حديث الذكريات: فلاح بن جابر الاحبابي: مئة عام ومئة و خمسون حفيداً.. مشوار عمري حديث الذكريات مع رجل تجاوز المئة عام له طعم آخر.. فهو قادر على ان ينقلك الى زمان وامكنة لم تعشها ولم تراها، ويعود بك الى تاريخ، ربما قرأته في الكتب وربما عن ادواته لكنك لم تراها لكنه عاشها وعاصرها وشارك في احداثها وجلس الى شخصياتها التاريخية واكثر من ذلك انه ساهم في صنع الاحداث على قدر مسئولياته كمواطن عاش على ارض هذا الوطن قبل مئة سنة. اولاده 13 واحفاده 150 حفيدا ولايزال فلاح بن جابر بن مفرح بن حويل بن جهيم الاحبابي كبير وشيخ قبيلة الاحباب كما قال بنفسه بل انه اكد انه يستطيع ذكر اسمه حتى آخر جدوده. يستعيد الوالد فلاح بن جابر الاحبابي ذاكرته على قدر ما تسعفه رغم انها لاتزال نشيطة ويقول تعدى عمري المائة عام وعندما بدأت افهم «يقصد يعي الحياة» كان زايد بن خليفة يحكم البلاد وظل يحكم حتى اصبحت يافعا وكان رجلا عظيما تحبه كل البلاد وتهابة ثم حضرت وعاصرت من بعده طحنون بن خليفة ثم حمدان بن خليفة ثم سلطان بن زايد «والد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة» وفي هذه الفترة كانت البلاد تختلف شكلا ومضمونا عما هي عليه الآن، فالارض مجموعة من الكثبان الرملية في صحراء ممتدة لا نهاية لها، والتجارة بسيطة والزراعة قليلة والحياة تكاد تكون بدائية نستخدم فيها كل الادوات التي اندثرت الآن من حياتنا سواء من الأكل او المسكن او العمل، اما المواصلات فكانت الدابة هي الوسيلة الوحيدة التي نعتمد عليها وكان الجمل هو كل حياتنا والاغنام هي عمادها. ويضيف لم يكن هناك عمل محدد لكثير من أهل هذه الارض وكان الاعتماد الاساسي على جمع الحطب او صناعة الفحم بالطرق القديمة وتعبئته وتحميله في اكياس وبيعه في دبي على فترات متفاوته اما الزراعة فكان الحشيش وبعض الخضروات القليلة هما الاساس وكنا نحش الحشيش ونحمله على الجمال لبيعه ايضا في دبي. ويتذكر الوالد فلاح ايام صباه وشبابه فيقول ركبت البحر كثيراً «وكديت» فيه وكان اول «سيب» وبعد «غيص» يقصد الغوص وعن الغوص يقول انه كان صعبا للغاية لان هناك اناساً يتحملون الغوص وكتم النفس لفترة طويلة واناساً آخرين لا يتحملون لان نفسهم قصير، وكان البحر زمان «زين» لان كان مملوءاً بخير كثير وكان لدينا صيادو لؤلؤ يستطيعون الغوص لمدد تتراوح بين 1.5 إلى دقيقتين، ولكن البحر ايضا رغم خيره كان مملوءاً بكثير من المخاطر فقد كانت العواصف هي اخطر اعدائنا كبحارة ايام كنت فتى يافعا ولكن عندما كانت تأتينا هذه العواصف كنا ننزل في جزر كثيرة مجهولة ونختبئ فيها من هذه العواصف واذا جاءت الرياح بما نشتهي وحصلنا على ما نريد من كميات من اللؤلؤ نعود ادراجنا واذا انقضت مدة طويلة ولم نحصل على ما نريد كنا نضطر للعودة ايضا ولكن مهزومين من عناد الطبيعة التي بخلت علينا، واذكر انه رغم المواقف الخطيرة التي كثيرا ما قابلتني وانا في رحلات الصيد والغوص مع والدي واهلي من ابناء البلدة الا انني لم اتعرض لحادث او كارثة ابدا رغم اني فقدت الكثير من الأهل والاصدقاء والاقارب في هذه الرحلات. وتعود به الذاكرة ايام مرافقته صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة فيقول كنت ارافق الشيخ زايد دائما فنحن تربينا معا وكنا قريبين جدا من بعض، وكان هذا الرجل منذ صباه وطفولته وهو مميز بالزعامة والقيادة شجاعا لا يهاب الخطر ولا يتراجع وله نظرة بعيدة للأمور يستطيع ان يرى بنظره الثاقب الكثير من الأمور التي لا يستطيع غيره ان يراها، وكنا نخرج ضمن رفاقنا وكنا نرتاد الحدائق صوب السيل وجزر دلما وابو الابيض وجزيرة