اعادت العروض التي قدمت مساء امس الاول ضمن فعاليات ايام الشارقة المسرحية الروح والزخم الى فضاءات اروقة معهد الشارقة للفنون المسرحية. حين تصدى المخرج سامي الحضناوي في العرض الاول الذي شهده اليوم الخامس من هذه التظاهرة الثقافية في الشارقة لنص من تأليف رعد مطشر واعداد حكيم جاسم اشتمل على لغة متماسكة ادبيا حتى ضفاف الشعر, فإن الطرح الذي قدمه النص كان المحور الاكثر جرأة.. (الشهداء ينهضون من جديد) لفرقة مسرح كلباء الشعبي خاض في قيم وثوابت وزجها الى ابعاد جدلية.. فمن صلب الواقع والانتفاضة التي تشهدها الاراضي الفلسطينية حاليا ينسج المؤلف طرحه من اللامعقول, ليبث الحياة في الشهداء.. اذ يخرج الاب (سعيد حداد) من تابوته باحثا عن ابنه احمد (عبدالرحمن الملا) بين جثث الشهداء وتسنح اجواء لهفة البحث لتداعيات فياضة بين هذيانات تحمل اسقاطا لرموز ذات طابع قدسي وزعزعة قيم راسخة وتفكيكها. البحث عن جثة الابن الشهيد جيره المؤلف الى بحث عن الذات وتلمس لجدليات الوجود وماهيته. واتسعت اجواء النص لكثير من تداعيات جاءت في قالب المباشرة.. كالتأكيد على عداوة الصهاينة ورهبتهم من شباب الانتفاضة واحيانا اقتربت التداعيات من محرمات او ثوابت محرم التطرق الى ماهيتها وبسلاسة حذرة تستدعي الامعان في النص والاستغراق في العمل المسرحي ككل. في ابداع مراحل تطور العمل الدرامي, يندفع الاب الى غرفة احمد... لتلمس عبق وذكريات الراحل ويصطدم هناك مع لوحات رسمها احمد, (شمس سوداء), (طيور بلا اجنحة). الكثافة الفكرية التي حملها النص الى جانب كثافته الشعرية ابتعدت عن المخاطبة والحماسة واقتربت كثيرا من الاختلاجات النفسية التي تنتاب اطفال وشباب فلسطين وما يمثلون من مشاريع استشهادية. معالجة المخرج للنص جاءت ضمن رؤية تحاكي اجواء النص الشائك ولم يعتمد على الاجواء السينوجرافية بقدر محاولاته استنهاض الاداء الحسي للممثلين ليقدموا اقصى درجات التفاعل مع النص ـ سيد العمل. حركة المجموعة جاءت في اطار ضيق ولم تخدم اجواء العمل الى حد كبير, في حين ان المجسم الثابت المقتبس من اقواس الحرم القدسي الشريف ظل ثابتا في دلالته وخدمت اشلاء دمية متناثرة الى جانب الحجارة في اضفاء دلالات, لكن مفردات الديكور فيما عدا التابوت المتحرك لم تتوحد مع اطروحة واجواء الفكرة الرئيسية وهي البعث من الموت ومضى الحدث المسرحي في اللا زمان واللا مكان في حين كانت الاضاءة عاجزة عن تقديم ايحاءاتها التي كان العمل في امس الحاجة اليها. حوارية مهمة اخفق المخرج في تقديمها وذلك بتقديم شخص ام الشهيد عبر دمية او هيكل وضع عليه لباسا نسائيا محليا بعيدا تماما عن اجواء التراث الفلسطيني او الحزن السوداوي الذي يخيم على نفسية الام الفلسطينية. قدم سلام غالي اضافة نوعية عبر تقديمه زفرات اوتار عوده بشكل حي من وراء الكواليس وجاءت الموسيقى صاخبة ومتصاعدة مع كافة مراحل احتدام العمل, واستنطق عازف العود امكانات آلته بضرب الاوتار بتقنية