باريس ــ ليلى المر: طرحت ثورة الانترنت والطباعة الالكترونية منذ اعوام تساؤلا عن مستقبل الكتاب والطباعة على الورق. انقسمت الآراء بين فئة مهللة للتكنولوجيا الجديدة وللآفاق التي ستفتحها أمام القراء والمؤلفين معلنة موت القاريء الكلاسيكي واقتراب نهاية الكتاب على الورق، وفئة مشككة تؤكد على صمود الكتاب وعدم قدرة التقنيات على الحلول مكان الورق ومحو حضارته. صحيح أن التساؤل بدأ قبل نحو سبعة أعوام، لكن هل يمكن اعتبار الفترة التي مرت على ثورة الإنترنت على رغم التحولات التي أحدثتها التقنيات الجديدة في مجالات عدة من الحياة اليومية، فترة كافية لاستخلاص أجوبة قاطعة وجازمة؟ والى أي مدى يمكن قياس تأثير التقنيات الحديثة على صناعة النشر وصناعة الكتاب بالشكل المعروف اليوم؟ حادثتان مهمتان حصلتا في الأشهر الأخيرة، تستحقان التوقف عندهما لأنهما يلقيان بعض الضوء على هذا الموضوع، الأولى، توقف الكاتب الأمريكي «ستيفان كينج» عن نشر كتابه «ذي بلانت» عبر شبكة الإنترنت، وذلك عند الحلقة السادسة بعدما كان دفع القراء ما يعادل سبعة دولارات لقراءته. الحادثة الثانية: الظاهرة التي شكلها نجاح كتاب المؤلفة الإنجليزية جون رولينج عن مغامرات «هاري بوتر» فقد تدافع القراء ومعظمهم من الأطفال والمراهقين لشراء الكتاب. هذا يعني أن جيلا جديدا غير غريب عن التقنيات الحديثة والإنترنت والألعاب الألكترونية، يتفاعل مع ما هو قائم حوله. صحيح أن نهاية ثقافة الورق لن تكون غدا، وأن أمام الكتاب والوثيقة المطبوعة أياماً طويلة، لكن هل هذا يعني أن الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة لم تؤثرا على العادات وعلى الطباعة على الورق؟ وهل يمكن سبر التحولات ورصدها بشكل أدق؟ دراسات وإحصاءات عدة قامت بها شركات أمريكية وأوروبية لرصد التحولات، وقد تجيب النتائج على بعض من التساؤلات وتقدم أجوبة. يقول «جيل بسكوس» من شركة «انتركويست» الأمريكية المتخصصة في مجال الوثائق وتقنيات الطباعة والنشر: «تبدو الإنترنت تطورا وليست ثورة أو بديلا من الطباعة على الورق. وتظهر الإحصاءات ان نهاية الورق والوثائق المكتوبة على الورق في المؤسسات، ليست قريبة كما يتصور البعض، فمازال نحو ستين في المئة 60% من الموظفين يفضلون قراءة التقارير والوثائق على الورق. والنسبة نفسها تعتقد ان القراءة على الورق أسهل من القراءة على الشاشة، ومازال نحو ثلاثة وثلاثين في المئة منهم يطبعون بريدهم الإلكتروني على الورق لقراءته. هذه النتائج أوردتها دراسة إحصائية قامت بها شركة «كسيروكس». ويتبين أيضاً من خلال إحصاءات أجرتها شركة «بريتني بوز » في امريكا أن 61% من العائلات تفضل استقبال الإعلانات الترويجية عبر منشورات ورق، بالبريد العادي، في حين يفضل 22 في المئة منهم سماعها عبر الراديو، و9% بالهاتف، و7% عبر الانترنت. أما من حيث تأثير الانترنت على طباعة الكتاب فيتبين من خلال إحصاءات اتحاد الناشرين الأمريكيين أن كتاب «هاري بوتر» الذي بيع منه خمسة وستون مليون نسخة خلال أربعة أعوام، طبع منه ثلاثون مليونا في عام واحد، في مقابل سبعة ملايين نسخة لكتاب «مذكرات جويلش.» علما أن 38 في المئة من هؤلاء، هم من مستخدمي الإنترنت. وسجّلت السوق الفرنسية هي الأخرى نمواً في مبيعات الكتب بنسبة 5.2 في المئة، فيما شهدت حركة إعارة الكتب في المكتبات العامة إرتفاعاً ملحوظاً بحيث بلغ ستين مليونا في العام 1980 في مقابل 152 مليونا في العام 1997. أما في ما يتعلق بالنشر الألكتروني، فإن أول هذه الكتب تم نشرها في نهاية العام 1998 ولاقت نجاحاً تجارياً محدودا. ويقدر أن تبلغ المبيعات في العام 2005 نحو 2،3 مليارات دولار، أي أنها تمثل 10 في المئة من نسبة مبيعات الكتب. ويعتبر «ريدينج ذى بوليت» أول كتاب الكتروني صدر في مارس من العام 2000. وبعده كتاب «ستيفان كينج» بعنوان «ذي بلانت» الذي توقف عن نشره أواخر نوفمبر الماضي، بعدما كان بدأه في يونيو من العام 