شهدت عروض مساء أمس الأول من ايام الشارقة المسرحية مفارقة غريبة تكشفت لجمهور (الأيام) اثر متابعتهم عرض فرقة مسرح الاتحاد بأبوظبي (عيناها) من تأليف واخراج صالح كرامة وتمثلت هذه المفارقة باستبعاد هذا العمل من مسابقة (الأيام) رغم نضج تركيبته المسرحية. يقدم صالح كرامة في (عيناها) نصاً شديد الارباك الى درجة اضنت المتلقي في متابعة اختلاجات شخوص العمل التي حصرها في حجرة كلاسيكية تحمل بقدمها وغبارها نضارة ما.. شخوص العمل التي غلبت عليها الذاتية كانت بمثابة ذوات في حجرة (العقل) مثلت بحث المؤلف في عوالم التيه السيكولوجي وفاض بحثه بحلة مقنعة على خشبة العرض.. بمؤثرات صوتية ضاجة باختناق كل شيء تبدأ تركيبة (كرامة) او قطعته الشعرية بالتسلل على خشبة العرض ويستهل ربيع (قدمه علاء النعيمي) القذائف الذهنية قائلاً: (عندما كنت هناك كان كل شيء بجواري كانت بجواري حنجرتي اتحدث منها بصوت مبحوح وكأنني قد شنقت للتو). ويستمر ربيع في هذيان الذاكرة لينضم ذيب ــ قدمه حسين سلامة ــ الى زاوية الانهزامية التي يقبع فيها صديقه ربيع وتتوالى حواراتهم الكثيفة والمشبعة بالاسئلة يقول ذيب: (احتمالات كثيرة.. أكثرها قتامة هو الانتظار الطويل.. ان ننفخ اكفنا التي اصبحت اكثر اكفهراراً هل هناك ذنب للانسان اكثر من ذنب معاقرة جسده الماكر؟ اعني الوقت الذي يمر علينا هل هو وقت النوم أم اليقظة؟) ووسط هذا التيه والقلق يدفع لنا مخرج العمل بألفة ودفء عبر شخصية (سمير) ــ قدمه عبدالله ابو شامس ــ كائن شريد منكفئ على ذاته في هذه العزلة الانسانية ليطلق العنان لأحاسيسه احياناً عبر بوح أوتار كمانه الذي بدى ملاذه الاخير وجاء توحد (ابو شامس) مع ثنايا وتفاصيل شخصيته, الى حد اداء المحترفين.. بنظراته القلقة والحائرة التي انهالت لاذعة في صدور المتلقين. وفي ذروة الانكسار والضياع واليأس تقتحم (شوك) قدمتها اشجان, النفوس المهترئة والتي همت بالرحيل عن المدينة التي اجتاحها الغرباء لتهم (شوك) بنغز ذوات (ربيع) و(ذيب). وتصر (شوك) على رحيلها ويستطيع صديقيها اقناعها بالاحتفال على الاقل يخاطب ربيع رفاقه: (برد الحزن السنون قابلة للرقص من جديد من قال لك انها لن تعود.. من؟ هذه السنون قد قلبت خدها كالقمر (شوك) بحاجة الى اصدقائها ندعوها نحن ونودعها نحن افراد اسرة مجتمعين في تابوت واحد). لم يتبق لشخوص كرامة سوى الاحتفال والعيش على ذكريات تصدر (شوك) لمسرح الاوبرا ومشاكستهم البريئة للعم (بوهاشم) لاجل الحصول على (البسبوسة). ويجتاح الغرباء شفافية حجرة (كرامة) وتسطو العتمة على خشبة المسرح لكن مخرج العمل اصر على ان يبقي شمعته تتوسط غياهب العتمة. اداء الممثلين واكب فضاءات النص اذ تحكموا تماماً من تقديم اللغة العربية الفصحى, وجاءت تداعياتهم وحركاتهم وسقطاتهم منسجمة مع روح النص وهذا يعكس التصاق هؤلاء الفتية ورفيقتهم بمسرحهم وايمانهم بروح مؤلف ومخرج عملهم.. ونعود هنا الى مفاجأة استبعاد عمل ناضج الى هذا الحد.. قد يعزو البعض ذلك الى قفز النص من البعد المحلي والعربي الى اطار انساني شمولي, وربما عدم وجود بنية درامية تقليدية.. وهذه المبررات كأنها ضوابط او قيود للجم فضاء المسرح.. هل اضحت عبقرية النص امراً منبوذاً والتصاق كادر العمل بخشبتهم التي تكشف من خلال العرض انهم جبلوها ــ خشبة المسرح ــ بعرقهم ودموعهم؟ كيف لنا ان نكمم روح المسرحيين؟ ... المسرح حر وصانع الحرية.. ولا وصي على المسرح سوى المسرح.. الندوة التطبيقية ادار الندوة التي واكبت عرض (عيناها) لمسرح الاتحاد بأبوظبي الدكتور يوسف عيدابي الذي اشار الى ان العمل هو استكمال لتيار من العروض الحداثية شهدتها (الايام) والتي تناقش قضايا مجتمعنا المعاصر مكثفة تقنيات مسرح اللامعقول من سينوغرافيا وادب وغيرها من العناصر للهروب من الواقع الى الحالات النفسية الداخلية لتحقيق المعالجات المسرحية. اضافة الى المداخلات التي استهجنت استبعاد العمل عن مسابقة (الأيام). تحدث المسرحي العراقي باسم داوود عن اشتغال الممثلين على ادوارهم والمرونة الجسدية التي تمتعوا بها وكذلك اجادتهم في تقديم اللغة العربية الفصحى وذلك بتحكمهم بمخارج الحروف منوهاً الى القيم الجمالية التي اضفاها المخرج على العمل. الاعلامية بريهان قمق اكدت ان العرض جاء آخذا بنصه المخصب بكلام فلسفي خطير.. وتساءلت أليس من وظيفة المسرح ان نخرج منه ونحن محملون بالاسئلة. واشارت في نهاية مداخلتها الى الاداء الذي جاء غاية في التعقيد والذي برهن على ان كل ممثل قد درس حركته وشخصيته بشكل دقيق. وتحدث مؤلف ومخرج (عيناها) صالح كرامة عن طبيعة العمل الذي اعتبره شاقاً وبمثابة نبش داخل جوف الممثل وبعد ان علق على مسألة استبعاد العمل اكد ان ذلك لن يثنيه عن التجريب المسرحي قائلاً: (لا ادري الى اين سأصل والى اي مدن او جزر اخرى او مناطق هلامية سأصل.. سأجرب وأجرب ومن حقي ان اجرب. وحاول الدكتور عيدابي توضيح ملابسات استبعاد العمل مؤكداً ان ما حصل لا يعطل من فاعلية الفرقة وقيمة عملها وتقديرنا لجهودها التي شبهها بالنحت في الصخر داعياً الى منح الفرقة جائزة (اعجابنا وتقديرنا) من خلال هذه الجلسة. جنون البشر احتشد جمهور كبير بقاعة العرض لمتابعة عمل فرقة المسرح الحديث التابعة لجمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح (جنون البشر) من تأليف سالم الحتاوي واخراج حسن رجب وينتمي العمل الى نهج المسرح الواقعي المباشر بقالب كوميدي. مشهد البداية امتاز بمؤثرات صوتية ومرئية عالية التقنية مثلت سقوط الامطار على منزل قديم متآكل في حي شعبي (فريج) وهنا تجدر الاشارة الى الجهد الكبير المبذول من قبل مهندس الديكور وليد عمران ومنفذه محمد الزرعوني اللذين تعاملا مع تفاصيل المشهد بعناية فائقة.. العمل يتناول قضية اجتماعية حساسة وهي نظرة المجتمع للفنان وحتمية الفقر وضيق الحال الذي يصطدم به كل من اختار انتهاج هذا المسلك. (عاشور) قدمه مخرج العمل حسن رجب فنان تشكيلي قاعدته الدولة وهو في قمة عطائه.. لم يبق له سوى صورة مصافحة لأحد الوزراء ليتغنى بمجده الوهمي.. علاقته الصدامية مع زوجته (فضة) قدمتها ملاك الخالدي التي لم تعد تطيق غبار (الفريج) وحالة الحرمان تدفعه لمقابلة احد المسئولين الكبار ليستجدي منه تمويل علاج طفلته وتحسين حالته المعيشية. يعود عاشور خائباً من مقابلة المسئول التي لم ولن تتم لتنهار