البنيان غرب ابوظبي اما دلما فكانت على حدود البلاد مع قطر وكانت بعيدة جدا في الماضي. ويضيف فلاح قائلا ان اهم فترات حياتي كانت فترة الغوص حيث كنا نخرج في قوافل بحرية نغوص لجمع اللؤلؤ ونعود به الى النوخذة واذكر ان اشهر هؤلاء النوخذة كان خلف بن عتيبة وكان صاحب مجموعة كبيرة من السفن وقد حجيت 4 مرات برا ولكن هناك مرة اخرى حججت فيها مع زايد بالطائرة. ويتذكر عم فلاح رحلات الحج في هذا الزمان فيقول انه عندما حج على ظهر الجمال استغرقت رحلة الذهاب والاياب 7 أشهر ولكن في المرة الثانية حججت مع امي واستغرقت الرحلة ذهابا وايابا 5 أشهر. اما عن زايد فيقول ان من لم يكتب له الحظ في مصادقة زايد فهو لم ير خيرا، فزايد علمنا العدل وعلمنا القانون وعلمنا كيف نعطي الحقوق وكيف نحصل على حقوقنا، حتى انه علمنا كيف نزرع النخيل، لقد كنت من المحظوظين لاني كنت قريبا جدا من زايد فهو رجل نفسه طيبة ويصادق الجميع وكانت له طريقة جديدة ومبتكرة في معرفة اتجاه الريح وقد علمنا هذه الطريقة ونحن صغار لذا لم نترك مكانا ذهب اليه برا او بحرا لم نرافقه فيه. وقال الوالد فلاح الأحبابي لقد عملت فترة طويلة كسفير ورسول لتوصيل او تنفيذ مهمات خاصة او مرافقة زايد في زياراته الرسمية الى القبائل او الامارات او الدول المجاورة وقد رافقته ضمن وفد رسمي في الماضي ربما اكثر من 60 سنة مضت ان قمنا بزيارة الى السيد سعيد بن تيمور وكان زايد رئيس الوفد الذي ضم سلطان بن سرور وحمد البادي وكان ضمنه ايضا الشيخ هزاع وذلك لتحية السيد سعيد بن تيمور واستغرقت الرحلة بنا من العين الى مقر حكم السيد سعيد 18 يوما حيث جلسنا هناك اياما قضيناها في اعمال رسمية وبعدها عدنا. ويضيف لقد تزوجت في حياتي اربع مرات، زوجتان ماتتا وزوجتان عاشتا، وكنا لا نحسب السنين في الماضي ولا نعرف عددها. ويقول ان زوجتي الاولى تزوجتها بعد ان دفعت ناقة مهرا لها وكانت الناقة رخيصة جدا وولدت زوجتي الاولى لي ثلاثة اولاد توفي احدهم وبنتين توفيتا ايضا، بينما انجبت لي الزوجة الثانية 3 اولاد وبنتا وانجبت لي الزوجة الثالثة ولدين وثلاث بنات توفي ولد وبنت وبقيت بنتان وولد اما الرابعة فانجبت ثلاثة اولاد وبنتا وقال في كل هذه الزيجات كانت النوق هي مهر العروس وكان على والد اي عروس العشاء، وبعد العشاء يطلب من العريس ان ياخذ زوجته ويذهب، وكنا بعد العرس نركب المطية واذا لم نجد المطية سرنا على اقدامنا. البندقية ويقول يولد الولد في بلادنا والبندقية في يديه، وكنا نتدرب عليها كما نتدرب على السير على اقدامنا وكانت اولى هواياتنا ونحن صغار صيد الوعول والظبيان وكنا نستخدم الرصاص الذي نشتريه من دبي او الذي كان يأتينا خاماً ونصنعه نحن في القبيلة حيث كنا نقوم بصهره ونصبه فيما بعد في حفرة بها ماء ونساويه من كل الجوانب حتى يأخذ شكل الرصاص اما الآن فيقول مازلت ادير تجارتي التي ازدهرت بعد ان وحد زايد حفظه الله البلاد وظهر البترول فعم الخير وحلت النهضة محل التخلف وتقدمت الحياة نحو الرفاهية واليسر في العيش، ولم يبخل زايد على اي من ابناء شعبه لا بالغالي ولا بالنفيس واستطاع بماله من موهبة زعامية ان يضع الدولة في مصاف دول كبرى وان يجعل لها اسما مميزا وسط الامم. لقد غير زايد وجه التاريخ على ارضنا وحولها الى جنة اذا ما قورنت بالحياة قبل 50 سنة. وقال اسعد لحظات حياتي تلك التي اجلس فيها مع ابنائي واحفادي الذين يزيد عددهم على 150 حفيدا وجميعهم متعلمون ولهم مناصب رفيعة ويساهمون في بناء بلادهم كاخوانهم واشغل منذ قيام الاتحاد الى يومنا هذا عضوية المجلس الاستشاري واعتبر معرف القبيلة الاحبابية وشيخها.