اقرب الى اسلوب عزف الجيتار الاسباني.. وطغيان الموسيقى على بعض مشاهد العمل لم تكن السلبية الوحيدة التي احدثتها الموسيقى التي عجز العازف على تقديمها سوى عبر جملة لحنية واحدة.. في حين ان التداخل الموسيقي في كثير من مراحل العمل يستدعي تباينا لحنيا وفقا لاختلاف مراحل تطور العمل. ورغم جمالية عناصر العمل والطفرات النوعية التي ضمها فقد سقط العمل امام عقبة لم يتخطاها الممثلون وتحديدا سعيد حداد, اذ ان من بديهيات الممثل المسرحي في اجادة القاء الحوار التمكن التام من اللغة, في حين ان جماليات وقيم النص ذابت مع تآكل مفرداته امام محاولات التوحد الحسي في الاداء.. ورغم ان بعض المتابعين قد القوا بعاتق هذه السقطة على المخرج, في حين انه من غير المعقول ان يغرس المخرج خلال ورشة عمل مسرحية اتقان التعامل مع اللغة العربية الفصحى وتحديدا اذا كان يتعامل مع ممثل في مرحلة عمرية متقدمة. (الشهداء ينهضون من جديد) نهضة نوعية في النص وعمق الطرح الفلسفي مغلفة برؤية اخراجية وازنت بين آفاق التجديد والامكانات المتاحة في التوحد مع العمل لكنهم اسقطوا التكامل الابداعي للعمل. ادار الندوة التطبيقية حول مسرحية (الشهداء ينهضون من جديد) المقامة في (بيت الشعر) الدكتور يوسف عيدابي الذي اشاد بأداء الممثل سعيد حداد معلقا على تقديمه للدبكة الفلسطينية باحساس رفيع. وجاءت المداخلات حول اهمية المجازفة بشباب الفرقة المسرحية وتقديمهم على خشبة المسرح ودور هذه الخطوة في رفد الحركة المسرحية المحلية بدماء جديدة في حين ان احد المعلقين تطرق الى المؤثرات الموسيقية التي جاءت بقالب غير مدروس وغلبت على الحدث والاداء التمثيلي.. واستهجن احد المداخلين سقوط الممثل اثر ذروة مشهدية. وعلق احد المتحدثين على مشهد نهاية العمل الذي حمل نظرة الى الغد واصراراً على الصمود, في حين ان الملابس كانت بعيدة عن الاحداث الدائرة ولا تحمل رمزية للزي الفلسطيني وان الاضاءة لم تؤد وظائفها بشكل تام. احدى المداخلات ركزت على ان الموضوع الذي قدمته المسرحية بدا مستعصيا على المخرج والممثلين مشيرة الى وجود فجوة بين المشهد كموضوع والمتلقي كمتقبل. واثبتت المداخلة على صوت الممثل سعيد حداد الذي نعتته بالهاوي البارع. وتطرقت الى غياب الصوت وكذلك ملامح الوجه في الاداء وجمود الحركة وعدم ملاءمتها للحركة او الموسيقى وهذه النقاط احدثت نوعا من اليأس والخمول لدى المتفرج على حد تعبيرها. وفي مداخلة اخرى تمحورت حول خطورة العرض التي تكمن في النص المكتوب بلغة شعرية عالية الكثافة.. واشاد المتحدث بابتكار حلول اخراجية للسيطرة على كثافة النص وتقديمها بما يلائم العرض المسرحي. واحتدمت معظم المداخلات حول قضية اللغة العربية الفصحى, اذ اشاد البعض بخيار اللغة الفصحى مع التأكيد على ضرورة تجاوز هفوات الالقاء التي تفقد النصوص جمالياتها. في حين تمسك البعض بضرورة تقديم النصوص باللهجة العامية للمحافظة على محلية المسرح. وجاء رد مخرج العمل سامي الحضناوي متسائلا: هل يستمد المسرح قوته من خلال التراث واللهجة المحلية؟ واكد على ضرورة الخروج من هذا الاطار لتجد الحركة المحلية علاقات جديدة مع المسرح العالمي مضيفا انه لا يمكن ان ينشأ مسرح من دون الفصحى. مشيرا الى ضعف الممثل المسرحي المحلي في التعامل مع اللغة العربية, اذ انه يتحدث اللغة العربية الفصحى وكأنه يتصارع معها او يخاف منها, مبتعدا بذلك عن المدارس المسرحية الاخرى. وقاطع احد الحضور المخرج مخاطبا اياه بأنه لا يدري شيئا عن الحركة المسرحية المحلية والاعمال الجيدة التي قدمت في الفصحى والتي تدحض ادعاءه؟ ورد الحضناوي على المداخل مشيرا الى حالة الاستفزاز غير الموضوعية التي انتابته وقبل ان يخوض الحضناوي في رده ومقولته اوقفه مدير الجلسة عن الحديث وذلك بسحب (المايكرفون) من امامه وذلك تداركا لخروج النقاش عن الاطار النقدي والموضوعي. (كوكتيل) المناعي خمس وعشرون دقيقة كانت كافية للمخرج عبدالله المناعي لتجسيد مقولته في فضاء المسرح... مزيج المناعي العبثي في اسلوبه والجريء في طرحه قدمته فرقة مسرح الشارقة الوطني تحت اسم (كوكتيل) في العرض الثاني لخامس ايام الشارقة المسرحية.. امام بوابة الدخول لقاعة العرض فتح المناعي شهية الجمهور لطرح جاد جسمه بشلال اسود من القماش انساب من عليّة بهو معهد الشارقة للفنون وترنح في اسفل الشلال الاسود برميل نفط افرز تدفقاً دموياً بدلالة بصرية حادة وسط السواد اتخذ الحضور مقاعدهم امام ستارة مفتوحة يتوسط عمقها لوحة تشكيلية شكلتها مفردات الديكور الثابتة لتعكس الواقع المركب والنظرة القلقة التي يحملها المخرج وما ان استسلم الجمهور لسلطة المناعي المسرحية ومساعده في التأليف والاعداد محمد العامري.. انبعثت من بين الحضور اربع كائنات مسرحية توشحت حبالاً غليظة وعلى جنبها جعبة قماشية سوداء سيطرح خلال دقائق العرض ما بداخلها, وبضرب عصاتين تسللت هذه الكائنات المسرحية بعبثية إلى خشبة العرض... ويدخل الممثل محمد العامري على المجموعة الرباعية (عادل الراي, أحمد يوسف, سيف منظور, عبدالرضا عبدالله).. وتتوالى اسكتشات مسرحية يولف فيها المناعي مزيجه الخاص جداً بتوظيف متوافق لكافة عناصر المسرح, اذ تنسجم حركة الممثلين وايماءاتهم مع مفردات الديكور الثابتة لدرجة الانصهار في بوتقة مشهدية يسودها السواد... يقص (محمد العامري) حكاية على المجموعة... حكاية الهم الانساني وبقدر ما تبدو هذه القصة لصيقة بالمكان وابعاده التاريخية في اشاراته إلى ترحال المراكب الكبيرة بين الهند وزنجبار... فان الطرح يبدو اكثر عروبية وشمولاً حين يؤكد لمستمعيه ان الهم الانساني بات كبيراً ويضم في جعبته الوطن والدين والشرف... قيم آخذة في الذوبان. وتتفجر تلك الكائنات المسرحية إلى حد الجنون حين يخلص العامري في سرده... (تحت هذا المكان فقط..). ورغم اقتراب (كوكتيل) من النمط العبثي فان مخرج العمل لم يكبل رؤيته ضمن الصرامة المدرسية... واصر على مباشرة مشحونة بجرأة