كتب ضرار عمير: يقع بر الحكمة على الساحل الشرقي لعمان في الجهة المقابلة من جزيرة مصيرة، وهو عبارة عن قطعة مستوية من الارض الرملية، تذورها الرياح وتلفحها الشمس الحارقة. وعلى امتداد البصر، لا ينبت اي نوع من النبات في الطين المشبع بالملح. وفي الافق تتماهى السماء مع المسطحات الملحية، مشكلة سراباً لامعاً. قد لا يبدو هذا الموقع الوجهة المثالية لقضاء الاجازة او عطلة نهاية الاسبوع، ولكن باضافة مئات الألوف من طيور الشواطيء، كطيور مالك الحزين والنحّام والطائر المخوض والنورس والخرشنة، يصبح هذا المكان موقعاً فريداً ووجهة سياحية تستحق الزيارة بالنسبة للكثيرين على امتداد العالم. يشتهر ساحل الخليج منذ زمن بعيد بتجمعاته الكبيرة من طيور الشواطيء المهاجرة. وتستقطب المسطحات الطينية في البحرين وخور دبي وخور البياضة في ام القيوين اعداداً كبيرة من المقيمين والاجانب الذين يأتون لمشاهدة هذه الطيور، التي قطع الكثير منها الوف الاميال هرباً من شتاء المناطق الشمالية القاسي. لكن أياً من هذه المناطق لا يضاهي من حيث العدد والتنوع، الطيور التي تزور ساحل بر الحكمة كل عام في الفترة الممتدة من اغسطس الى مايو.، وينافس هذا المكان بحق الاماكن المشهورة وساحل الخليج في تكساس بالولايات المتحدة والساحل الشمالي الغربي لاستراليا. يعتبر موقع بر الحكمة شبه جزيرة تبلغ مساحتها حوالي 30 كيلو متراً مربعاً وتقع على بعد 350 كيلو متراً الى الجنوب من العاصمة العمانية، مسقط. وحتى ما قبل عشر سنوات، تم اجراء القليل من الدراسة المتعلقة بالطيور، حيث لم يزر المنطقة لدراستها سوى اعداد قليلة من الاشخاص. غير ان هذا الموقع يعتبر الآن اهم منطقة لقضاء الشتاء بالنسبة لطيور الشواطيء، ليس فقط في سلطنة عمان وانما ايضاً في جنوب شرق آسيا ككل. وتشير البيانات المتوفرة حول الموضوع الى ان بر الحكمة ربما يستقطب الثلث او اكثر من مجمل الطيور الآسيوية التي تقضي الشتاء في المنطقة. وتكون المنطقة في اجمل صورها خلال المد عندما تجثم الطيور في اسراب كبيرة على طول الشاطيء. وفي اوقات الجزر تنتشر الطيور في جميع انحاء المسطحات الطينية الشاسعة وبالتالي يكون من الصعب رؤيتها. تبدأ الطيور بالوصول من اماكن تكاثرها في الشمال في اواخر اغسطس، وبعضها يبقى حتى مايو. ويعتبر العديد من طيور المخوض الصغيرة مثل الطيطوى الصغير والطيطوى ذي المنقار العريض، من الطيور المهاجرة لمسافات بعيدة، حيث تقطع حوالي 5000 كيلو متر من شواطيء المحيط المتجمد الشمالي شمالي سيبيريا. وبينما تقضي معظم الطيور الشتاء كله في بر الحكمة، فان بعض الطيور تتوقف في المكان لتناول الطعام والاستراحة قبل ان تكمل رحلتها جنوباً الى سواحل شرقي وجنوبي افريقيا. وتعود من جديد في الربيع في رحلتها المتجهة الى الشمال. اروع الطيور الزائرة في الشتاء هو طائر النحّام الكبير، الذي يهاجر ما يتراوح بين 810.000 منها من مستوطنات تكاثرها في شمالي ايران. وعندما يكون البحر هادئاً ومندمجاً مع السماء الزرقاء، على نحو يصعب فصله، فان المرء يجد نفسه امام منظر لا ينسى حيث يرى هذه الطيور قرنفلية اللون تغطي قناة مصيرة على مرمى البصر. ومن بين الطيور التي يمكن التعرف عليها بسهولة طائر الزقزاق، الذي يتغذى على السرطعانات، بريشة الاسود والابيض ومنقاره الاسود الكبير. وقبل عقد من الآن، كان يعتقد ان طائر الدريجة الكبير طائر نادر الوجود في عمان، حيث لم يشاهد إلا بضع مرات. غير ان مسح اسراب الطيور الجاثمة على الشاطيء في بر الحكمة بواسطة المنظار اظهر وجود عدد لا بأس به من هذا الطائر بينها. وكان هذا بمثابة مفاجأة كبيرة، لان مأوى الشتاء الوحيد المعروف لهذا الطائر السيبيري هو شمال غرب استراليا بعيداً عن عمان. وفي حين تعتبر المنطقة عظيمة الاهمية للطيور المهاجرة، فان بعض اجناس الطيور تتكاثر هنا ايضاً. فطائر خرشنة سوتدرز ودريجة كنتيش يعششان على السبخة السنوية، بينما يعشش طائر القبرة الهدهد والقبرة المتوجة بعرف تحت النباتات في الكثبان الساحلية المنخفضة. وافضل الاوقات لزيارة بر الحكمة هي الاشهر التي تكون درجة الحرارة لطيفة فيها، وخاصة في الفترة من شهر مارس الى مايو، حيث تزدهي الطيور بريشها الرائع الذي يسبق عملية التزاوج