2000. استثمارات ضخمة ويوضح «بيسكوس» في معرض تعليقه: «يمثل هذا القطاع عامل نمو لا بأس به، هكذا رأينا عددا من الشركات اطلقت استثمارات ثنائية ضخمة نذكر منها تلك ما بين «مايك روسوفت» و «أدوب» و «تايم ورنر» و«بابليش كوم،» و«راندون هاوس مع أتراندون»، و«جينستار» مع «تومسون مالتيميديا.» صحيح أن القطاع مازال في طور البحث عن تحديد امور قانونية مثل حقوق التأليف، وتحديد أمور تقنية كإيجاد معيار وتقنيات وبرامج متكاملة يتماشى بعضها مع البعض الآخر. هذا يقودنا الى التساؤل عما إذا كانت تقنية «اوبن إي بووك» (افتح كتابا) تقدم جيلاً جديداً من القراء؟» ويضيف: «هناك عوامل عدة يجب أخذها في الاعتبار مثل حماية حقوق المؤلف، إضافة إلى جانب تقني يتمثل في أن كتاب «ريدينج ذي بوليت» مثلا، يتطلب اثنتين وسبعين ساعة لتحميله عبر الإنترنت بدولار واحد ما يعادل خسارة دولار. ولمواجهة هذه العقبة، فإن شركات عدة بدأت تعمل على درس إدارة حقوق التأليف والنشر». لكن ما هو تأثير الانترنت على قراءة الصحف ؟ يقول بيسكوس إن الإحصاءات تشير إلى ان «خمسين في المئة من الراشدين يقرأون جريدة في اليوم. هذه النسبة كانت 58،3 في المئة العام 1998 و59 في المئة العام 1999. كذلك فإن نسبة الراشدين الذين يقرأون صحيفة نهار الأحد تبلغ 66 في المئة. وقد طورت الصحف مواقع خاصة لها على الشبكة، وجميعها يبحث عن المعادلة المثالية. و قد سجلت المؤسسات في هذا القطاع نمواً بنسبة 6 في المئة في العام 2000، في المقابل نجد أن مفاتيح النجاح تكمن في تأقلم ثقافة الإنترنت مع ثقافة الورق. ويبدو أن الصحافة هي أقل تعرضاً للخطر من التلفزيون ففي العام 1998 بلغت نسبة العناوين الجديدة عشرة في الأسبوع. وحققت النشرات الكبرى، (أكبر مئة دورية) نمواً بما يعادل إثنين في المئة في العام 1998». وما يمكن استخلاصه أن الكتاب الألكتروني ليس مزحة أو تجربة عابرة خصوصا بعد تخطي عقبة تحديد حقوق المؤلف، التي تبدو صعبة. هذا الكتاب يظهر بديلا من الطباعة على الورق على المدى البعيد. فطباعة الكتاب في الولايات المتحدة حققت 23 مليار دولار في العام 1998 اي ما يعادل نسبة 4.6 في المئة. حسب الطلب وإذا ما أخذنا نسبة «الطباعة عند الطلب» وهي ظاهرة منتشرة في الولايات المتحدة (طباعة الكتب في المكتبات) يُلاحظ أثر متنام للشبكة والكتاب الألكتروني. هناك الفا شركة طباعة حسب الطلب في الولايات المتحدة (يتم تفريغ الكتاب عبر الانترنت في المكتبة ثم طباعته) وحققت مبيعات الكتب عبر الشبكة ارتفاعاً بنسبة 30 في المئة. هكذا نجد ان الطباعة حسب الطلب سجلت نمواً بنسبة عشرين في المئة في حين لم تتعد النسبة 2 الى 3 في الأوفست. والى جانب الطباعة في المكتبات يُلاحظ انتشار ال «بوكنتس كيوسك،» بحيث تتم الطباعة في الأكشاك»، ويختتم «بسكوس» قائلا: «النشر الألكتروني يشكل فرصة للذين لم يتسن لهم النشر على الورق، إذ يجدون في الشبكة فرصة وإن حالفهم النجاح عبر الشبكة يحققون الشهرة على الورق». يقول أحد الباحثين والمؤرخين من جامعة باريس: «يجب درس الإمكانات الجديدة التي تقدمها الكتابة الألكترونية، مستقبل التقنية الرقمية يقع في منطقة وسط بين نوعين من النص، نص الانترنت ونص النشر الألكتروني. بمعنى أن نصا تم تفريغه الكترونياً لأنه مدفوع للناشر لا يمكن أن يستعمل لإعادة النشر أو النقل او النسخ. هنا لدينا نص الكتروني يدار وينظم وفق قواعد ومستلزمات قائمة في عالم الكتابة على الورق. لكن هل يأخذ نشر النص الألكتروني في المستقبل الشكل الذي نعرفه اليوم على شاشة الكمبيوتر؟ لا يمكن القول إن مستقبل الكتاب او النشر الألكتروني سيكون كما نعرفه نحن اليوم. هناك تعايش بين نوعين من النص النص المكتوب على الورق والنص الألكتروني. وفي النهاية التقنية لا تحمل معنى في جوهرها فنحن من يعطي لهذه التقنيات معناها من خلال طريقة الاستعمال. التحول التقني يحصل لكن المهم هو ماذا نفعل وكيف نستعمل كلنا هذه التقنيات».