مع رفض الفرنسيين للحم البقر ـــ يبدو اننا دخلنا سنة الخروف. او ليس فخذ الخروف المحمر هو الطبق الوطني للفرنسيين على كل حال؟ هذا مع العلم، ان لحوم الاغنام الجيدة هي «صناعة يدوية»، أي «بلدي» ومربو الاغنام المكرسون لهذه المهنة اعدادهم آخذة بالتراجع. وتؤكد فرنسواز جارسان مشيرة إلى خرافها السمينة في الحظيرة التي تربيها فيها للذبح ان الطلب قد زاد على لحم الضأن وأصحاب المزارع بحاجة إلى المال «ولكن هذه ليست سلعة صناعية ولا نستطيع ان نبيع الا ما تهبه الطبيعة لنا». وعلى اثر موجة الذعر التي اجتاحت أوروبا بسبب مرض جنون البقر ارتفعت مبيعات الدواجن إلى أكثر من الضعف. وكذلك مبيعات اللحوم الاخرى وزاد استهلاك الفرنسيين من لحوم الخيل بنسبة 15 في المئة، وتباع شرائح النعام بأربعة وعشرين دولاراً للكيلو جرام الواحد. الا ان مبيعات لحوم الضأن «يوجد في فرنسا حوالي خمسة ملايين رأس من الأغنام» تحافظ على مستواها القديم في جبال الالب في مقاطعة البروفانس وفي اماكن اخرى. وتتبع قطعان الاغنام الرعاة إلى المراعي الجبلية في فصل الصيف ثم تنزل إلى حظائرها المدفأة في الشتاء. وتقول جارسان ان تربية الاغنام مهنة صعبة «وهذه مخلوقات حية لها متطلبات لا تنتهي. اننا نكسب قوتنا بتربيتها غير انه عمل شاق جداً. والجيل الجديد لا يريد ان يعمل في هذا المجال». كل سنة تتخلى 3000 إلى 5000 عائلة عن تربية الاغنام. ويقول برنادر بوفارتيج انه لم يبق من المربين سوى 50.000 عائلة. ومدرسة تعليم تربية الاغنام لا تخرج أكثر من 15 تلميذاً في السنة. وتربي جارسان 350 خروفاً في السنة، وهي تطعمهما الحبوب لمئة يوم قبل ان ترسلها إلى موائد الطعام في عيدي الميلاد أو الفصح، أو إلى حفلات الشوي في الصيف. وفي الربيع تسير مع زوجها ثماني ساعات لاخذ الخراف إلى المراعي. وتقول جارسان: «اننا نربي خرافنا بالطرق القديمة لاننا نحبها. عادة يستعمل اصحاب القطعان سيارات الشحن، ولكن الناس يحبون رؤيتنا نمر بالقرب منهم لان ذلك يذكرهم بالايام الخوالي. ابننا في الثامنة عشرة من عمره وهو ورث عنا حب هذه المهنة الا ان رفاقه لا يحبونها». قبل ان تجتاح البلاد موجة الذعر من لحم البقر في السنة الماضية كان مربو الخراف يأخذون قطعانهم إلى شوارع باريس للتظاهر والمطالبة بزيادة الدعم الحكومي لمواجهة المزاحمة من المزارع الكبيرة. ومع حلول عيد الميلاد الماضي أدى التهافت المفاجيء على لحم الضأن إلى ارتفاع الأسعار 25 في المئة مما احيا الآمال بأن يشهد قطاع تربية الاغنام انتعاشاً كبيراً. الا ان أزمة لحوم الابقار جاءت كنعمة مختلطة فمن جهة خصص مسئولو الاتحاد الأوروبي مبالغ كبيرة لمكافحة مرض جنون البقر باجراء فحص وذبح جماعي، مما لا يترك فائضاً مالياً لتخصيصه لدعم تربية الاغنام. ثم اوصى علماء فرنسيون في شهر فبراير الماضي باخضاع الاغنام أيضاً، لفحوص مماثلة لمعرفة ما اذا كانت مصابة بأمراض. وقال العلماء ان هذه خطوة