احلام (فضة) بالارتقاء الى الطبقة المخملية.. ووسط الخيبة واليأس اللذين يصيبا عاشور يداهمه احد اصدقائه القدامى (ابراهيم) قدمه علي جمال الذي تحرر من وطأة الفقر بعد ان سافر الى الخارج واستطاع تكوين ثروة طائلة.. ينتشل (ابراهيم) صديقه (عاشور) من الفقر وذلك بترويج اعماله الفنية لينتقل الى ضفاف الحياة المنعمة يتسارع ايقاع العمل ليكتشف عاشور ان صديقه يقدم على استغلال زوجته (فضة) التي كانت تربطه بها علاقة قديمة ليقدمها كمصممة ازياء في حين ان زعمه برواج ونجاح اعماله الفنية كان زيفاً.. ويقرر عاشور الانسلاخ عن الحياة المنعمة والعودة الى (فريجه) وقيمه ومبادئه رغم ارتفاع الثمن الباهظ الذي يترتب على ذلك.. جاءت الحبكة الدرامية غير مقنعة في الكثير من مراحل تطور العمل الاخيرة.. واعتمد العمل على المعالجات والمواقف الكوميدية لتقديم اطروحته الاجتماعية.. وان كان بعض المتابعين قد نعتوا العمل بأنه احد ضروب المسرح الواقعي.. لكن العمل برمته جاء عادياً ويندرج ضمن اجواء المسرح التجاري الرائج في مصر.. ولعل اقحام العمل في تظاهرة مسرحية نخبوية تهدف الى تأسيس روح المسرح الجاد والارتفاع بذائقة المتلقي وتعريفه على تفاصيل وابعاد اخرى للمسرح لم يكن خياراً في صالح العمل. و(جنون البشر) عمل يعكس محاولة مقدميه في تطويع القيم الانسانية ضمن مسرح جماهيري يؤسس لثقافة اجتماعية مسرحية وهذا الامر جدير بالتقدير لكن هنا تبرز تساؤلات ما هي الاستراتيجيات التي يتوجب على المسرحي المحلي انتهاجها لتجذير المسرح في الواقع الحياتي الاجتماعي هل نحن بحاجة الى تحليق في فضاءات المسرح والاكتفاء بالمشاهد النخبوي.. ام ان واقعنا الثقافي يفرض علينا (تبسيط) المسرح الى الحد الذي شاهدناه في (جنون البشر). الندوة التطبيقية ناقشت الندوة التطبيقية التي عقدت مساء أمس الاول في بيت الشعر بساحة الآداب في الشارقة في جلستها الثانية مسرحية (جنون البشر) مداخلة المسرحي عبدالله صالح ركزت على ان الشق الثاني من العمل افقد المسرحية بريقها, واكد على ان مخرج العمل كان بامكانه ان يقفل الستارة في الشق الاول من العمل. المخرج العراقي سامي الحصناوي اشار الى هفوات الحبكة الدرامية واشاد بقدرات الممثلة ملاك الخالدي والممثل جمال السميطي الذي قدم دور (درويش) بعفوية وتلقائية بالغة واضاف الحصناوي بأن بعض المشاهد خرجت عن اطار المسرح الواقعي الذي يتسم به العمل. الاعلامية ريم عبيدات انتقدت تجميل العمل لصورة الفقر والهجوم الرمزي غير الموضوعي على الاجتهاد المادي.. مؤكدة ان سلبية عاشور في التعامل مع واقعه الاجتماعي سلبية لا يتوجب تقديمها في اطار مقبول. واشار احد المداخلين الى تراجع النص الذي قدمه سالم الحتاوي في هذا العمل مقارنة مع أعماله المسرحية السابقة. وبين مؤلف العمل بأنه غير معني بطرح تساؤلات او تحفيز المتلقي على الخوض في الافكار بقدر ما هو معني بتسليط الضوء على قضية واقعية يعاني منها الفنان والمثقف في الدولة وكافة البلدان العربية. واكد بأن تسمية العمل هو اشارة الى تحول بعض الافراد في مجتمعنا الى مجانين او وحوش يلهثون وراء المادة ومتجردين من القيم والمبادئ الاخلاقية.