ظهيرة يوم 10 ابريل 1912 اطلقت صافرات سفينة تايتانيك ثلاث مرات ايذانا بشروع افخم واضخم سفينة ركاب عابرة للمحيط في مغادرتها لمدينة، ساوثامبتون البريطانية في رحلتها الافتتاحية متوجهة الى نيويورك. حينها بدأت ستة قوارب قطر بجر السفينة ببطء نحو نهر ريفرتيست لتتجه بعد ذلك نحو مياه الاطلسي. كانت تلك السفينة الهائلة حتى تاريخه اضخم جسم متحرك يبنيه بشر. وعلى متنها كان هناك 1300 مسافر من شتى الطبقات الاجتماعية البريطانية بما في ذلك مهاجرون الى العالم الجديد ومليونيرات وحتى الميجور ارشيه بوت كبير مساعدي الرئيس الامريكي وليام نافت الى جانب نخبة المجتمع الامريكي. ومع كل هذا العدد الا ان نصف حجرات الاقامة في السفينة كانت محجوزة، والى جانب المسافرين كان هناك ثمانية موسيقيين وخمسة موظفي بريد وعشرات من النادلين لتشغيل مطعم السفينة وحوالي 900 فرد هم طاقم السفينة من بينهم اطباء ومنظفو نوافذ و 325 عاملا لتشغيل غرفة المحركات الهائلة وحوالي 500 بحار. كان هؤلاء مسئولين عن تشغيل ما هو اشبه بقصر عائم. فقد كان مسافرو الدرجة الاولى يتمتعون بخدمات ثلاثة مصاعد خاصة ودرج فاخر وقاعة طعام مزخرفة على الطراز الجاكوبي وردهة على طراز لويس الخامس عشر اضافة لصالة تمارين رياضية وحوض سباحة جميل وملعب سكواتش. كانت السفينة رمزا يمثل عصراً ذهبيا ويؤذن بانقاضه ايضا لأنها بعد بضعة ايام فقط اصابت العالم الغربي بصدمة غرقها. فمن منظور تاريخي كان غرق التايتانيك نهاية اكثر العصور التي احس فيها الانسان بالثقة في نفسه وبداية الواقع المرير الذي حمله القرن العشرون للعالم. وفي الحقيقة كانت التايتانيك واحدة من ثلاث سفن طبق الاصل طلب بروس ازماي رئيس شركة وايت ستار البحرية صناعتها. والاثنتان الاخريان هما اولمبيك وجايجانتيك. كان ازماي يريد استعادة موقع وايت ستار كأضخم شركات النقل البحري للركاب وهو الموقع الذي احتلته منافستها شركة كونارد التي تشغل السفينتين موريتانيا ولوسيتانيا وهي اضخم وأسرع سفينتين حينها. وهكذا قرر ازماي انه بحاجة لسفن تكون الافخم والاضخم من نوعها بل ان يزيد حجمها بنسبة 50 في المئة وطولها بمقدار 100 قدم عن سفن كونارد، وبدأ بناء السفينة اوليمبك. يوم 16 ديسمبر 1908 في حوض هارلاند آند ولف الجاف في مدينة بلفاست. كما بدأ العمل على تايتانيك يوم 31 مارس 1909. واحتاج الامرالى اكثر من 15 الف عامل للبـدء في بنــــاء الســـــفينتين الذي احتاج الملايين من القطع الفولاذية، وهكذا بدأت السفينتان تظهران كالجبلين في الحوض بطولهما البالغ 882 قدما ووزنهما البالغ 45 الف طن. وهكذا انتهى بناء اولمبيك اولا وبدأت اولى رحلاتها نحو نيويورك يوم 14 يونيو 1911 وهي تحمل 1316 مسافرا وطاقما مكونا من 850 رجلا. لكن تايتانيك بقيت في الحوض لاجراء مزيد من التحسينات عليها قبل ان تبدأ بتجارب الابحار يوم 2 ابريل 1912 وتصل ساوثامبتون في اليوم التالي استعدادا لرحلتها الاولى. وبلغت ثقة ازماي بسفينته حداً جعله يقرر تزويدها بخط واحد من قوارب النجاة وليس اربعة كما هي العادة ولم تحضر قوارب النجاة للسفينة الا قبيل مغادرتها. وفيما كانت تايتانيك تشق طريقها في نهر ريفرتيست مرت بجانب سفينة النقل الاصغر منها نيويورك وادت كمية الازاحة الكبيرة من الماء التي تسببت بها تايتانيك بجذب نيويورك مباشرة نحوها، ووحدها فقط خبرة قائد قوارب القطر منعت حدوث الاصطدام حينها. لم يهز ذلك ايا من المسئولين عن تايتانيك بل تابعت طريقها نحو فرنسا ثم ايرلندا لتحمل مزيدا من المسافرين قبل الانطلاق غربا، كان من المفترض بهذه السفينة ان تكون الاكثر امانا في العالم حتى كانت تسمى في الحملات الاعلانية بالسفينة التي لا تغرق. وحتى ازماي نفسه قد جرفته هذه الموجة العارمة من الثقة العمياء، فقد اعترف لاحقا بانه اراد من طاقم السفينة الانطلاق بها غربا نحو نيويورك بالسرعة القصوى على الرغم من ان الموسم كان موسم الجبال الجليدية التي تطفو على المياه شمال الاطلسي على الطريق البحري بين السواحل الاوروبية والامريكية الشمالية. ويوم 14 ابريل ليلا تلقى عامل اللاسلكي في تايتانيك رسالة تحذيرية من سفينة قريبة تقول بأنها توقفت قبل اميال قليلة من اصطدامها بجبل جليدي وانها محاصرة بالجليد الان. لكن الجواب الذي ارسله الى السفينة الاخرى هو «اخرس». ولم يكتف بهذا بل انه اخذ يشغل لاسلكي السفينة بارسال واستقبال رسائل المسافرين الاثرياء بدلا من الانصات للتحذيرات من السفن القريبة، كل ذلك قبل ان يترك اللاسلكي ويذهب للنوم بكل اطمئنان. ولم يكتشف المسئولون عن المراقبة بأن تايتانيك في سبيلها للأصطدام بجبل جليدي الا قبل 500 ياردة فقط منه حينما كانت السفينة تتحرك نحوه بسرعة 26 ميلاً / الساعة ولم يكن لديها الدفة الكبيرة الحجم بما فيه الكفاية ليناور بها وتجنبها الكارثة المحتومة. عن «فوكاس»