائدا له رؤية استراتيجية وبصمات واضحة ليس فقط على السياسة الفرنسية بل وعلى السياسة الاوروبية. لقد حقق ميتران المعادلة الصعبة، فعلى الرغم من اخفاقاته، التي كانت كبيرة بحجم تجربته ـــ الا انه حقق ايضا انجازات لم يستطع ان ينكرها منتقدوه طوال فترة حكمه. جانب كبير من شخصية ميتران هذه تكوّن من دخوله المبكر في مشكلات عصره وتفاعله معها مسلحاً بالتحديات التي تشكلها طموحاته أولاً ثم جوهر المشكلة ثانياً. كان من أبرز الاسلحة التي يتسلح بها ميتران فن الجدل، وكان حواره مع الآخرين يتسم بالتهكم والسخرية والدعابة، والاكثر من ذلك رغبته في خوض المعارك السياسية الكبرى عملاً بقول ديجول المأثور: لكي تكون عظيماً يجب ان تكون قضاياك عظيمة. ولكي يقحم نفسه في القضايا العظيمة، استخدم نوعاً من الشجاعة التي ساهمت في تقويته، وخدمت طموحاته في الوفت نفسه. كان فرانسوا ميتران رئيساً لفرنسا دورتين مدة كل منها سبع سنوات من عام 1981 الى عام 1988 ومن عام 1988 الى عام 1995، وكانت ولايته الاولى مليئة بالمشكلات لكنها في النهاية كانت مثالاً حياً على ما يمكن ان يطلق عليه «السياسات الجمهورية المكيافيللية» حيث حققت هذه السنوات السبع انجازات مهمة من الوضوح والشرعية السياسية والاجماع الاخلاقي السياسي في الحياة السياسية الفرنسية وفي الثقافة السياسية عموماً. هذه التغيرات تقف شاهداً وتضع حداً فاصلاً للتفكير الفرنسي وهي: الاشتراكية والشرعية وأوروبا. في ولاية ميتران الاولى، حاول ان يجرب الاشتراكية ففي الفترة من عام 1981 الى عام 1984 جاءت ثلاث حكومات جميعها تولى رئاستها بيير موروي، وقامت بتنفيذ معظم البرنامج الاشتراكي الطموح منذ حكومة كليمنت أتلي في بريطانيا في اعقاب الحرب العالمية الثانية. كان أحد اخفاقاتها ونصف نجاحاتها يكمن في اعادة الاشتراكيين والشيوعيين الى الحياة الذين كان عليهم ان يواجهوا الحقيقة. ووصل الامر الى نقطة اللاعودة في فرنسا حتى قبل مجيء ميخائيل جورباتشوف الى السطة في الاتحاد السوفييتي عام 1985. وفيما يتعلق بزيادة الشرعية للمؤسسات الفرنسية، فإن ميتران لم يف بوعده باعادة تنشيط البرلمان الفرنسي، مقارنة بما حدث في فرنسا في عهد ديجول، بل على العكس ففي يوم الانتخابات لم يتردد في ان يرتدي قميص الرئاسة الديجولية فائقة القوة، وكان تبريره لذلك هو أنه «عندما اتيت الى السلطة كنت مجبراً على ان افعل كل شيء بسرعة». لقد كان في حاجة الى الرئاسة الديجولية لكي يحكم قبضته على الموقف المشوب بالمخاطر. وكانت الحكومة الشرعية هي ثاني التطورات التاريخية التي قام بها فرانسوا ميتران.. كان ذلك انجازاً مهماً بكل المقاييس بالنسبة لرجل انضم الى الحزب الاشتراكي وهو في الخامسة والخمسين من عمره. اما ثالث وآخر التغيرات الخطيرة في الولاية الاولى لميتران فكانت في شخصية التزام فرنسا بالتكامل الاوروبي. لقد جعل ميتران اليسار الفرنسي من المديرين ذوي الخبرة مع المحافظين الفرنسيين في الشراكة الفرنسية الالمانية القوة المحركة للتكامل الاوروبي. وبهذه السياسة الاوروبية اراد