حاولت أن أتذكر متى بدأت اكتب للبيان فخانتني الذاكرة، ولما أردت أن أقترب من التاريخ باحساس، توهمت أنني أكتب منذ مئة عام. وطوال هذه المدة وهي طبعا ليست مئة عام كنت أحس بالحيرة بين موضوعين أو ثلاثة. أ ما في هذه المرة فلقد سجلت رؤوس عدة موضوعات حملتها معى بعد أن قضيت أسبوعين حافلين في هولندا. ولكن كل هذه الموضوعات طارت بكلمة قالها أحدهم، فوجدت داخلي رغبة هائلة أن أكتب لك عما قاله، ولو لم أجد نافذة في (البيان) ربما كلمت كل القراء في التلفون وحكيت لهم ما حدث. ذلك أننى ذهبت يوم الجمعة الماضى الى انتخابات اتحاد الكتاب، وهي عادة انتخابات صاخبة، ولأن لى صداقات حميمة بعدد كبير من الأدباء. فمن الصعب أن أعطى صوتي وانصرف. في البداية تعقد الجمعية العمومية وحضرها في هذه المرة نحو خمسمئة عضو. وكالعادة يقف شخص لا يعرفه أحد ليهاجم الجميع، وبالطبع عرفناه من تكرار مايفعله. ولكنه غاب عن هذه الجمعية فانتاب بعضنا قلقاً شديداً، وتساءلنا عن صاحبنا وخشى بعضنا أن يكون مات فهو متقدم في السن. واقترح أحدنا أن نزوره أو نسأل عنه، لكننا لم نستطع تذكر اسمه. وهكذا فقدت الانتخابات أحد معالمها الأساسية. وفتح باب النقاش فطلب الكلمة مئات الأشخاص منهم 59 هم المرشحون لعضوية مجلس الادارة. فالعارفون بالانتخابات يقولون ان الانطباع الأخير هو الذي يدوم. وانك اذا تكلمت في هذا الاجتماع سيتذكرك الأعضاء عند اعطاء أصواتهم. وبعد الاجتماع، وأيضا بعد أن أعطيت صوتى، لم استطع أن أترك المكان لكثرة المناقشات، ولك أطرفها ومادفعني لأن اطوي ماكنت أريد أن أكتبه لأحدثك فيه. بطل القصة كاتب أظنه في الستين أو اقترب منها، له مؤلفاته وكتاباته، وهو أيضا استاذ في الجامعة. استوقفنى وقال لي انه شاهد مسلسل أم كلثوم وانه أعجبه كثيراً. ولكن لديه بعض الملاحظات. وحتى هنا والكلام جميل. ماذا عندك ياعمنا الدكتور؟! قال: أول ملاحظة وأهمها أن صابرين لم تكن تصلح لدور أم كلثوم. ولم تكن اول مرة أسمع فيها هذا. وفي رأيى أن أم كلثوم لو مثلت الدور لوجدت من يقول انها لا تصلح له. وأذكرك ياعزيزى القاريء بالمسابقة التى أجريت لاختيار أفضل من يقلد شارلي شابلن. ودخل المسابقة دون أن يعلن ذلك. ونجح فعلا لكن ترتيبه كان الثاني، لأن اللجنة رأت انه يبالغ في التقليد. وعندما يتكرر السؤال يصبح مملا أن تكون نفس الاجابة، زوجتي تكرر الصمت. ولذلك سألت عمنا الدكتور: طيب .. اذا لم تكن صابرين تصلح للدور فمن تصلح! وفكر الدكتور بعمق، وزملاؤنا يرقبونه. وفي النهاية قال: أظن أن محمود مرسى أفضل من يمثل هذا الدور! أقسم بالله أن صاحبنا الدكتور قال هذا. وشاهد عليه عدد من الكتاب مستعد لطلب شهادتهم. وقلت له: ترشيح رائع ياعمنا الدكتور لولا عائقين الأول أن محمود مرسى أزرق العينين وأم كلثوم كانت عيناها بنيتين. والثانى أننا بدأنا دور أم كلثوم وهي صبية صغيرة، ومحمود مرسى متعه الله بالصحة أطال الله في عمره جاوز السبعين! لولا هذين العائقين الصغيرين لكان فعلا محمود مرسى أصلح للدور! ولقد طلبت من الموجودين أن يوقعوا على ورقة مكتوب فيها أن هذا الحوار حدث فعلا. فلو قاله لي أى شخص ماصدقته، وخشيت الا يصدقني أحد. وحاولت الا أرى ماحدث مجرد نكتة غير مقصودة. ولكن نوعا من التفكير يستحق التحليل والتقويم.. ولكن قبل هذه المحاولة أريد أن أحدثك عن