لاذعة وذلك عبر مشهد تحدثت فيه شخوص المسرحية عبر اطارات تمثل شاشات التلفاز... وابل من المقولات الاخبارية التي اختزلت تاريخنا السياسي المعاصر... شهداء يسقطون في فلسطين... عبدالناصر والقوميون. وبرع المخرج في الخروج من هذا المشهد وذلك بتعرية الممثلين انفسهم من هذه الاطارات ــ الشاشات ــ بضحكات هستيرية ذات دلالات على العمر الذي يكتنف المسرح السياسي العربي... اكتفى المناعي بأقل من نصف ساعة لغرس اسئلته الحادة في ذهنية المتلقي موظفاً فضاءات مسرحية رحبة لتجويد عمله المسرحي... في احد المشاهد او الاسكتشات اخرج من جعبة كائناته المسرحية آلات الكمان التي ارتقت بحسها الموسيقي من حالات اليأس والقنوط إلى تصاعدات روحية عكست بطشاً وجبروتاً كامناً في ذواتنا المنهكة. واقترب المخرج كثيراً من المباشرة عبر خطابات شعرية واضحة الاسقاطات والرمزية الامام الشافعي. وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضاً كيانا (كوكتيل) المناعي اضافة مهمة إلى الحركة المسرحية المحلية وتمثل بحث مؤلف ومخرج العمل المستقل في خلق لغته المسرحية الخاصة المفعمة بأرق ابداعي وجدية تمكن فريق العمل بطاقاتها الهائلة من بلورتها على خشبة العرض. الندوة التطبيقية جاءت الجلسة الثانية للندوة التطبيقية مساء أمس الأول لمناقشة العمل المسرحي (كوكتيل) بادارة الدكتور يوسف عيدابي وذلك في مقر بيت الشعر. المداخلة الاولى ركزت على الرؤية التشكيلية التي مثلتها مفردات الديكور. واكد المداخل ان العمل تنفس من خلال حركة الممثلين المحمومة وانخراطهم بالجمهور. وعلق احد المداخلين بأن الاعمال السابقة التي قدمها المناعي تبدو اكثر نضوجاً من ناحية وحدة الموضوع والاسقاطات والدلالات مؤكداً ان وضع هذا المزيج تحت مسمى (كوكتيل) ليس مبرراً كافياً. وفي تعليق آخر وصف المتحدث العرض بلوحة تشكيلية بتداخل الاضاءة والسينوغرافيا وحركة الجسد والموسيقى التي اعتبرها من أهم ابطال العمل. واضاف المتحدث بأن مشهد الاخبار التلفزيونية جسد الواقع في مباشرة غير مرفوضة, ولكنه اشار إلى سرعة النطق التي اضاعت كلمات احس بها الجمهور ولم يسمعها. احدى المداخلات أكدت ان المناعي في (كوكتيل) يقدم اضافة نوعية للمسرح الاماراتي واضافت بأن الديكور جاء كقطعة فنية رائعة تسمح للمتلقي الخوض في الفن التشكيلي, وأثنت على تجربة المناعي التي لم تقتصر على تقديم المسرح مجرد نص وحركة وصوت بل كان بمثابة دعوة للانفتاح على الفنون الجميلة الاخرى. ونوهت المتحدثة إلى علاقة الممثلين بالجمهور التي اضفت تواصلاً خاصاً للعمل, لكنها اشارت إلى امكانية المناعي في استثمار هذا التواصل بشكل اوثق عبر توظيف عناصر اخرى اضافة إلى حركة الممثلين بين الجمهور. وبينت المتحدثة ان المناعي اجاد في تصوير الواقع الاعلامي, اذ ان الجانب الساخر من هذا المشهد تحول إلى شبه جنون واتمت المداخلة حديثها بالقول: (المناعي يثري بعمله هذا المسرح العربي وليس الاماراتي فقط).