ميتران ان يبرهن على أنه يستطيع ان يحكم عالميا عن طريق الديجولية حيث قام بطريقة حاسمة بتحديث سياسات ديجول الخاصة في الستينيات فيما يتعلق بحكومة عالمية محدودة او ما أطلق عليه «اوروبا الشعوب». ومثلما فعل ديجول، فإن ميتران بدأ من الاهتمام بمصالح فرنسا الوطنية، ولكن في العصر الجديد للعولمة الاقتصادية وسياسات ما بعد الحرب الباردة وفرنسا الصغيرة نسبيا فإن المصالح الوطنية الفرنسية يمكن زيادتها الى الحد الاقصى فقط بتوسيع التكامل الاوروبي في خليط من المصالح الوطنية العليا والفيدرالية. اما الولاية الثانية لميتران فقد واجهتها حركات دولية مهمة، منها انهيار الشيوعية والوحدة الالمانية والتحول السياسي والاقتصادي الكبير في الاتحاد السوفييتي الذي طال انتظاره واتفاقية ماستريخت التي كانت ايذاناً بمرحلة جديدة في التكامل الاوروبي وذهاب يوغسلافيا السابقة الى الجحيم. تلك هي المشكلات التي واجهها ميتران خلال ولايته الثانية بالاضافة الى انه في آخر ثلاث سنوات من حكمه كان يعاني بشدة من سرطان في البروستاتا. والغريب انه تم اكتشاف هذا المرض اول مرة عنده في خريف عام 1981 عندئذ أمر اطباءه والمحيطين به بكتمان هذا السر. وهذا قرار آخر مثير للجدل حيث وعد عند بداية حكمه ان يكون اميناً مع الرأي العام فيما يتعلق بصحته ولكنه لم يف بهذا الوعد. كان ميتران قد استطاع تاريخياً ان يؤهل نفسه مع بريجيت باردو سياسياً لكي يصبح احد نجوم الجمهورية الرابعة من خلال الصراع السياسي. استمرت الجمهورية الرابعة من عام 1946 إلى عام 1958 وتميزت بالعودة الى التقاليد القديمة منذ عصر نابليون بونابرت الى عصر آل بوربون، لكنها كانت جمهورية ضعيفة جداً واتسمت بالبيروقراطية. الأحزاب الصغيرة استطاعت ان تلعب ادواراً حاسمة في اقامة حكومات ائتلافية حيث تم 24 تغييراً وزارياً في 11 عاما. كان يتعين على ميتران ان ينضم الى احد الاحزاب السياسية حتى يكون له مستقبل برلماني، واستطاع مع صديقه القديم رينيه بليفان وبعض الاصدقاء الآخرين تشكيل حزب صغير له اسم كبير «اتحاد الاشتراكيين والديمقراطيين للمقاومة» وفي هذا الحزب لم يعد ميتران يمينياً أو يسارياً، وكان الحزب اضعف من المنافسة، لكن كان اقوى من الإلغاء. وظهر ميتران بسرعة كأحد نجوم الجمهورية الرابعة، حيث شارك في حكومات كثيرة اكثر من اي سياسي آخر، حيث كان وزيراً في ثماني حكومات من اجمالي 14 حكومة خلال الفترة من 1946 إلى 1958 وتقلد خلالها ايضا بعض المناصب الهامة. وشغل منصب وزير المستعمرات عام 1951 ووزيراً للداخلية عام 1954 ووزيراً للعدل عام 1956 وكان ممثلاً للحكومة في تكريم الفائزين في مهرجان كان. وهناك العديد من الصور له مع الفنانة بريجيت باردو كما اختارته احدى المجلات النسائية الشهيرة باعتباره أكثر عشر شخصيات جاذبية في فرنسا. في أواخر عام 1944 واوائل عام 1945 عمل ميتران في اكثر من وظيفة صحفي وكاتب ورئيس تحرير من بينها رئيس تحرير لمجلة «نحن احرار» التي اصدرها الشيوعيون. وخلال عامي 1950 و1951 اظهرت افريقيا لأول مرة في الافق السياسي