يشكل العمل المسرحي (بيت القصيد) الذي قدمته فرقة مسرح الشباب القومي للفنون من تأليف عبدالله صالح واخراج احمد الانصاري انبعاثاً لتجربة مسرحية او نهج مسرحي يستمد خصوصيته من بحثه العميق في هوية المكان وذلك بتضافر عدة عناصر مسرحية بدءاً بالاغراق في تفاصيل اللهجة المحلية التي قدمها النص والمضامين والاطروحات, التي وان افتقدت الى تأطير درامي لكنها عكست الكثير من الجوانب المهمة في ثقافة المكان اضافة الى احتواء النص على الكثير من الحواريات الشعرية وتحديداً في الشعر النبطي واقحام الاجواء الشعرية على خشبة المسرح هو اقرب ما يكون الى محاولة لخلق ألفة مسرحية لدى المتلقي العربي الذي لا يشكل المسرح جزءاً من جذوره الثقافية. اقتنص مؤلف النص مرحلة زمنية خاصة في حياة (ضاحي بن سيف) الذي جسد شخصيته بنفسه على خشبة العرض.. تداعيات ما قبل الموت والقصف الذهني الاسترجاعي في هذه المرحلة الفردية الحرجة كانت محمومة بماض مؤلم. (مريم) اضاءة العشق الانصع في ظلمة حياة ضاحي بن سيف.. ابتلعتها الرمال الى غياهب الموت وهنا تجدر الاشارة الى افتراش خشبة العرض بالرمال والتي لم تقتصر دلالتها على المكان فحسب, بل حملت بعض مقاطع النص اشارات الى الراحة الأبدية التي تنعم فيها (مريم) في هذه الرمال وأنشأ مخرج العمل حواريات خاصة ذات دلالات مع الرمال التي لم تكن مفردة مشهدية فحسب وتعامل معها الممثلون في عدة مراحل في العمل احيت صمت الرمال. وبعد ان استنفد مؤلف ومخرج مشهد الومضة الاسترجاعية للذاكرة بين ضاحي ومريم وقع المؤلف في فراغ مسرحي.. وبدأ بزج شخصيات كالطبيب (سعيد عبدالعزيز) ومن ثم سمعول السكير الشريد الذي قدمه بلال عبدالله الى خشبة العرض, ورغم ان هاتين الشخصيتين عكستا بعض التفاصيل الثقافية للمكان وتحديداً عبر شخصية سمعول التي حملت نبض الحقيقة, لكن يبقى التساؤل الى اي مدى خدمت هذه الشخصيات بناء العمل وتماسكه أم هي محاولة من المؤلف للخروج من الأجواء التراجيدية للعمل. ويلتئم الخط الدرامي للعمل مع اكتشاف ضاحي ان تلك الفتاة المجنونة ــ قدمتها فاطمة الحوسني ــ التي تجوب الفريج (الحي) في النهار وتتكئ على شواهد القبور في الليل هي تركة مريم على هذه الارض قبل اغماضتها الاخيرة.. وتتطور كافة عناصر العمل من اضاءة ومؤثرات صوتية لاثراء اجواء النص المأساوية والمكثفة بالحواريات الشعرية ويأبى المؤلف الا الاصرار على قسوة القدر.. وتذوب روح ضاحي حزناً ليقترب من عذوبة (مريم) تاركاً ابنته طليقة وحيدة في عذاباتها وحرمانها. (بيت القصيد) استعصى على بعض الحضور الاقتراب من جماليات وتفاصيل نصه وذلك لتغلغله في تركيبات اللهجة المحلية لكنه لم ينل من توحدهم مع الأجواء المسرحية المفعمة بألم انساني وحرقة أبدع الممثلون في نقلها, كما أبدع مهندس الديكور وليد الزعابي في تشييد مشهدية مسرحية بسيطة طغت عليها أنسنة من نوع خاص عبر جدرانها الطينية ورمالها الدافئة وتضافرت رؤى الاضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقية لاعطاء بعد للعمل اقرب الى السراب الاسطوري رغم بعض العثرات التقنية التي وقع فيها مهندس الصوت وذلك باقحام الموسيقى بدرجة صوتية عالية لم يراع فيها ضرورة تغلغل الموسيقى برفق الى عمق العمل. وكان التوغل في اللهجة المحلية الذي تحامل عليه بعض المتابعين اضافة وجمالية فريدة تحسب للحركة المسرحية الاماراتية.. فمسرحية (بيت