الصور الرومانسية عن علماء الاثار المصريين غريبي الاطوار الذين يعتمرون قبعات الصحراء ذات الحافة العريضة، وهم يحفرون في الرمال على امل اكتشاف ثروات دفنها الفراعنة العظماء قبل نحو الفي عام، هي من الاشياء التي يميل الانسان إلى تضمينها في كتب التاريخ، أو على الاقل في افلام هوليوود. فأيام الباحثين باستبسال عن الكنوز في قلب «انديانا جونز» ولت. لكن، هل هي ولت فعلا؟ الواحات البحرية غير المعروفة كثيرا تقع على بعد نحو 350 كيلومترا جنوب غرب القاهرة في احدى أكبر الصحارى القاسية في العالم. لكن في هذه المنطقة بالذات تم العثور اخيرا على احد اكبر الاكتشافات المهمة في تاريخ علم الآثار المصرية، وهو اكبر مخبأ للمومياوات القديمة يعثر عليه حتى الآن. قيادة السيارة على طول الطريق، التي عبدت اخيرا، والتي تربط الواحات بأنحاء مصر، تأخذ المسافر عبر سهل لا ينتهي، يكثر فيه الغبار الملون المتأتي عن الطين النضيج، وتظهر عرضا بعض النتوءات الصخرية لتكسر الملل. وتنجرف الرمال نحو الطريق في بعض الأماكن، لتحجبه احياناً بالكامل. بعد ثلاث ساعات وسط الغبار، تكسر الرتابة عندما تظهر الحافة الذهبية لبحر الرمل العظيم إلى يمين الطريق. فكثبان الرمل المشكلة بانتظام ترافق المسافر على مدى الساعة المقبلة، كما اللهيب الفائق. بعد خمس ساعات وسط حرارة حارقة ونور أبيض يعمي البصر، تنحدر الطريق عند جرف، لينكشف منظر حقول مليئة بالاعشاب وبساتين النخيل وبساتين اخرى تطوقها تلال الصحراء القاحلة. هذه هي الواحات البحرية الغامضة، التي ظلت معزولة لقرون عن العالم بسبب الصحارى التي تحوط بها. لكن الأمر لم يكن دائما على هذا النحو. فأثناء سهرة في خيمة بدوية على ضوء الشموع، وسط صحراء مظلمة وباردة ليلا، تحدث احد علماء الآثار المصريين البارزين، الدكتور زاهي حواس، عن دور الواحات المهم في العصر القديم كمنتج رئيسي في الامبراطورية الرومانية لنبيذ البلح المثير للشهية. ويقول: «كان وضع سكان الواحات البحرية أفضل من وضع المصريين الاخرين خلال الفترة الرومانية. يمكن ملاحظة ذلك من طريقة دفن موتاهم. مومياواتهم لم تكن ملفوفة بضمادات ومعالجة بالراتنج فحسب بل كانت مغلفة ايضا بطبقة من الذهب، وعلى صدورها رسمت تصاميم مسهبة». الدكتور حواس الذي يرتدي بزة السافاري ذات اللون الرملي، هو وكيل الوزارة لآثار الجيزة. هذا الرجل بالكاد يكتم فرحه وحماسته عندما يصف كيف تعثر عند احد القبور الجديدة في وادي المومياوات الذهبية بعد ظهر احد الايام وكيف كان ينتظر بزوغ الفجر كي يعود ويبدأ التنقيب. في الصباح التالي عند الفجر، كان الدكتور حواس ينتظر بلهفة وصول عماله إلى موقع التنقيب في وادي المومياوات الذهبية، السهل الرملي الذي تحوط به على الجانبين جبال رمادية قاحلة. ويقول ان «أهمية هذا الموقع تكمن في انه يجاور آثار هيكل الاسكندر الكبير، الذي اعلن نفسه ابن الاله آمون جوبتير أثناء زيارته لمصر في القرن الرابع ق م. بعد ذلك، اراد قوم الواحات البحرية المترفون ان يدفنوا إلى جانب الهيكل، لاعتقادهم بأن الالهة تحميهم خلال رحلتهم إلى الآخرة. عندما بدأت اعمال