لميتران، عندما اصبح وزيراً للاقاليم الخارجية في حكومة رينيه بليفان وعن هذه التجربة قال ميتران انها ساهمت في توسيع افقه خارج اوروبا، وكان هناك سبب آخر لتعيينه وزيراً للداخلية عام 1954 فقد كانت الجزائر لاتزال جزءاً من فرنسا وبالتالي يسري عليها قوانين وزارة الداخلية وقد وضع ذلك ميتران في مأزق الجزائر. فعلى العكس من ذلك كانت وزارة الخارجية مسئولة عن تونس والمغرب وكانت هناك وزارة خاصة مسئولة عن اندونيسيا. وبعد ذلك قرر ميتران رفض كافة مناصب الجمهورية الرابعة وعلل ذلك بقوله: «لقد كانت مناصب من الدرجة الثانية صحيح انها كانت مهمة الا انها كانت من الدرجة الثانية عندما بدأت الجمهورية الرابعة كنت في الثلاثين من عمري وعندما انتهت الجمهورية الرابعة بدأت لتوي حياتي السياسية». وبعد ان قضى حياته معارضاً حتى الجمهورية الرابعة تخلى عن معارضته. نقطة التحول هذه لشخصية ميتران تكمن في ان انهيار الجمهورية الرابعة نتيجة للثورة الجزائرية وعودة شارل ديجول الى السلطة. المستقبل يبدأ الآن كان رفض ميتران لعودة ديجول الى السلطة في مايو 1958 وللجمهورية الخامسة في اكتوبر كان عملاً يتسم بالشجاعة وقد وقف مع مجموعة من النواب وحيدين بين الموجة الديجولية العاتية والحزب الشيوعي.. فأي مستقبل سياسي ينتظر هؤلاء؟ وفي عام 1965 تقدم ميتران للانتخابات الرئاسية لاول مرة وكانت أول انتخابات مباشرة، بعد التغيير الدستوري في عهد ديجول والذي بمقتضاه اصبحت الرئاسة هو القوة الفعلية وليس البرلمان. ولانها أول انتخابات رئاسية مباشرة في تاريخ فرنسا، فلا أحد يعلم كيف ستسير. توقع ديجول انه سوف يفوز بسهولة، لكنه لم يتمكن من قراءة الانتخابات السياسية لقدرته على قراءة مجريات الحروب. لقد ناضل كل من الاشتراكيين ويسار الوسط من اجل العثور على مرشح بارز، استحوذ الشيوعيون على 20% من الاصوات لكن عزلتهم الشديدة. التي كانوا يتباهون بها ذات يوم جعل عليهم من الصعب ان يدخلوا في تحالف مع قوى أخرى. دخل ميتران سباق الانتخابات الرئاسية في التاسع من سبتمبر 1965 بترشيح نفسه والتقدم بأوراق الترشيح اللازمة وهو نفس العام الذي تم فيه تصنيف ميتران يسارياً ان لم يكن رجل اليسار تماما وكان برنامجه الانتخابي خليطا غريباً يجمع بين المتشدد والتساهل والجديد. كانت اهم نقاط التشدد في برنامجه الانتخابي هي ادانة عصر شارل ديجول، وكان اكثر ما في هذا البرنامج تساهلاً هو «يساريته» التي لم تكن لا هي اشتراكية ولا هي شيوعية لكنها كانت اقرب الى اليسار الديمقراطي الاشتراكي الاوروبي، والتي تمثلت مبادئه في الكرم والشعور بالآخرين وتحقيق السعادة. وعلى عكس ديجول، ادعى ميتران انه اوروبي عبقري يفضل تكامل فرنسا مع الدول المجاورة والشريكة لبلاده. نجح ميتران نجاحاً نسبياً في انتخابات 1965 بدأ عقداً جديداً في السياسة الفرنسية لم يقطعها سوى الازمة غير المتوقعة في مايو 1968 بانهيار الديجولية وانتخاب الرئيس غير الديجولي جيسكار ــ ديستان في عام 1974 وظهور نجم اتحاد تحالف الاشتراكيين اليساريين مع الشيوعيين ومجموعات