قصة طريفة أعرضها عن نفس الدكتور. فلقد سمع عن مدينة 6 أكتوبر وهي ضاحية جديدة تبعد عن القاهرة أكثر من عشرين كيلو مترا، ويهاجر إليها الذين ضاقوا بزمام القاهرة وأنا منهم. وأراد الدكتور أن يرى هذه المدينة الجديدة فربما سكن فيها. ووجد في الصديق الكاتب صبرى موسى معاونا له في تحقيق رغبته. فلقد أخذه صبرى في سيارته ليريه مايريد أن يرى. ولأنها مدينة جديدة ولأسباب أخرى فوجئ صبرى بسيارة (ميكروباس) تواجهه وقد تخطت طريقها لتصطدم به. وكان الموقف مرعبا ولكن النتائج كانت خفيفة واطمأن صبرى موسى على ركاب الميكروباس. وعاد الى السيارة فلم يجد الدكتور. وكان الناس قد تجمعوا حول الحادث. فطلب الدكتور من أحدهم أن ينقله الى المستشفى للكشف عليه. ولما عرف صبرى ذلك زاره في المستشفى، واكتشف انه ليس مصابا، وانما كان يخشى من نزيف داخلي أو ماشابه. وخرج من المستشفى وصحبه صبري الى بيته. وودعه كصديق اطمأن على صديقه. وبعد فترة فوجئ صبري باستدعاء الى المحكمة. فلقد رفع الدكتور على صبرى موسى قضية يطالبه فيها بتعويض كبير، متهما اياه بانه صفح عن سائق الميكروباس في حين انه أخطأ خطأ كبيرا. وان نتيجة ماحدث أصابته صدمة عصبية أثرت على عمله الفكرى. فضلا عن النفقات التى دفعها للمستشفى. وصدم صبري على اعتبار انه كان يقصد خدمة الدكتور وان الحادث لم يكن مسئوليته. وانه لو كان أخذ السائق الى المحاكمة ماأخذوا منه شيئا اذ أنه لا يملك شيئا. وعندما عرف صبري موسى باقتراح الدكتور أن يمثل محمود مرسي دور أم كلثوم ألح علي أن أرفع عليه قضية اتهمه فيها بما أريد من اتهامات. هذا الدكتور يمثل ظاهرة ثقافية لا تعترف بالواقع. أحدهم اعترض على حصول أحد الكتاب على جائزة كبيرة، وقال ان الأولى بها طه حسين! انه جمود عند مراحل ورموز وأسماء. والدنيا في تطور مستمر. وبعض الأحداث يتساءلون هل نضب عصرنا. بل طرح على صحفي هذا السؤال: هل جيل الستينيات هو آخر الأجيال العظيمة؟ وبالطبع نعرف أن الريادة اضافة للموهبة. والريادة محدودة للبعض لكن الموهبة مباحة لكل العصور. والاسماء تأخذ قيمتها من الاختبار والتقادم. وأنا أرى في شباب هذه الأيام عبقريات لكن تأكيد هذا لن يأتي الا بالزمن وحده الذي يفرز الجوهر الكريم عن الزجاج. البعض حتى من زملاء الدكتور ومن في مستواهم تسيطر عليهم الفكرة فيختل ميزانهم وهم لا يدركون. أحد كبار الكتاب يكتب مقالا أسبوعيا يقول فيه نفس الكلام. سنوات وسنوات وهو لا يغير مايقوله. تتغير المناسبات، ويتغير الزمن وهو يرفرف فوق نفس المكان. وفي ظنى أن هذا ليس أفلاسا. فالكاتب عندما يفلس ينشغل بإفلاسه، ويحاول التغلب عليه. وأعرف كاتبا كبيرا نضب معين أفكاره في حين لم تنضب قدراته فكان يسعى الى الفكرة الى حد الاستجداء أحيانا. اذ كان يسأل الآخر: ألديك فكرة تصلح لعمل أدبى؟! لكن الدكتور وأصحابه أصابهم ماهو اسوأ من الافلاس لقد صنعوا عالما في عقولهم. واقتنعوا انهم أعرف الناس به، وانهم وحدهم الذين يصلحون. وفقدوا علاقة الحوار مع الناس. والحوار ليس حديثا فحسب. انه أخذ وعطاء في كل مناحي الحياة لقد قرروا، ولا تهم المبررات، فلديهم مبرراتهم. وعلينا أن نطيع ماقرروا لأنهم لا يسمعون لنا. ولا تتذاكى علي وتحاول اتهامي بانني أتحدث عن السلطة فكل ما أريد أن أقوله من حديثي هذا هو مجرد سرد نكتة. ولعلها تكون مضحكة!