هل خلت ساحة الغناء بعد رحيل عبد الحليم حافظ وطغيان ما أسماه بعض الكتاب والنقاد بالأغنية الشبابية؟! وهل توقف تطور الأغنية العربية، بعد العندليب؟! هذا ما تحاول بعض الأقلام ترويجه، ربما استثمارا لجماهيرية حليم أو عجزا عن استيعاب حساسية الغناء الجديد بكل ما يحمله من مواصفات عصرية يجد فيها الشباب ما يسد حاجته للغناء والتعبير عن مشاكل جديدة ربما لا يفهمها أبناء الأجيال السابقة. السؤال الأهم في ذكرى عبد الحليم يمكن صياغته ببساطة وبأسلوب شعبى على هذا النحو: هل يأخذ عبد الحليم زمنه وزمن غيره ؟ وهل يمكن أن تصلح أغانيه الوطنية للتعبير عن هموم ومشاكل الوطن في الألفية الجديدة ؟ وهل يقتنع الشباب بكلمات عاطفية من تلك التي غناها عبد الحليم في الخمسينات والستينات من «صافينى مرة» حتى «الشعر الغجرى المجنون» وهل رومانسية حليم هى نفسها رومانسية فاروق جويدة وليوناردو دى كابريو في «تيتانيك»؟! الأسئلة تفتح باب المراجعة الهادئة لطريقة تصدير عبد الحليم إعلاميا وتجاريا بشكل يذكرنا بما قاله نقاد الأدب عن شكسبير الذي تحول من مجرد مبدع كبير إلى صناعة شكسبيرية كاملة، ولاشك أن أى شئ يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، كما يؤكد منتج وموزع الكاسيت الشهير محسن جابر الذي يقول: حليم قيمة فنية كبيرة لا يستطيع أحد أن ينكرها، ولكن هذا ليس مبررا للبعض الذي يصادرون على الجديد ويقفون في وجه التطور ويسيئون إلى عبد الحليم بتصويره وكأنه ديكتاتور الغناء الوحيد في الماضى والحاضر والمستقبل، فهو الذي أسقط عبد العزيز محمود ومحمد قنديل وكارم محمود و.. غيرهم، وحارب هانى شاكر، ويقف الآن حجر عثرة أمام تقلد أى من مطربى الجيل الجديد عرش الغناء. وهذا بالطبع كلام خاطئ وسخيف. عبد الحليم حافظ كان ثمرة ذهبية لعصر اجتمعت فيه عبقرية عبد الناصر السياسية ورومانسية الزمن ورغبات التمرد على القديم والتحرر من الآخر الغربى المستعمر، هكذا يؤكد الموسيقار كمال الطويل ويشاركه الرأي الناقد والكاتب طارق الشناوى الذي يقول : نصيب حليم أن يظهر وقت بزوغ نخبة إبداعية في مختلف ألوان الفن والأدب من نزار قبانى لإحسان عبد القدوس وكمال الطويل ومرسى جميل عزيز ومحمد الموجى وعشرات ممن رفعوا راية الحب والثورة وبناء مجتمع جديد بقوة وصفها «هيكل» في عبارته الشهيرة «ليس هناك أقوى من فكرة في اوانها». والآن فإن محاولة المقارنة بين عبد الحليم حافظ الذي خرج من ساحة الحياة إلى تاريخ الغناء وعالم الأسطورة وبين أصحاب موجة الغناء الجديد الذين يملأون الساحة إبداعا أو ضجيجا، هى مقارنة ظالمة في رأى الكاتب والناقد الفنى أحمد رأفت بهجت، وأشبه بمقارنة الأهرامات بمترو الأنفاق، الأولى تنتمى إلى التاريخ وتشير إلى حضارة ظاهرة في عصرها بصرف النظر عن قيمتها من العصر الحالى، والآخر في قلب الحياة مهما كانت أخطاؤه فإن ميزته الأساسية في الحضور اليومى والحى الذي يمس حركة ومصالح الناس. ويضيف: هذه هى عبقرية التجدد، وبالتالى لابد أن نحترس من ترسيخ ثنائية جديدة اسمها عبد الحليم والشباب، فهؤلاء جميعا أبناء عبد الحليم بصورة أو بأخرى، وإذا كنا نلومهم في اختيار نوعية الموسيقى والكلمات فلنتوقف قليلا لنتأمل ما يدور حولنا في الشارع والعالم، فهل يعقل أن يغني أحد في هذا العصر «أبنك يقول أنا حواليا الميت مليون العربية. ومافيش مكان للأمريكان في الديار» لقد كانت أغنية وطنية عظيمة في الستينيات ولكنها الآن تحولت إلى مقولة كاريكاتورية لأننا أوشكنا أن نبحث في بلادنا العربية عن مكان إلى جوار الأمريكان!! وهنا يتساءل رفيق درب العندليب مجدى العمروسى ويقول : وهل يعقل أن يتحمل إيقاع الشباب السريع كلمات أغنية مثل «فاتت جنبنا» و«أى دمعة حزن لا»، ناهيك عن المدة الزمنية الطويلة لكل أغنية، فإن عبد الحليم نفسه أدرك في نهاية حياته طوفان التغير القادم وحاول أن يواكب الموجة الجديدة، فأعاد توزيع بعض أغنياته بسبعة عازفين فقط بدلا من الأوركسترا الضخمة التي كان تصاحبه، وهو الذي استبدل بعد نصر أكتوبر افتتاحية حفلاته بأغنية «عاش اللى قال» بدلا من «أحلف بسماها وترابها» لأنه أدرك أن الثأر قد تحقق ولابد للنصر من أغان جديدة. وهنا يتضح أن عبد الحليم الذي حزن كثيرا في زمن السادات لمنع أغانيه الوطنية التي أرخت لزمن عبد الناصر ما كان ليتحمل حزن ما بعد كامب ديفيد، فكان رحيله ختاما قويا لمسيرته الغنائية والنضالية لأنه لو عاش ما كان ليستطيع مواجهة المتغيرات العاصفة التي إجتاحت كل شئ!!