يسارية متشددة وبالتالي اطلق على ميتران الرجل العتيق للجمهورية الرابعة.. وبدا وكأنه يقود اليساريين في حملة منظمة ضد ديجول والديجولية وضد عصر القوة الشخصية.. وأصبح ميتران رجل اليسار. كان مايو 1968 في جوهرة تمرداً شاملاً غير متوقع للمجتمع ضد الدولة في فرنسا، وكان هذا التمرد موجهاً ضد ديجول والديجولية. وسرعان مابدأ الاضراب وانتشر كما تنتشر النار في الهشيم حيث شمل نصف القوى العاملة الفرنسية وبلغ عددهم أكثر من تسعة ملايين شخص من بينهم عدد لا بأس به من البرجوازيين والموظفين، وعدد كبير من العاملين في الاذاعة والتلفزيون وكل طلبه الجامعات باستثناء طلبة الكليات العلمية بل وشمل الاضراب طلبة المدارس الثانوية.. وتجمدت فرنسا بالكامل لمدة اسبوعين. وصحيح ان اضراب الطلبة وتمرد العمال يحدث في دول كثيرة مثل الولايات المتحدة واليابان والمكسيك وغيرها الا ان تمرد الفرنسيين في مايو 68 كان في مداه ومدته وكثافته حدثا غير مسبوق من نوعه في دولة ديمقراطية صناعية غربية متقدمه منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تعامل ميتران شخصياً وبالتالي بنجاح تجاه هذه الكارثة، حيث دعا الى مؤتمر صحفي في 29 مايو حيث اعلن خلاله بطريقة ديماجوجية «ان الدولة لم تعد قائمة» وان «حكومة مؤقتة» كان لابد أن تحل محل ديجول ويجب ان يشكل اليساريون هذه الحكومة واقترح ان يرأس هذه الوزارة بيير مينديز فرانس رغم انه لم يفاتحه في هذا الموضوع. واخذ ميتران يعد نفسه للرئاسة التي ستكون قريبة جداً مشيراً الى رغبة الكثيرين في استقالة ديجول. وجاء هذه الاستقالة بعد عام وبالتحديد في ابريل 1969. لم يكن ديجول مجبراً ـــ من الناحية الدستورية ــ على الاستقالة لكنه اراد ان يهديء الدوائر الفرنسية السياسية ضاربا المثل في انه رجل لا يتمسك بالسطة.. ولكنه متمسك بمصلحة فرنسا. وبعد انقاذ ديجول والديجولية في يونيو 1968، فتر الحماس تجاه الديجوليين خلال الفترة التي خلفه فيها جورج بوميدو والذي قاد انتخابات الجمهورية الخامسة، والتي فاز فيها جيسكار ديستان عام 1974. اما عن انتخابات عام 1969 الرئاسية التي فاز فيها بومبيدو فقد اقترح الشيوعيون على الاشتراكيين اسم فرانسوا ميتران على الرغم من انه لم يكن عضواً في الحزب ولم يطرحوا مرشحاً حزبياً لأن الانتخابات كانت تتم على اساس فردي. لكن الاشتراكيين رفضوا فكرة الشيوعيين وخرج ديستان من المعركة الانتخابية. خاض ميتران انتخابات عام 1978 وخسرها، وظل عامين وهو يناور حتى يظل داخل الحزب الاشتراكي لكنه قوبل بهجوم شرس من القادة الشيوعيين. وبدأ ميتران يستعد لخوض انتخابات عام 1981 في يناير 1981 كانت هناك شكوك حول فوز ميتران وان الحزب الشيوعي لم يكن متأكدا من قدرته على ادارة الدولة.. وبدأ هو الرجل في الرابعة والستين ـــ كأنه قادم من عصور ولّت. وفي 10 مايو 1981 نجح ميتران في الانتخابات الرئاسية بنسبة 52% تربع ميتران على مقعد الرئاسة الفرنسية في عام 1981 وظل متربعاً حتى عام 1995. لا أحد يعلم حتى الان لماذا خاض ميتران الانتخابات الرئاسية