القصيد) وضعتنا على ضفة جديدة من مراحل تأسيس وتطور المسرح المحلي, لكن الهفوة الأهم التي وقع فيها نص مسرحية عبدالله صالح هو ابتعاد بنيتها الادبية عن الكتابة المسرحية وحالة الفوضى التي تمثلت باقحام الشخوص, ورغم ان جمالية النصوص الشعرية تمثل اضافة الى النص, لكن المتلقي يقع في (ربكة) ما اثناء الفرجة فبين حوارية (سمعول) و(الفتاة) المشبعة بالواقعية التهكمية وبين شعرية عالية في حوارية ضاحي والبنت.. في حين تطل علينا شخصية رباع (ناجي خميس) لخدمة وتسيير الخط الدرامي للعمل.. اجواء نصية عدة وكأننا امام انماط وفضاءات مسرحية مختلفة لا يحتملها العرض. الندوة التطبيقية طغت قضية اللهجة العامية واللغة العربية الفصحى على أعمال الندوة التطبيقية التي ناقشت العمل المسرحي (بيت القصيد) وذلك في مقر بيت الشعر. ومن الآراء والوجهات النقدية التي خرجت عن هذا الاطار اكد الدكتور حبيب غلوم على ضرورة الالتفات الى الكتابة المسرحية المتخصصة وذلك بامتلاك ادوات هذه الكتابة موضحاً ان الاشكالية التي وقع فيها العرض هي التركيز على الحالة الانسانية لشخصية ضاحي بن سيف في حين جاءت الحالات الاخرى كمساندة للحالة الاساسية وعزا الدكتور غلوم هذه الهفوة الى ان المؤلف يكتب بهاجس الشخص الواحد في حين اشاد المتحدث بحالات التجلي التي جسدها الممثلون على خشبة العرض. واستهلت ريم العيساوي مداخلتها بالاشارة الى توظيف الشعر النبطي في العمل المسرحي (بيت القصيد) لكنها استهجنت بقاء الدفق الشعري على السطح رغم اغراقه في الغنائية او البكائية وتساءلت العيساوي كيف للمخرج ان يعطي الحرية للنص الشعري دون الاغراق في البكائية او الغنائية.. وأضافت المتحدثة بأن من سمات العمل عدم انغلاقه على نفسه وانفتاحه على طرائق الابداع الاخرى وطرحت امكانية تطعيم النص الى جانب الشعر بالأمثال والقصص الشعبية اضافة الى بعض الممارسات كالفنون الشعبية التراثية لكنها اكدت على ان العمل متجذر في بيئته الاجتماعية والحضارية ويمثل المسرح الاماراتي قلباً وقالباً. وتحدث سعيد عولقي عن الارباك بالبناء الدرامي للعمل وتعميق الشخصيات التي داهمتنا كمتلقين بحالات معينة تدخل بين الخيال والواقع, الكوميديا والمأساة, النثر والشعر وتمنى عولقي على مؤلف العمل محاولة ترتيب واتساق فكرة العمل بشكل خاضع للفهم والاستيعاب. مداخلة هند عمرو بدأتها بنقد ممارسات الجمهور واشارتها الى خلل ما في التلقي والتفاعل مع الأعمال المقدمة وانتقلت عمرو في حديثها الى مسألة تحول الفنانين من التمثيل الى التأليف والاخراج وتساءلت (هل تعود هذه الظاهرة الى ضعف بالقطاع المسرحي المحلي؟). وأثارت عمرو في مداخلتها اقتراب او تسلل اجواء الدراما التلفزيونية الى فضاء المسرح عبر عناصر كالاضاءة والموسيقى التصويرية والتنازل عن الاعتماد على كفاءة الممثل, وفي نهاية حديثها اوضحت عمرو اشكالية الكتابة المسرحية, واصرت على وجود فكرة ما لتوصيلها للمتلقي في حين ان فكرة (بيت القصيد) لم تصل اليها على حد قولها. وركز محمد العربي في حديثه على مدى خصوصية الكتابة المسرحية مشيراً الى اصطياد عبدالله صالح مؤلف العمل للحظة عسيرة تمر في الانسان وهي لحظة ما قبل الموت وهي حالة فرادية.. واضاف العربي ان المؤلف وظف الشعر داخل النص في حين قدم الانصاري مخرج العمل الشعر بطريقة درامية. الايغال في المحلية جاءت مداخلة بريهان قمق موافقة لكثير من