التنقيب في النهار راح فريق الحفارين يزيل اطنانا من الرمل عن القبر، الذي بدا من الخارج اشبه بفتحة في الارض، ومع منتصف الصباح، صدرت صرخة اثارة من موقع التنقيب. هرع الجميع إلى القبر، فتألق وميض الذهب يلمع من تحت الرمال، وبعد لحظات، انكشف وجه ذهبي لمومياء انثوية يبتسم وكأنه لم يأبه للاضطراب الذي سببه الفا عام من النوم. وعلى امتداد ذلك النهار تم اكتشاف 10 مومياوات ثم 20 فـــ 30 مومياء ذهبية تعود لرجال ونساء وأطفال. ميزتها انها بدت كأنها كائنات حية، وكان صعبا الاعتقاد انها بقيت في سبات لمدة طويلة. ويشرح الدكتور حواس ذلك ان تلك المومياوات تمثل فترة انتقالية في مصر. ويقول: «شعرها ولباسها كانت تواكب موضة روما آنذاك، التي كانت القوة الامبراطورية في مصر في ذلك الوقت. لكن الزينة والرمزية كانتا في الحفاظ على تقاليد مصر القديمة ومعتقداتها. انها تشبه ما يمكن ان يشاهد على توابيت الفراعنة العظماء وقبورهم امثال توت عنخ آمون، الذي عاش قبل نحو 1500 عام، اثناء بلوغ الحضارة المصرية ذروتها. ويتابع الدكتور حواس مشيرا إلى الصدر الذهبي لاحدى المومياوات: «كانوا يرسمون إلى حد ما الصورة نفسها المأخوذة من كتاب الموتى القديم. انوبيس اله التحنيط برأس ابن آوى، يزن قلب الميت على احدى كفتي الميزان، بريشة على الجانب الآخر، والى جانب الميزان، يوجد وحش قبيح معروف بالملتهم الذي يفترس الميت اذا برهن القلب انه اثقل الريشة. اما اذا وازن القلب الريشة، فان الميت يقاد لمقابلة اوزيريس حاكم العالم السفلي وزوجته الجميلة ايزيس، ويسمح له بأن يدخل الحقول الغنية للجنة. مازال الدكتور حواس يتذكر ذلك اليوم قبل اربعة اعوام، عندما كان يشرف على حفريات قبور الذين بنوا اهرام الجيزة، وابلغه مساعده بأن هناك اكتشافا مهما جدا في الواحات البحرية ويوضح الدكتور حواس انه لم يصدقه في باديء الامر، وظل الاثنان كمن يمازح احدهما الآخر. ولم يتأكد الا عندما اتصل به رئيس التفتيش عن الاثريات في الواحات البحرية ليدرك حينها اهمية الاكتشاف. ويتذكر الدكتور حواس المكالمة الهاتفية في ذلك اليوم. فقد صاح محدثه عبر السماعة قائلا: «عثرنا على مومياوات رائعة الجمال. دع تلك الهياكل العظمية في الجيزة. عثرنا على الكثير من المومياوات. في الامس، كان احد حراس آثار هيكل الاسكندر الكبير عائدا إلى منزله على حماره عندما تعثر حافر الحمار وسقط في حفرة في الصحراء. والمفارقة كانت انه اكتشف مومياوات ذهبية مباشرة تحت طبقة رمال الصحراء، وهناك الكثير منها. وقدر الدكتور حواس انه قياسا على حجم المقبرة القديمة، فلابد انهم كانوا سيكتشفون في النهاية نحو عشرة آلاف مومياء، كلها مدفونة في مقابر خاصة بأسرها. وحاول في باديء الأمر ان يبقي خبر الاكتشاف بلا ضجة. لكن في النهاية حصل تسريب. وفي غضون بضعة شهور، كان دفق الناس على الواحة يزداد اكثر فأكثر لمشاهدة المومياوات الذهبية. ويقول: «هذا الواقع جعلني في وضع صعب. انا لا اعتقد تلك الاجسام الميتة يجب ان تعرض للناس كي يتفرجوا عليها ويحدقوا فيها. ما نقوم به هنا هو درس المومياوات، وترميمها، وبعد ذلك اعادتها