احترازية، غير انها كانت كافية كانذار حمل الكثيرين على الامتناع عن تناول اللحوم والاقتصار على الخضروات. ويقول بورفارتيج انه من غير المستبعد ان ينقرض الرعاة وتبطل اساليب تربية الاغنام القديمة اذا لم تأتينا مساعدات طويلة الأمد. ويوافق رولان ايزنار، رئيس تعاونية منتجي الاغنام في سيستيرون على ان هناك أزمة، الا اننا واثقون، حتى الآن على الاقل. والناس يعرفون اننا نولي عناية كبيرة. ويمكن تتبع كل كيلو جرام مباع من لحوم الاغنام إلى مصدره. عبارة «امكانية التتبع إلى المصدر» تسيطر على كل قطاعات الصناعات الغذائية في فرنسا هذه الايام، وهي كانت شعار «صالون باريس الزراعي» الثامن والثلاثين الذي افتتحه الرئيس جاك شيراك في 18 فبراير الماضي. وحتى في سوبر ماركيتات التخفيضات تبرز منصات بيع اللحوم اسم المنتج ونوع علف الحيوانات المذبوحة، والزبائن يراجعونها بحرص شديد وبأثر بالغ. فلقد تضررت مبيعات لحوم الابقار كثيراً، حيث تراجعت بنسبة 80 في المئة في البداية ثم استقرت في حدود 20 في المئة. اما منتجو لحوم الاغنام فيبذلون قصارى الجهد للاستفادة من الاوضاع ويأملون بمجيء يوم أفضل. ويقول جاك بيليه، مدير مسلخ بلدية سيستيرون الذي يعمل بالتقنية المتقدمة ويتميز بالنظافة الشديدة: «في نهاية الأمر نوعية لحومنا هي التي ستنقذنا. مسلخ سيستيرون هذا هو الأكبر من نوعه والمخصص للاغنام في فرنسا، وهو يذبح 550 ألف رأس في السنة». عندما بدأ الباحثون يبحثون عن رديف للخراف لمرض جنون البقر الذي يتلف دماغ الابقار قبل ثلاث سنوات استورد مسلخ سيستيرون جهازاً لنزع النخاع والحبل الشوكي للخراف المذبوحة. ويقول روبير دانتيسكيان، وهو قصاب في مدينة دارجينيا في مقاطعة بروفانس، وهو يهييء افخاذ الاغنام بالثوم والتوابل للطبخ، «انك اذا مت لتناولك هذه اللحوم، فذلك بسبب لذتها وسعادتك بها. فالخراف هنا لا ترعى سوى الاعشاب الجبلية والأزهار البرية والحملان تقتات بحليب أمهاتها وليس ممكنا «انتاج لحوم أفضل من ذلك». كلود بايكس، وهو قصاب آخر في سوق مدينة دار جينيان، يوافق على ذلك، الا انه يقول ان المستهلك ينبغي ان ينتبه إلى ما يشتري، لان ثمة ممارسات مشبوهة في تجارة لحوم الضأن والاغنام يمكنها ان تلوث حتى انتاج المحلات الموثوقة. لحوم سيستيرون الحقيقية تأتي بملصقة مميزة وشيفرة خطوط حاسوبية تحمل اسم المربي واسم التاجر الذابح. ويقول بايكس: «احياناً تربى الاغنام في اماكن ـــ أوروبا الشرقية على سبيل المثال ـــ وتذبح في سيستيرون. واذا لم تقرأ الملصقة لن تعرف ذلك. واذا كان اللحم رخيصاً فذلك احد المؤشرات». خلال المعرض الزراعي حرص شيراك على دحض خطر وجود مرض جنون الخراف، واتهم دائرة السلامة الغذائية الفرنسية باثارة ذعر لا مبرر له. ولاحقاً اجتمع شيراك مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لبحث قضية مرض جنون البقر بحثاً مستفيضاً. وفي الغداء تناول الاثنان لحم الضأن. عن «اسوشيتدبرس»