المداخلات التي اكدت على استعصاء استيعاب النص لتغلغله في اللهجة المحلية واشارت الى حالة الاغتراب التي انتابت الكثير من الحضور ومن هذا المنطلق طرحت بريهان تساؤلاً: هل المسرح المحلي للاماراتيين فقط أم لكافة المتفرجين داخل قاعة العرض, وتمنت لو ان العمل بجمالياته وامكاناته تم تقديمه بلهجة عامية مبسطة متفق عليها. وجاء رد المخرج المسرحي ناجي الحاي على هذه الآراء بالاشارة الى مقولة المسرحي العراقي سامي عبدالحميد في باكورة جلسات الندوات التطبيقية ومفادها ان اللهجة العامية هي السبب وراء انحراف المسرح. وبعد ان اكد الحاي ميله التام الى هذا الانحراف, اوضح بأن اللهجة الخليجية عموماً غير منتشرة ولا تقع اللائمة هنا على المبدع المحلي بقدر ما اسهم الاعلام في إحداث هذه الفجوة, في حين ان الانسان الخليجي يستوعب ويجيد التعامل مع كافة اللهجات العربية واستهجن الحاي هذا الاصرار على تجريد المبدع والمسرحي المحلي من خصوصيته واضاف: (اصبحنا اغراباً في بلدنا في ظل تركيبة سكانية غريبة ونطالب بأن نترك لهجتنا المحلية.. على الأقل اتركوا لنا هذه اللهجة!! وما ان تصدر المسرحي العراقي سامي عبدالحميد المنصة لمناقشة العمل المسرحي الذي قدمه (الاغنية الاخيرة) امتص اجواء التوتر التي سادت واكد على ان عرض (بيت القصيد) الذي قدم باللهجة المحلية قد جذبه الى حد كبير, مشيراً الى وجود نصوص كتبت باللهجات المحلية ولا تقل بالمستوى الفني والابداعي عن نصوص كتبت بالفصحى واستشهد بكتابات يوسف العاني وعادل كاظم, لكنه أوضح بأن اللهجة استغلت واستسهل استخدامها في المسرح العربي من قبل دخلاء حرفوا المسرح عن طريقه الصحيح وهؤلاء ينتمون على حد تعبير عبدالحميد الى المسرح التجاري وليسوا كتاباً بارزين ولا يمتلكون القدرة الأدبية والفنية لوضع نص مسرحي بل يسطرون بعض النكات والمواقف المضحكة. وجاء تعليق المسرحي المخضرم عبدالحميد بمثابة وضع النقاط على الحروف ووضع حد للجدل الساخن الذي عصف بالندوات التطبيقية منذ بداية أيام الشارقة المسرحية وذلك باخضاع جميع الآراء تحت سقف منطقي يستوعب كافة النصوص المسرحية سواء كانت عامية ام فصحى ولكن ضمن روح المسرح الجاد. الأغنية الأخيرة مسرحية (الأغنية الأخيرة) تجربة مسرحية فريدة بمعالجتها المسرحية المحترفة وعلاقتها الخاصة مع مؤديها مثلت اضافة نوعية الى فعاليات (أيام الشارقة المسرحية). وهذا العرض المسرحي المستضاف الذي يحمل بنصه التشيخوفي حميمية خاصة لدى المسرحيين في أصقاع الارض واكتسبت هذه الحميمية دفقاً آخر وذلك لحساسية هذا العمل بالنسبة لمقدمه الفنان العراقي المخضرم سامي عبدالحميد الذي تصدى لهذا النص المسرحي قبل قرابة خمسة عقود من الآن. (الأغنية الاخيرة) لتشيكوف قدمها المخرج العراقي قاسم محمد برؤية اخراجية حملت مقدم الميلودراما المسرحية عبئاً ثقيلاً لكن عبدالحميد برهن ان مرونته الابداعية ما زالت متوهجة رغم سنوات عمره التي تجاوزت السبعين.. ولعل طبيعة شخصية العمل اضفت تكاملاً ابداعياً لكل عناصر العرض.. حيث توحد عبدالحميد مع شخصية الممثل العجوز الثمل في غرفة الملابس وهوى يصارع سكرات الموت بعد انحسار المجد والتقوقع في زاوية الانهزامية.. (الأغنية الاخيرة) في ايام الشارقة المسرحية كانت اشبه بدرس مسرحي وسامي عبدالحميد ربما هو الاجدر بالحديث عن تفاصيل هذا العمل وعلاقته الخاصة به. حيث قال: (عندما اسند