الحديث مع الدكتورة هدى وصفي مديرة المسرح القومي المصري ورئيسة لجنة التحكيم في أيام الشارقة المسرحية يبدأ من الحرية وينتهي الى مفاهيم عديدة عن عنوان التعبير الفني عبر وسائله المكشوفة والمراوغة التي تنحو باللغة الى صور بصرية لتكون معبراً سليماً لتوصيل الافكار التي تحتال على الرقابة للإمساك بحريتها. والحوار مع الدكتورة هدى وصفي يثير في جوانبه المتعددة تفاصيل المعاني المعرفية في المسرح سواء كان تقليدياً ارسطوياً او ملحمياً برشتياً او ثوريا انتقاديا عند بعض المسرحيين العرب. انه حوار مع موسوعة ثقافية مجتهدة تسعى الى بلورة شكل وفكرة عرض مسرحي مميز.. واليكم الحوار الذي استهلته بالاجابة عن السؤال الأساسي المتعلق بالمسرح والحرية قائلة: ــ الحرية والمسرح ربما تشكل هذه الثنائية مدار سجال دائم وتكون موضوعة اطروحات ودراسات ومؤثرات عديدة وقد طالعتنا مجموعة من هذه المحاولات للبحث في هذه العلاقة او الاسلوب لكن دعني اقول: هل بالفعل ان المسرح يحتاج الى الحرية ام ان المسرح هو الذي احياناً من خلال دوره كمعارضة او حكومة ظل أحياناً يوقظ هذا الادراك بالحرية التي لابد من الحصول عليها خاصة لجهة حرية التعبير أو الحقوق الانسانية, المسرح هو وسيلة لايجاد الحرية ففي احيان كثيرة وعلى سبيل المثال ما حدث في بولندا وهي تجربة عظيمة وهي من اجمل التجارب لأنها كانت تتم تحت الأرض وفي موقع محاط بالديكتاتورية واستطاعت هذه التجربة الفريدة ان تثبت وجودها وتنتشر وان تسمع صوتها في حدود وطنها.. وبالتالي هل المسرح يحتاج الى الحرية ام الحرية تحتاج الى المسرح؟.. أعتقد ان المسرح يعطي الحرية أسباب وجودها وليس بالضرورة ان نكون في مجتمع يسمح بالحرية لكي نصل من خلال المسرح الى التعبير الحر لذلك تخشى الحكومات والانظمة من المسرح. اذكر عندما كانت هناك معارضة لحرب اليمن كان هناك نص لعبدالرحمن الشرقاوي واخراج كرم مطاوع ظل عشرة ايام يقدم هؤلاء الجنرالات باخفاء لأنه يدرك بأنه لن تتاح له الفرصة لتقديم هذا النص.. اذن المسرح يحمل في نفسه وبنيته بذور الحرية والوعي بالحرية, يحمل اشياء تجعل الحرية تلجأ اليه لكي توجد, ولا شك بأن مناخ الحرية يساعد على وجود مسرح لكن من الملاحظ ايضاً حينما يشعر الفنان بهذا المناخ نجد ان هناك ترفاً في بعض التجارب بسبب انعدام قضيته قد تكون احياناً الحرية يحدث لها نوع من انواع التجاوز لأهدافها بسبب ما ذكرت ونحن كبلدان (عالم ثالث) نحتاج الى جو من الحرية والى بذل المزيد من حماية المسرح ليمنحنا هذه الوسائل المراوغة للوصول الى حريتنا لأن المسرح يعطينا هذه الاسلحة التعبيرية بشكل او بآخر ويفسح المجال للحرية والفكر والاشياء المهددة للديمقراطية وهو يقيم الحوار ويفرض الاشتباك مع القضايا الراهنة ويثير الجدل.. وبالتالي فإن ارتباطنا به يحتاج الى الحماية والمساعدة لكي يكون قدر المسرح عملاً جماعياً وهذا المسرح بالواقع هو الذي ندين له وننتمي. * لجأ المسرح خلال فترات سابقة الى الترميز او الاستعارة او التخفي خلف ظواهر ممسرحة من واقع الحياة.. فهل هذا هروب الى الحرية ايضاً؟ ــ نعم لقد لجأ المسرح في فترات معينة الى الرمز لكي يخلص من الرقابة المستمرة الخائفة من وجوده واعتقد ان الكثير من الأعمال قد التجأت الى الرمز والمسكوت عنه داخل النص والعرض المسرحي وبذلك يعطي فرصة للمتلقي لكي يفسر أو يقوم بالتأويل في فترات كثيرة من حياة المسرح ولنا على سبيل المثال فترة المسرح الكلاسيكي حيث كانت تمنع مسرحيات احياناً بالرغم من حماية الملوك للفنانين فهناك عبارات تصاغ وتموت, فمثلاً عندما قدم موليير مسرحية (طرطوف) هذا الرجل الذي يدعي الدين ليسيطر على المجتمع لم يعجب المسيسين والمتدينين لأنهم يستخدمون الدين لأغراض اخرى كما نعرف ونجد.. فقامت الثورة ضد موليير لايقاف المسرحية وفعلاً توقفت لذلك فالمسرح حينما يهدد بالاغلاق او بالمعنى تغيب حريته فسيلجأ الى وسائل واشكال من المراوغة سواء في مجال الاقنعة أو الرمز وحتى اللغة القابلة للتأويل على اكثر من وجه لكي يذهب الى لغة القضية التي تعيد المتلقي لكي يتعايش مع الفكرة. * لكن الظواهر المسرحية غالباً ما تظهر بشكلها التجريدي في الغرب بينما يعيد مسرحنا استنساخها.. الا يعزا ذلك الى القوة القائمة على سلب الحرية في التعبير النفسي؟ ــ من الخطأ المقارنة بين المسرح الغربي والمسرح العربي لأن شعوب الغرب لديهم جذور ممتدة من التجارب منذ ما قبل الميلاد, ثم بعد ذلك من العصور الى عصر النهضة اما المسرح العربي فيؤرخ لمراحل قريبة ربما منذ النقاش فليس هناك اكثر من مئتي عام, فكيف تريد ان نقارن هذا المسرح بمسرح لديه تراكمات عبر مئات السنين وحتى المسرح الذي ظهر لم يتحول من العلبة الى المسرح العربي المعبر عن البيئة انه المسرح التقليدي الارسطي وحينما نتكلم عن مسرح الاغتراب او الملحمي فإنه مسرح بريختي لذلك تجربتنا لم تمتد لنقول اننا نستطيع ان نكسر هذه الظواهر نعم لدينا شكل من أشكال التعبير المسرحي نتذوق منه لكنه غير قادر على المنافسة. * ظاهرة المسرح الكوميدي التي بدأت تأخذ ابعادها الواسعة في المسرح العربي حيث يعتقد القائمون عليه انهم قادرون ان يسربوا افكارهم للمتلقي تحت غطاء الضحك؟ ــ نعم ان الكوميديا ترتبط بجمهور معين حتى منذ بدايات المسرح العربي كان هناك لجوء الى الفصل المضحك او اللجوء الى الحوار مع الجمهور وهذا يتفق مع طبيعة الشعب وبالتالي فالكوميديا تعتبر نوعاً من انواع المزاج عند المتلقي العربي لكن استطيع ان اقول ان الاتجاه المدروس في العلاقة مع الجمهور وهذه المشاركة مع المتلقي ايضاً مفقودة في المسرح الاوروبي ولدي مجموعة من ألأصدقاء المسرحيين في فرنسا او اوروبا يقولون ان هذه المشاركة والتفاعل بين المسرح والجمهور العربي لا نجدها بل نتمناها في المسرح الاوروبي ولنا في تجارب كبار المسرحيين الغربيين عندما لجأوا الى بعض البلدان في آسيا او افريقيا او الشرق الاوسط للبحث عن صيغ مختلفة لكي يحدث هذا التلاحم الذي نجده نحن الخروج عن النص. كذلك فإن مسألة المسرح الشعبي الذي يلجأ الى الفصول المدروسة التي نسميها الأشكال الشعبية في المسرح في بعض الحالات التي هي اشكال من التعبير عن الوجدان الشعبي التي تعتبر شكلاً مختلفاً عن المسرح الاوروبي. حوار: ظافر جلود