إلى مكانها في القبور. لكن تقديرا للسياح، ومن اجل ابقائهم بعيدا عن مساحة التنقيب الحساسة، اخرج الدكتور حواس خمس مومياوات ووضعها في دار البلدية في بويطي، القرية الرئيسية فى «الواحات البحرية»، كي يزورها الناس. زيارة المومياوات الذهبية في دار بلدية بويطي، اختبار لا ينسى. الغرفة التي تستضيف المومياوات ليست متحفا. الاكتشاف هو من الحداثة بحيث ان فكرة اقامة متحف للمومياوات مازالت في مرحلة التخطيط. لا اضاءة مخصصة لهذا النوع من المعروضات، ولا بطاقات دخول، ولا معلومات، ولا حراس بلباس رسمي. الريح تصفر وتنفخ غبارها عبر شقوق الجدران. هنا، يشعر الزائر حقا انه من اوائل الذين ينظرون إلى الابتسامات المبهمة التي ترتسم على وجوه هذه المومياوات. ويقول الدكتور حواس: «اشعر بأن هذه المومياوات الخمس هي بمثابة سفراء لجماعتها. فمن خلال وجودها في غرفة العرض امام الناس، تحمي كرامة المومياوات الاخريات المقدر عددها بنحو 10.000» بين المومياوات المعروضة في دار بلدية بويطي، اسرة من أربعة اشخاص. ويتذكر الدكتور حواس: اجمل المشاهد التي رأيت، كان عندما اكتشفنا هذه العائلة لأول مرة. كانت في وضع ممتاز، لكن ما اصابني بالتأثر ان رأس الزوجة كان يميل قليلاً جانبا ويبتسم لزوجها المستلقي بقربها. طفلاهما الصغيران جدا، صبي وفتاة، مستلقين إلى جانبهما. نقل الدكتور حواس وزملاؤه الام والطفلين إلي دار البلدية في بويطي، واغلقوا القبر لفصل الصيف. لكن بعد ذلك بمدة وجيزة، وبينما كان في كاليفورنيا لتمضية عطلة الصيف، بدأت تنتاب الدكتور حواس كوابيس مخيفة. كانت مومياء الطفلين تزورانه كل ليلة في نومه، محاولتين خنقه. ويقول: ما ان رجعت إلى مصر، حتى اعدت فتح مقبرة العائلة وامرت بأن تنقل مومياء الاب إلى دار البلدية كي يكون إلي جانب زوجته وطفليه ومنذ ذلك اليوم، لم اعد اعاني ذاك الكابوس او اي كابوس متعلق بالمومياوات الذهبية». الاكتشاف كان بمثابة بركة حلت على رجال الاعمال المحليين ومدراء الفنادق. عدد زوار الواحات ازداد باضطراد، معززا بذلك الاتجاه السياحي من حدود المدينة إلى مقر المومياوات. فالينابيع الدافئة وحياة القرية البسيطة والمناظر الطبيعية الغريبة، كلها حوافز اخرى كي يفد الزائرون والسياح. على اي حال، ما زالت الواحات تعاني من عدم استقرار في امدادات الكهرباء، وبنية تحتية فقيرة «اغلب الطرق ما زالت مسالك ترابية»،وهناك نقص في المحروقات الامر الذي يمكن ان يجعل مسافرا غير محتاط يتعطل في المنطقة لايام. في الواحات البحرية، يبدو ان روح «انديانا جونز» قد انتقلت إلى الالفية الجديدة. هنا، وسط ليالي الصحراء الباردة، الاحاديث حول نار المعسكر تدور حول مومياوات وكنوز مدفونة ولعنات قديمة. وماذا عن المستقبل؟ ماذا غير التنقيب في وادي المومياوات الذهبية؟ ويجيب الدكتور حواس: «يجب ان ننتظر لنعرف. لكن اتوقع الا يكون ما نعثر اقل من رائع. يحتمل ان نجد مومياوات الطبقة الراقية ومسئولين رومان زينوا بترف اكثر من المومياوات الذهبية. لهذا السبب احب عملي. هناك دائما الكثير الذي يجدر اكتشافه، وكل يوم جديد يحمل الكثير من المفاجآت.