لي هذا الدور وانا في سن الشباب كان الهاجس بتقديم عرض يقنع المتفرجين بأنني شيخ, كان ذلك في عام 1954 بمسرح الملك فيصل في بغداد والذي يطلق عليه حاليا اسم قاعة الشعب واضاف عبدالحميد في حديث جاء ضمن الندوة التطبيقية التي اقيمت بمقر بيت الشعر بساحة الآداب بالشارقة في عام 1972 اقترح قاسم محمد اعادة تقديم المسرحية وبإخراج مختلف وقدم حينها العرض في مسرح بغداد وهو مقر فرقة المسرح الحديث ثم قدم هذا العرض في مطلع الثمانينيات وفي منتدى المسرح بالتسيعينيات وآخر مرة قدّمها كانت قبل عدة اشهر وذلك بافتتاح مهرجان الميلودراما في بغداد. واشار عبدالحميد انه قد لا يتفق مع آراء تشيكوف تجاه الممثل ولا يتفق مع هذه الانهزامية, مؤكداً انه رغم العراقيل والنظرة غير الصحيحة التي يصطدم بها الممثل في مجتمعاتنا لكن الممثل اذا كان مؤمنا برسالته وقيمة فنه فإنه لن يأبه بهذه العراقيل والنظرات. وتحدث عبدالحميد عن خصوصية الميلودراما موضحاً انها تحتاج الى مرونة صوتية وجسمانية وتعبيرية متقدمة واصفاً هذه المرونة بانها لا تتحقق الا بالتأهيل والخبرة والتجربة المتراكمة. واسترجع عبدالحميد مراحله التأهيلية بدءاً بمعهد الفنون الجميلة ببغداد والاكاديمية الملكية للفنون الدرامية في لندن اضافة الى التدريب الذي خضع له من قبل المخرجين الذين تعامل معهم ممثلاً. وقارن عبدالحميد بين الرؤية الاخراجية للراحل ابراهيم جلال الذي قدم معه لاول مرة هذا النص ورؤية وتوجيهات قاسم محمد الذي انتهج الخوض والدخول في تحليل الشخصية محاولاً نبش ما بداخل الممثل من هموم ومعاناة في حين ان ابراهيم جلال كان يركز على الاطار الخارجي, ولا يتعمق كثيراً بمعنى ان قاسم محمد اكثر واقعية في معالجته للنص اذ ان ابراهيم جلال امتاز بكونه ممسرحاً أكثر من كونه واقعيا. واظهر عبدالحميد ذلك بحديثه عن الديكور الذي استخدمه ابراهيم جلال المرتكز على مفردات من رسوم كثيرة مثل: يد تحمل شمعة وسلم في مقدمة المسرح دلالة على صعود الفنان وعجلة حملت دلالة لعجلة الحياة في حين ان قاسم محمد استخدم المفردات الواقعية للمسرحية. وعرج عبدالحميد في حديثه حول استجابة الجمهور للعمل في فترتين متباعدتين مشيراً الى ان طبيعة سنه المتقدمة لم تسعفه لاعطاء القوة الكافية التي يمكن ان تعطي أو التي قدمها في السابق لكنه اكد على اعجاب وتقبل الجمهور بشكل شديد لهذا العمل. وعن نص تشيخوف اشار عبدالحميد ان كتاباته نثرية وهي من صفات الاتجاه الواقعي الذي ينتمي اليه تشيخوف لكن في لغته شاعرية لان مسرحه يعتمد على التأمل فكل شخوصه تغرق في احلامه. ومن هنا جاء التوافق بين بناء الشخصية واللغة التي تتحدث فيها هذه الشخصية. وتحدث مخرج العمل قاسم محمد عن تشيخوف الذي يبقى مطلوباً لانه يدافع عن الممثل وانسانية فن التمثيل واكد انه يقدم نصه ضمن الواقعية النقدية, مشيرا الى أن الاختلاف عن جلال ابراهيم يكمن في اقتراب الراحل من الجماليات الشكلانية في حين انه ـ قاسم محمد ــ يعتمد على نظرية التحليل, والتحليل هو إضاءة للمناطق المعتمة للعوالم الداخلية لدور الممثل. وتحدث قاسم محمد عن دور المسرحي العربي في الحركة المحلية الذي يقتصر على الاستفادة من التجارب والخبرات, مؤكداً ان المسرح المحلي هو لابناء الامارات وهم اصحاب المسرح لانهم الاصلح بلغتهم وذاكرتهم وعشقهم وتجربتهم لهمومهم المسرحية المحلية. متابعة: أشرف الشكعة