الفرنسية على قائمة الاشتراكيين، واسئلة كثيرة ثارت حول هذا الموضوع ولن يستطيع احد الاجابة عليها سوى التاريخ. نجح ميتران في 10 مايو 1981 وتولى الحكم في 21 مايو بعد مشادات بينه وبين فاليري جيسكار ديستان حول بروتوكول تسليم السلطة في موعد محدد. وفي 22 مايو قام ميتران بتعيين بيير موروي رئيسا للوزراء وجاك ديلور وزيراً للمالية اللذين كان عليهما ان يحاربا انهيار الفرنك الفرنسي في الاسواق. وقد اعتمد البرنامج الاصلاحي لحكومة ميتران/ موروي على عدة مباديء. 1 ـــــ الاعتماد علي الجناح اليساري 2 ـــــ التوطين على نطاق اوسع خاصة في مجالات الصناعة والبنوك. 3 ـــــ عدم مركزية السلطة. 4 ـــــ مشاركة العمال في الادارة. 5 ـــــ خلق سياسة صناعة وتخطيط جديدة. وفي يوليو 1981 تم تخفيض عدد ساعات العمل من 40 الى 39 ساعة اسبوعيا (على ان يدفع اصحاب العمل أجر تلك الساعة المخفضة) وتم زيادة بدل السكن الى 25% كما تم رفع قيمة المعاشات. ميتران واوروبا في حديث صحافي اجري معه في يوليو 1990 قال ميتران: «ان مشروعي الكبير هو توحيد اوروبا فاليوم قد ازيلت الحواجز وهدمت الحوائط لكن العاصفة لم تهدأ.. لكننا سوف نحقق الهدف وسوف يكون فضاؤنا واحد، ولنا سوق واحدة وروابط دائمة وراسخة بين جميع الدول الأوروبية». وفي 26 يناير 1991 اجرى الرئيس الامريكي جورج بوش اتصالا هاتفيا مع المستشار الالماني هيلموت كول الذي ابدى موافقته على اقتراحنا واعتقد أن تاتشر لديها مشاكل قد تجعلها ترفض.. لكن ميتران سوف يوافق.. لقد استشرت مافيه الكفاية وان تعلم دوري القديم: أحيي العلم الالماني مرة.. واحيى العلم ذا الألوان الثلاثة.. ثلاث مرات. من شارل ديجول الى فرنسوا ميتران تحركت اوروبا الى ابعد حد من يالطا وكان ذلك مهمة تاريخية للسياسة الفرنسية لكن عصر ميتران شهد شراكة فرانكو ألمانية داخل الاتحاد الاوروبي. لاتزال فرنسا تستفيد اقتصاديا من التكامل الاوروبي لكن السيادة الوطنية لاتزال منقوصة. ومن الجانب الالماني، فان موافقة فرنسا على الوحدة كانت مهمة فقد قال المستشار الالماني السابق هيلموت شميدت كان يقول احيانا ان فرنسا اكثر اهمية بالنسبة لالمانيا من الولايات المتحدة، كانت وجهة نظر ميتران الدولية «أوروبية للغاية» بمعنى أنه كان يؤمن تماما بــ «أسطورة يالطا»، هذه الاسطورة هي الفكرة التي وافق عليها ضمنا كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في مؤتمر يالطا اوائل عام 1945 لتقسيم اوروبا والسيطرة عليها. الفيلم التاريخي الكلاسيكي «قواعد اللعبة» الذي أخرجه جان رينوار عام 1939 كان دراسة حية للمجتمع الفرنسي خلال المشكلة التي استمرت عشرين عاما لسنوات مابين الحربين العالميتين. ولاتزال قواعد اللعبة تنطبق على العديد من الدراسات الفرنسية، واعيد انتاجه مرة اخرى في الثمانينيات مع تغير الخلفية ولكن بالطريقة نفسها. ثياب الامبراطور كشفت مجلة «باري ماتش» في خريف عام 1994 ما كان يعلمه جيدا كبار السياسيين الفرنسيين لمدة سنوات طويلة، وهو ان الرئيس فرانسوا ميتران له ابنة غير