هذا الحوار من الملتقى التداولي حول الحرية والمسرح والذي يأتي متدفقاً وحيوياً اخترناه ان يكون بين جيلين من رجال المسرح فهما يمثلان اتجاهين في الرؤية والتفسير والمعرفة رغم أنهما ينتميان الى خطاب الوعي المسكون بالحرية باعتباره جوهر الفن. الفنانان سامي عبدالحميد (العراق) وسعد بورشيد (قطر) لايتدخلان في حوار أو مواجهة بل يحددان هذه العلاقة ودورها في تنمية هذا الجدل. في البدء التقينا الفنان سامي عبدالحميد الذي استهل كلامه بالقول: لأن المسرح ارتبط اصلاً بالتعبير عن قضايا الانسان بما فيها من مصاعب ونجاحات وآلام وآمال.. كل هذه قد تتعارض سواء مع المجتمع أو السلطة أو مع الهيئات المنتجة للعمل وكل هذا يضيق دائرة الحرية حول الفنان, ولكن اذا لم يمنح الفنان الحرية في التعبير معنى هذا ان ابداعه لن يجد مجالاً للانطلاق وكأنه يضع هذا الابداع في صندوق ويقفل عليه. اذن المسرح والفنون بصورة عامة يجب ان يتوفر لها جواً مناسباً للحرية.. ولكن كما يقول المخرج المعروف بيتر بروك: حتى في اكثر البلدان ديمقراطية يبقى المسرح آخر وسائل التعبير خارج حدود الرقابة والسبب واضح لان تأثير المسرح مباشر على المتفرج, وهذه العلاقة المباشرة بين المؤدي والمتلقي وبين الممثل والمتفرج تجعل التأثير مباشراً ويثير عواطفه ويحفز فكره, ولذلك فإن حرية التعبير المسرحي قد تكون في غير صالح جهة معينة, وبالمقابل فهي لصالح الفنان لأنها تطلق المجال لخياله وابداعه. وهكذا يظل المسرح في صراع دائم مع القيود. وهناك نقطتان مهمتان اريد أن اتوقف عندهما. الاولى: انه منذ انبثق المسرح اعتمد على النقد وحينما نعود الى المسرح الاغريقي نرى بان اغلب المسرحيات التي كتبها اسخيليوس ونوفوكليس ويوربيدس اعتمدت على النقد, والنقد بالتأكيد يتصدى للجوانب السلبية, وحينما توجه الى هذه الجهات سوف ترفض, لذلك فإن القيود توضع على الفنانين بنسب متفاوتة بين هذا البلد أو ذاك اما النقطة الثانية فهي الفنان نفسه الذي عليه ان يتوازن مع مفهوم الحرية ويحافظ على جدليتها في واقع حدود النص والمكان. * اذن لابد ان يكون هناك مناخ للحوار المشترك حينما نريد للمسرح ان يزدهر أكثر؟ ــ لابد أن يكون هناك حرية لانه اذا لم يكن المناخ مناسبا سوف يخنق التعبير وبالتالي تتوقف الحياة على الخشبة لذا لجأ المسرح الى العديد من وسائل المراوغة عن عيون السلطة. فكثير من المسرحيات التي كتبت وعرضت وحملت توجهاً نقدياً يخشى القائمون عليها من سيف الرقابة لذلك تختفي وراء الأقنعة, وهنا يدخل التأويل فالاقنعة هي وسيلة من وسائل الهروب من الرقابة مع انها تتخذ اشكالاً مختلفة لاسيما من خلال الرموز حتى لا تتضح الامور. * وهذا ما اثار الجدل في الكنيسة في عصور الكلاسيكية الحديثة؟ ــ نعم الجدل قائم, وقد اوقفت عروض مسرحية ذات علاقة بهذا الموضوع اما في مسرحيات شكسبير, فإنني اعتقد ان ظهور الاشباح, او الساحرات او الاغراق في الاحلام هي رسائل تقنية كان يستخدمها للجذب لانه ادرك ان رواد المسرح يرغبون بهذه الاجواء الغيبية فأدخلها لتوافق معتقدات الجمهور في ذلك الوقت, هذا فضلا على عوامل الإبهار في ذلك. * من خلال تجربتك في المسرح الانجليزي هل تعتقد انك اقتحمت معالم النصوص الحرة سواء في التعبير او شكل العرض؟ ــ في لندن او باريس تمنح للفنان حرية التعبير, لكن تبقى ضمن حدود معقولة. اضافة الى ان المسرحي لديه حس بالرقابة الداخلية يتجنب من خلالها الاصطدام بالمجتمع أو السلطة ولذلك يعود الى وسيلة التعبير غير المباشرة نفسها. سعيد بورشيد اما الفنان سعيد بورشيد (قطر) فقد تحدث في بداية لقائنا قائلا: تأسس المسرح كوسيلة تعبيرية ثقافية تحمل عناوين متعددة في الفعل الجماعي بصور ورؤى بصرية مختلفة. وهو مؤسس على مبدأ الصراحة في الحوار من خلال مناخات وديمقراطية مهدت الطريق له لأن يكون مؤثراً وفاعلاً منذ الفلاسفة الاوائل, الذين تبنوا مبدأ إشاعة الحرية في الرؤية التحليلية للاشياء.. إذن فالحرية هي رديف للغة والحوار والتمثيل وبدونها يكون المسرح اشبه بمذياع اصم ودون فعالية. لقد أبدع الاغريق في كتابة القصص الاسطورية التي كانت تحاكي الطبيعة وظواهرها, وربما لأن قدرة الانسان عاجزة عن الحد من عنفها اي الطبيعة والساحرات حتى يتداركوا فهم الحياة اوالاشياء دون مغالطة فبدأ الحوار الذي اشيعت من خلاله روح الفكر والجدل في ثنائيات الحياة والموت.. الحاضر والمستقبل.. الارض والسماء.. الطبيعة والانسان, هذا الجدل كان يمنح العقل البشري حريته في التصور والتخيل فالصراع لا يأتي من فراغ بقدر ما هو صراع ميتافيزيقي مع هذه القوى. ولو نتمعن جيداً بالنصوص المسرحية التي تلت تلك الاساطير المعروفة في الميثولوجيا الاغريقية نكتشف ان اللغة تواصلت في اشتباكها مع الحرية لاعطاء المعنى العام لصيرورة القدرية: اذ ان أوديب كان قادراً على اطفاء معالم قدريته بحكم كونه ملكا لكن حرية المجتمع وسيادة القانون الانساني هي الحتمية. وهذا ينسحب ايضا على اعمال شكسبير وموليير وراسين الذين انتقدوا الملوك والكنيسة وعلية القوم وهي نتيجة طبيعية لكون المسرح كفكر وفن نشأ وترعرع في كنف الحرية. وبعد ان دخلت البشرية في عالم الحروب والديكتاتورية العسكرية وقف الانسان شاهداً على هذه المأساة يكشفها ويحللها بكل عمق سواء في الأقبية أو تحت الارض أو في السجون المعتمة. ولنا شواهد رائعة أكدت بان للمسرح شأناً رفيعاً في التصدي حتى فيما بعد هذه الحروب كالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهذا لا يمكن ان يستمر بدون قوة الفنان ووضوح شخصيته. * ولكن ماذا يحدث في المسرح العربي؟ ــ هناك تجارب مهمة في الحفاظ على المسرح وحريته خاصة في ستينيات القرن الماضي. وربما لان المسرح هو الفن الوحيد الذي لم يرتم اطلاقاً في احضان السلطات التي تريد ان تحركه وفق اهوائها كوسيلة وبوق اعلامي لها ولكي نعطي شمولية واضحة في هذا المجال, فإن المسرح العربي ازدهرت بعض مرافقه تأليفاً وإخراجا لكنه لم يخرج عن نطاق حدود محليته واستنساخ شكله في التقاليد الاوروبية. اما بخصوص التجربة المسرحية (حريته) في قطر فأستطيع التأكيد بأن المسرح يمتلك حريته المطلقة في التعبير, فنحن لسنا مراقبين لحركته بل داعين الى كشف كل سلبيات المجتمع وفي المسرح حينما يعتنى به فإنه العين الفاحصة القادرة على تسليط الضوء على كل الزوايا والتفاصيل.