شرعية، تدعى مازارين وامها تدعى أن بنيوت وهي موظفة بأحد المتاحف، وتعود علاقتها بالرئيس الى اكثر من عشرين عاما. التقى ميتران وآن اول مرة في اوائل الستينيات، وتبعت ذلك لقاءات عديدة، كانت جميعها لقاءات عابرة، الى ان بدأت لقاءاتهما تأخذ شكلا آخر في عام 1969. وعلى الرغم من انها كانت تصغره بكثير، وكان رجلاً متزوجا الا ان علاقة عاطفية ربطت بينهما. وقد أسفرت هذه العلاقة العاطفية عن انجاب مازارين في 18 ديسمبر 1974 واعترف بها ميتران قانونا بعد ولادتها بعشر سنوات وبالتحديد في عام 1984 بعد ان اصبح رئيساً. وتم الاتفاق على عدم كشف هذا السر الا بعد وفاته، كان ميتران يخشى ان يصيبها مكروه حيث اصبحت هذه الواقعة معروفة وانتشرت في باريس، وبالتالي كان يمكن ان تكون هذه الطفلة المسكينة عرضة للقتل أو الاختطاف. وفي عام 1984 عقد ميتران العزم على نشر قصة مازارين، وهددت خلية مكافحة الارهاب في الاليزيه باختطافها، لذلك فقد خصص لها ميتران مرافقاً خاصاً منذ عام 1981 هي ووالدتها بل وانتقلا من السكن في شقة صغيرة الى شقة أكبر واكثر فخامة بجوار برج ايفل واصبح تأمينها مسئولية خلية مكافحة الارهاب التي تتبع قصر الاليزيه مباشرة. وعندما نشرت «الباري ماتش» صورة لميتران مع مازارين كان على وشك ان يكشف هو عن ابوته لها، وبعد ذلك ثارت اسئلة عديدة من جميع الجهات وعلى جميع المستويات وجاء رده حاسما: «نعم انها ابنتي.. وماذا في ذلك؟ انها مسألة شخصية لاتهم الرأي العام في شيء» وفي اكتوبر 1994 حضرت مازارين عشاء رسمياً مع والدها على شرف امبراطور اليابان، كما سافرت مع والدها في زيارة رسمية الى جنوب افريقيا حيث قدمها الى الرئيس نلسون مانديلا قائلا: اقدم لك ابنتي مازارين». منذ منتصف ولايته كان ميتران يقضي معظم الاجازات الاسبوعية مع آن ومازارين في احد القصور الفخمة المملوكة للحكومة ذات العشرين حجرة. في عام 1988 كانت مازارين تبلغ من العمر 13 عاما وأرادت ان تشارك في الحملة الانتخابية لوالدها وتم تشكيل «نادي اصدقاء ميتران» ومن خلال هذا النادي قامت مازارين بزيارة جميع انحاء فرنسا للدعاية لوالدها. اصبحت الاسرة الثانية تحظى باولوية كبيرة عند ميتران بعد نجاحه في الانتخابات، واصبح رئيسا للمرة الثانية واصبحت مازارين تحظى بأهمية خاصة عنده حيث قضى معظم حياته الاسرية مع مازارين وامها في الخفاء يذهب اليهما ليلاً. وكان منظر الاسرتين في جنازة ميتران محط انظار جميع انحاء العالم وخاصة بين الأمريكيين. اما الزوجة دانيال ميتران فقد تعايشت مع هذا الواقع منذ بدايته ولم تتخذ قراراً لان مازارين في النهاية ابنة ميتران، وفي حديث تلفزيوني نادر عقب وفات ميتران اعترفت زوجته دانيال انه كان «زير نساء» ومنذ وفاة زوجها ظلت دانيال تواصل نشاطاتها الاجتماعية وخاصة في مجال حقوق الانسان. وقد أجاب ميتران قبل وفاته على السؤال الذي أثار ردود فعل عديدة: هل اقدمت على الانتحار؟ لم يكن السؤال مباشرة بهذه الدرجة حيث تم تعديله الى «هل تخشى الموت؟ فكانت اجابته: انني لا اخشى الموت ولكنني اخشى طول العمر